
نساء عظيمات
مروان نصر الدين :
ليس بخافٍ على كثيرٍ من المُطّلعين أن تاريخ السودان القديم مثَّل مصدر الإلهام والاعتزاز الأوحد لذوي الأصول الأفريقية في أوروبا وأمريكا، في مواجهة العنصرية والنظرة الدونية التي رافقت وجودهم لقرونٍ طويلة. كما مثَّل حجر الزاوية في البناء النظري لما عُرف في منتصف القرن الماضي: المركزية الأفريقية afro centric في مقابل ماعُرف بالمركزية الأوربية euro centric. شيخ أنتا ديوب هو أبرز أكاديمي ومنظِّري afro centric، يظل عمله الكبير the African origin of civilian علامة فارقة في كتابة تاريخ وادي النيل على وجه العموم، وتاريخ السودان القديم على وجه الخصوص، حيث كشفت نتائجه عن سندات من التضليل والأخطاء التاريخية والمنهجية على حدٍ سواء.
وإذا كان لتاريخنا القديم هذا الدور الكبير في إعادة الثقة للأفارقة داخل وخارج القارة الأم، فمن باب أولى أن يكون مصدر فخرنا القومي؛ إذ أنّه يظل تراثاً ذا خصوصية سودانية رغم أنف مايُعرف حالياً بالتراث الإنساني، ويمكن أن يُقدِّم مساهمة مُقدَّرة في تجاوز مُعضلات الحاضر إذا أحسنّا فهمه وإستلهامه.
آلبت أن أُكرِّس موضوعي هذا للمرأة في شهر المرأة إذا جاز أن نُسمِّي مارس هكذا، إذ أنّه يضم عيدان للمرأة (8 مارس عيد المرأة، 21 مارس عيد الأم) وهو لا يعدو كونه محاولة لقذف حجر في مياه التاريخ الراكدة، وإلقاء نظرة أعمق من حيث البُعد التاريخي لقضايا المرأة والنوع في السودان القديم، إذ أن الدراسات في هذا المجال _إلاّ إستثناءات قليلة_ لم تتجاوز القرن التاسع عشر الميلادي في إشارات خجولة لنساء مثل: (مهيرة، بنونة، رابحة الكنانية) سابقات الذكر رغم أدوارهنّ المجيدة في تاريخ السودان الحديث، إلاّ أنّ في غياهب التاريخ المجهول نساء أكثر إشراقاً وبهاءً؛ إضطلعنّ بما يتجاوز مهام إزكاء الحماس في قلوب ونفوس المحاربين وإيصال الرسائل. القراءة المتأنيَّة لتاريخ السودان القديم تُوضِّح أن النساء قُمن بأدوار مهمة على خلاف بقية العالم في ذلك الوقت. ويُمكن تقسيم أدوار المرأة إلى ثلاثة أقسام: المرأة كإلاهة، كملكة وككاهنة.
عرف السودان القديم العديد من الإلاهات: (مون) زوجة الإله (آمون)، (نوت) إلهة السماء، (تغنوت) إلهة الرطوبة والندى، (حتمور) التي تتقاسم وظائف الخصوبة ومهامها مع (إيزيس) أكثر الإلاهات أهمية في تاريخ العالم القديم بأسمائها المختلفة (إيزيس وادي النيل، عشتار، إبنانا الرافدين، عشترون، أستر، بتلت، بتول الهلال الخصيب). حظيت (إيزيس) بأهمية دينية فائقة، والكثير من الأتباع في السودان القديم، على النقيض من ذلك مصر القديمة، حيث كان (رع، Re، Ra) إله الشمس الذكوري الذي دُمِج لاحقاً في الإله (آمون) فأصبح (آمون رع Amun Re) هو صاحب اليد العليا. وبما أن عبادة (إيزيس) كانت الأوسع إنتشاراً في السودان القديم فقد حوت تيجان العديد من الملوك الكوشيين صورة (إيزيس) ويبدو أن هذا مأخوذ من دورها كملكة لكل الإلاهات والآلهة.
وتمدّنا تعويذات الملكات الكوشيات بمعلومات إضافية عن مدى تغلغل عبادة إيزيس في السودان القديم؛ إذ تظهر فيها إيزيس وهي تُرضع الملكات الكوشيات، وهذا وضع شاذ في العالم القديم إذ أنه رغم إنتشار عبادتها إلاّ أنها لم تقترن أبداً بالملكية إلاّ في السودان القديم. شاهد إضافي على جلال وعظمة (إيزيس) هو الإشراف المشترك على العبد المكرَّس لعبادتها بجزيرة (فيلة Phelae) بين مصر البطانة والكوشيون الذين سكنت أعداداً كبيرة منهم الجزيرة. وحتى بعد إعلان المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية وإنتشارها الواسع في أرجاء العالم ووصولها إلى مناطق النوبة ظلّت عبادة إيزيس في الوجود حتى القرن السادس الميلادي، وبعد إنتهاء عبادتها بشكلها الرسمي، ظلَّت موجودة في بعض المعتقدات الشعبية في سودان اليوم في طقوس الختان والزواج.
أمّا دور المرأة كقيمة على الشؤون الدينية في التاريخ القديم فيُظهِر مجداً للأنثى لا يُضاهيه مجد، حيث تظهر وثائق القرن الثامن قبل الميلاد _الوثائق التي خلّفها ملوك الأسرة الكوشية أو من إصطلح على تسميتهم وسط علماء الآثار والتاريخ القديم بالأسرة الخامسة والعشرون في ترتيب الأسرات التي حكمت مصر_ تُظهِر هذه الوثائق أن ملوك كوش أرغموا القائمين على أمر ديانة آمون بمدينة طيبة مركز عبادة الإله (آمون) على تبنِّي أميرات من البيت الحاكم ك (تبنويت، أمنرديس) ليُصبحوا فيما بعد العابدات الإلاهيات للإله آمون.
The divine concort of god Amun ويُعتبر مقام العابدة الإلاهية أعلى منصب في التراتبية الدينية لديانة آمون _الديانة الرسمية للدولة المصرية منذ المملكة المصرية الوسطى وحتى نهاية عهد الأسرات والدولة الكوشية طيلة الفترة النبتية وقسماً من الفترة المروية. العابدات الإلاهيات لعبن دوراً كبيراً في منح ملوك كوش الألقاب الملكية المقدَّسة، والحق في حكم الأرضين (السودان، مصر) كما أنهنّ منحن كوش حق تسيير الجيوش وضم الأراضي باسم الإله (آمون) ولعل لوح النصر ل (بيا) العظيم يقف شاهداً على ذلك.
أما تاريخ الملكات فهذا باب ذو ثراء وغنى، إذ أن عشر ملكات كوشيات إنفردن بسلطة كاملة، وست أخريات حكمن بمشاركة أزواجهنّ، وهذا مالم يحدث على الإطلاق في تاريخ العالم القديم. قد يحتج البعض على أن (حتشبسوت) سبقتهنّ إلى هذا، إلاّ أن قليل من التمعن يعود بنتائج مختلفة؛ فحتشبسوت كانت وصية على عرش (تحتمس III) الذي أزاحها عن سدة الحكم في السنة الثانية والعشرين من حكمها وفقاً لأفضل التقديرات، كما أنها إستخدمت ألقاباً ذكورية كما تفيد بذلك بعض المدونات القديمة، إضافة إلى أن النصوص التي خلفتها في معبد الدير البحري كانت تشير إليها مستخدمة ضمائر المذكّر. على التقيض من ذلك نجد أن الملكات الكوشيات إستخدمن ألقاباً نسائية وتمتعن بسلطة لا نزاع عليها.
تُشير المصادر المصرية (سترابو strabo) والإغريقية (ديودورس) والرومانية إلى أن ملكات كوش قُدنَ الجيوش بأنفسهنّ كما هو الحال مع الكنداكة (أمني ريناس) 24 ق.م التي قادت الحملات ضد الإمبراطورية الرومانية حيث إستطاعت في إحدى غاراتها على أسوان _الحدود الجنوبية للإمبراطورية الرومانية_ أن تهزم ثلاث فيالق رومانية وتُسبب الدمار في أسوان وأن تأخذ رأس تمثال (أغسطس قيصر) إمبراطور روما_ توجد نسخة من رأس هذا التمثال بالمتحف القومي. ودائماً ما صورت الكنداكة الكوشية وهي تضرب حزمة من الأعداء في الجداريات (معبد الأسد).
ما يمكنني قوله في الختام، أن إنجازات ملكات كوش لم تقتصر على قيادة الجيوش وخوض المعارك فقط، إنما تميز عهدهنّ بأنشطة أجتماعية وسياسية وجمالية مختلفة، وتقف مثال على ذلك الكنداكة، وأماني توري وزوجها نتكامني، هذا الثنائي الذي عُرف بإنجازاته المعمارية الضخمة المتمثلة في بناء المعابد والأهرام. ولا يفوتني أن أذكرأيضاً أن أول نص مكتوب باللغة المروية في تاريخ السودان القديم هو النص الذي وجد بمعبد آمون في النقعة ويرجع إلى الملكة شنكرخيتي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشر هذا المقال على صفحات ملف تخوم الثقافي
الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش
كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …












