
يوسف فتاكي (١٩٣٣-٢٠٠٤): للصوت رشاقة النخيل
عبد الله علي إبراهيم :
زرت مدينة ياي في ١٩٨٠ ضيفاً على إسماعيل واني عميد فرقة الرجاف. وكانت الفرقة جزء من أباداماك للكتاب والفنانين التقدميين خلال قافلتنا للجزيرة في أغسطس ١٩٦٩. ثم انتقلت للجنوب بعد اتفاقية ١٩٧٢.
زرت المرحوم الفنان القارئ العابد يوسف فتاكي في ياي في يوليو 1980. وكان لقائي به في إطار انشغال بمعرفة مواقع وممارسات الدين في الجنوب. فقد كانت سياسية الدين، أو دين السياسة، قد أخذ بلب الصفوة الشمالية الحاكمة بعد المصالحة في 1977 الخرطوم. ولم تتحوط الصفوة التي مَكَن لها نميري لحساسية المسألة في وطن ووحدته الوطنية معلقة بسبيبة اتفاقية اديس أبابا. وأعجبت الإسلاميين كثرتهم فأصموا آذانهم مما كان يكتبه بونا ملوال بمسئولية في “سوداناو” بمثابة تحذير من الغلو في السياسة الدينية. ولذا انتهزت فرصة زيارة الجنوب لملامسة مسالة الدين علي الطبيعة. فقد وجدت في مذكراتي عن زيارة الجنوب انني تحدثت الي دعاة مسيحيين مثل السيد أبوديا أكايا الذي قال إنه “يشتغل لربنا”. وزرت كنيسة كنيي على طريق جوبا-ياي. ووقفت عند تراتيلها وطقوسها. كما أخذت علماً بحركة البراكيلا “الطالبانية” المسيحية التي زحفت الي الجنوب من أوغندا. وتتبعت أسبار تقليدية أخري. واستغرقني صمت جامع حسين لورو في الطريق الي ياي.
سألت إسماعيل واني أن يأخذني لزيارة فتاكي. وصرفت سائق العربة التي وفرها لي لورنس مودي مدير مصلحة الثقافة في جوبا. وهو رجل رقيق الحاشية أديب كثير الفضل. وقلت لإسماعيل لنسر راجلين طالما كان منزل المرحوم فركة كعب. وبد لي فيما بعد أن إسماعيل لم يرتح لفكرة المشي على القدمين لرجل في منزلتي له بالحكومة سبب قوي. وحين اجتزت عتبة دار فتاكي طرق مسمعي تلاوة القرآن من صبية من خلوة بالداخل. الله. هذا الصوت أعرفه ويعرفني كما قال شاعر المؤتمر علي نور. للصوت رشاقة النخلة ولمعة الصحراء وأشواقها الكظيمة. فما الذي سربه الي الغاب وكيف تندي بخضرتها الأبدية؟
واستقبلنا المرحوم في ردهة المنزل. وأذكر (لو أذكر) أنه كان أميل الي العلو وجسامة الجسم. وفيه وداعة المعلم. وقدمني إسماعيل للمرحوم بتفخيم وتقعيد قال: “هذا أستاذ في الجامعة. عربيته معاهو ولكن السواق شارب شوية ما كان لازم يسوق”. وكلما تذكرت تهافت الأفندية على عربات الدولة مثني وثلاث ورباع تذكرت إسماعيل الذي قَرّ في ذهنه (وذهن غمار الناس كافة) أن الحكومة لا ينبغي ان تشاهد سابلة أو “أقروب” كما تقول عرب السودان.
نمت شجرة القرآن عند آل فتاكي من بذرة غرستها التركية بين جند أمين باشا الذي كان حاكماً للاستوائية عند اندلاع المهدية. وقد اضطرته المهدية للانسحاب بجنوده الي أوغندا. وهذا أساس إسلام شعب النوب في أوغندا الذين جاء منهم أيدي أمين. وكان فتاكي الوالد أو الجد من ضمن اولئك الجنود. ولما قضي الإنجليز على المهدية عاد الشيخ فتاكي(1880-1958) من أوغندا الي موطنه ياي مزارعاً وداعية للإسلام قوي العارضة هجومياً. وكان بينه وبين مفتش المركز الإنجليزي بعض مخاشنة. فقد سألت الكنيسة مفتش المركز أن يأمره بوقف دق نوبته الصوفية. ورداً للصاع حمل نوبته ودقها في حوش الكنيسة. وسأله المفتش عما يريد فقال أمواس أطهر بها كل القوم من حولي. كما كان الشيخ فتاكي ختمياً أخذ الطريق علي السيد علي. وقد سجلت له نماذج من مدائحه بصوت ابنه وكورس من احفاد الشيخ. أودعتها المكتبة الصوتية لمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية.
أما يوسف نفسه فهو من مواليد 1933 وهو مزارع، وممثل للشؤون الدينية، ومأذون، وخليفة للختمية. وقد حكي عن أيامه الهايصة ك”طمبرابي”، في قول إسماعيل حسن، في الستينات. وهي الليالي التي ذكرها له ا كمال عبد الله البدوي في نعيه بالصحافة. فقد خرج كمال يوماً مسحوراً بصوته الذي شق عنان ياي الغَنّاء ووجده يغني في الحلقة تغلفه حسان الكاكاو والكوكو طيات بعد طيات:
ياي. . . ياي. . . أم بردين
خبر مشي لكومنداي
قال لي أسه إينو
أو اي تواي برندا
أديدا . . اديدا
وقد طاف المرحوم بالجنوب على عربات الجيش مراراً يغني في الليالي الساهرة. وذكر أنه تعرض الي حوادث طريق عديدة. وكان والده يهاديه ويهديه الي أن ينفض عنه طريق الغناء الي طريق ربه. ويبدو أنه أفاق الي الخطر المحدق بحياته من جراء هذا السفر المخمور بعد حادثة كادت تؤدي بحياته. فجاء طائعاً مختاراً الي طريق والده واستلم الخلوة.
حين انصرفنا كان هدي القرآن يخرج من شقوق الطين، وخصلات سقف قش الخلوة. وشيخنا يوسف فتاكي قائم بالأمر كالسيف وحده. وكانت الخرطوم في عزة من إسلامها المستجد لنميري. ولم تستعد بعد لمسيرتها المليونية لتطبيق شرع الله.
رحم الله يوسف فتاكي غنى فأزال صدي النفوس ورتل القرآن وعلمه . . . في الوحشة.
الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش
كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …












