‫الرئيسية‬ آخر الأخبار جراح وأشواك.. على جدار الحنين
آخر الأخبار - رأي - أكتوبر 12, 2019

جراح وأشواك.. على جدار الحنين

د.مجدي إسحق

عربدت المشاعر وحاصرتني التهاني وأنا أستشرف العقد السادس من عمري.. وفي القلب دفء أن تحتفل بعد حين والوطن قد تعافى وتمر خاطرة تزين  خاصرة هذا الصباح والاحتفاء بأنه بعد ثلاث عقود يحق لنا أن نفرح وأن نفتح أبواب الحنين.

رغم عبير الفرح ودفء الحنين لكن تشعر إن  في القلب وخزة وعلى جدار المحبة والحنين ترى أشواك وجراح نازفة تفرح باليوم ولا تمنعها من الحسرة على الأمس، جراحا تحكي كيف استلبوا أحلامنا.. واستباحوا تاريخنا.. وسنين من عمرنا ونحن تحت سيوف الظلم والمسغبة نتجرع الألم ونعايش النكبات والمحن، سنينا من عمرنا فرضوا أنفسهم بالبطش ليتسربوا جراثيم بين المسام ليسرقوا كل شيء جميل في حياتنا… فمهما فرحت بالحاضر و تسامت نفوسنا وزادت مراتب العفو والتسامح لن تستطيع النسيان، فما زالت تحاصرك مشاعر الدهشة والغضب حاشا أن تكون منابعها رغبات للتشفي والانتقام ولكنها تساؤلات صادقة عن كيف فقد هؤلاء البشر قيم التعاطف وسمات الإنسانية، فلا ندم يطوقهم ولا حسرة على ما اقترفت أيديهم وفوق ذاك يلبسون ثوب البراءة ويزعمون إنهم ناصعي السريرة والصحائف ما دام لم يشاركوا في سحل وتعذيب وفساد.. فيا سبحان الله أي إفساد أكثر من تكون أن جزءاً من آلة البطش تؤسس لها تدعمها وتغض الطرف عن الظلم الذي يأخذ من عمر أهلنا وصفائهم فيسرق  النبض من حياة الشرفاء وأحلام الملايين، فإن كان الساكت عن الحق شيطان أخرس فما بالك إذا لم يكن سكوتا بل دعما وتهليلا وجزءاً من جهاز دولة الظلم والبطش تساهم في إطالة عمرها وتزيين سوءاتها.

حين قال شعبنا “أي كوز ندوسو دوس”، كما نقول لهم عليكم أن تعلموا، إن من أجرم فالقانون فيصلنا.. ومن شارك بالتأييد  أو من صمت فلن نعفيه من غضبنا وامتعاضنا وفي انتظاره دعواتنا و حساب الواحد القدير ولن نستطيع أن نفتح له قلوبنا صفاء ومحبة، فحاجز الدهشة يمنعنا أن نثق في إنسانية كل من كان جزء من عصبة الإنقاذ حتى وإن لم يصوب بندقية في قلوب الشرفاء، فإنه سرق من سنين عمرنا نضارتها وكتب علينا المنافي والشتات فزرع الجراح والأشواك في جدار المحبة والحنين، فكيف الباب للتسامح والغفران؟!

إن باب الغفران تفتحه أحاسيس الندم ودموع الاعتذار فهي بلسم يمسح على الجراح ويزرع بذور التسامح، ولكن كيف تهب نسائمه وخفافيش الظلام خلت قواميسهم منه وغابت عن قلوبهم الإنسانية ليروا كيف سرقت الإنقاذ من أحلامنا وكتبت علينا الألم لثلاث عقود تجرعنا فيها مرارة الحنين والفراق وقساوة الظلم و أحلامنا الموؤودة.

قلب لم يمر بخاطره أن يعيش بعيدا من نبع الوطن ولكن بين سنين الاعتقال ومحاربة في الرزق ووالد تجاوز الستين يقضي الليالي في محطات البنزين ليوفر لقمة عيش شريفه ووالدة فقدت معنى الطمأنينة من زوار الليل وهي تجلس على كرسيها لأنصاف الليالي تنتظر عودتك خشية ألا تعود.. فكانت حتمية الغربه والألم ولا مفر كتب يومها علينا المنافي لثلاث عقود تعاقر الحنين وأنت تفتقد في كل صباح دعوات حاجة سعدية وهي تتمنى أن تصبح في رعاية الله وحاج إسحق يتمنى أن يحفظك الله من أخوان الشيطان كما يسميهم، كيف أنساهم ودموعهم وأنا أفارق الوطن والحاجه تقول: (انا عافيه منك وراضيه عليك ويحفظك شقيش ما تقبل).

من الذي أعطاكم الحق أن تسرقوا من أعمارنا سنينا كنا نحلم أن نكتحل بمرآهم في كل يوم نتكيء تحت أقدامهم في الأمسيات وبيننا شاي المغربية وحلو الحديث وضحكات من القلب تغسل الروح وتزيل الهموم والعنت.. سرقتم غير عابئين كل ذلك كما سرقتم موارد الوطن ليبقى لي من حصاد تلك السنين بقايا ذكريات صعبة النسيان وأنا أسارع الزمن لأصل أرض الوطن من المطار لغرفة العناية المكثفهة لأكون بجانبه.. أو تلفون قبيح الرنين ونصل في القلب ما زال يؤلم.. وأنا في أرض المنافي ينبئني بأن  الوالده إتوفت.. وأظلمت الدنيا وأظلم الوطن ولن يكون كما كان بدون الحاجة، فمن أنتم لتسرقوا حلم أن أكون معهم استزيد من نبع محبتهم وعذب حديثهم.. أرعى كبرهم وأجلس بقربهم وهم في فراش المرض… فيا جرح ما زال ينزف ويا ذنبا تحملون وزره فهل أنتم تشعرون؟ّ!

لم تكن المنافي دارا للمناحة والبكاء على حالنا بل صارعنا الألم ورسمنا دربا للتطور في دروب المهنة والعمل وإن تبوأنا المناصب ورسمنا الابتسامة على شفاه مرضاهم وطلابهم لكن لم يفارق القلب  ذكرى حاجة التومة التي تأتي من أقصى الغرب مع بنتها لثقة زرعها القدير في مقدرتي على شفاء وحيدتها وهناك طالب الجامعة الذي فقد الثقة في مجتمعه من ذكرى الاغتصاب.. والعشرات غيرهم كيف أنسى دمعاتهم الغالية وأنا أخبرهم بأني سأفارق الوطن. أعلم إن رفاقي لم يتركوهم.. ولكنهم تركوا في قلبي جرح من المحبة ينزف… فمن أنتم لتكتبوا علي المنافي لأحرم من كلمات حاجة التومة ووجهها الصبوح ودعوات مرضاي بالله يخضر ضراعك… ولأفارق تلاميذي وزملائي الذين كانوا  يتحلقون حولي نتدارس ونتحاور نزرع في عقولهم النضر قليل من المعرفة وكثيرا من المودة وحب الوطن.. كيف أنسى أحضانهم الدافئة وعيونهم المبللة في أطراف الليالي وهي يقرعون الباب ليشاركونني لحظات الوداع..

في المنافي تجولنا بين ساحات المدن فرغم عصير الدهشة الأولى والانبهار لكنها كانت تفقد بريقها في ثواني فهي لم تكن يوما  في الخاطر ولا في  الأحلام فما زال في القلب اشتهاء وحنين ينزف لرمال الكوه ولياليها.. وحواري أم درمان..وأزقة الموردة وشوارع مدني..ورمال أم روابة.. وشواطئ بورتسودان.

فمن أعطاكم الحق لتسرقوا منا متعة التسكع في سوق الموردة والعصرية في دار الرياضة أم درمان وأمسيات الأفراح والمناسبات مع الحبان ومن خلفنا يسري صوت الباشكاتب ودندنة زيدان ومعه ضحكات من القلب تعطي للحياة معنى.

رغم بطشكم تزودنا بالعلم وقليل من الزاد لنلقي عصا الترحال ونعود… وعدنا لنجد الفقر ضارب جذوره فصممنا أن نشارك أهلنا فيه ولكن سيف الظلم كان  مشرعا فلا وظيفة في الدولة المستلبة ولا يخجل زميلك أن يصارحك  متخوفا أن تعمل في جامعته لأنك شخص غير مرغوب لدى السلطات فترتمي في دوامة العمل الخاص فلا تقو على أن تعيش على دريهمات لم تفهم مريضتك لماذا أرجعتها لها بعد أن ذكرت لك بعفوية إن العلاج غالي (والواحد بيقطع من لحمه للعلاج) فلم تدر انها بذلك قد حرمت نقودها عليك ويومها رفعت عصا الترحال لتغادر وطنا استباحه الأوباش وقفلت فيه أبواب الرزق وطنا لم يغادرك بل كل يوم يتغلغل في القلب وما بين المسام.

نعم سأحتفي بفرحة ميلاد والوطن ترفرف فيه أعلام الحرية وأركع لربي شاكرا أن أحضرني هذا اليوم… ويحق للقلب أن يمتلئ دفء وأمل.. ولن نتحسر على ثلاث عقود من عمرنا حاول أن يسرقها الأوباش و رغم الألم وعذابات المنافي لم نستسلم بل نحتنا على الصخر عذاباتنا وأحلامنا بيوم الخلاص ولكن ما زال يخدش عبق الذكريات أشواك بطشهم وتجبرهم وسرقتهم للحظات صفاء وحياة كنا نحلم بها..ليرسموا لنا سنينا في المنافي لم نرغب فيها ولم نستسيغها عشناها قسرا ونجحنا ونحن نعض على رصاص الألم لن نغفر لهم خطيئتهم فهي من الكبائر ولكننا سنفتح باب التعايش معهم بحذر إذا تعلموا ما اقترفت أيديهم وقدموا صفائح الندم ومطالب الغفران فإن لم يفعلوا وأشك إنهم فاعلون فقد كتبوا على أنفسهم غضب شعبنا وسخطه على كل ما ضاع ليؤخذون به عند عزيز مقتدر وليكون لنا كفارة وابتلاء في دنيانا يزكي نفوسنا ويرفعنا درجات في عشق الوطن وفي  مقامات الإنسانية والمحبة.

‫شاهد أيضًا‬

قوى الحرية والتغيير: مسلك الشرطة في التعدي على الثوار انتكاسة في مسار الثورة

الخرطوم – الشاهد أدان تحالف قوى الحرية والتغيير، الحاضنة السياسية لثورة ديسمبر المجي…