‫الرئيسية‬ آخر الأخبار تراجيكوميديا الكتاكيت
آخر الأخبار - أبريل 30, 2021

تراجيكوميديا الكتاكيت

عبد القادر فاروق
بمناسبة اليوم العالمي للطبيب البيطري

في العام 1997 وانا خريج جديد , لم أكمل عامين في الحقل البيطري , مررت بتجربة أشبه بحلقات (متاعب) التي تنتجها فرقة الأصدقاء المسرحية , حيث كنت قد فارقت – موجع القلب باكيا – عيادتي البيطرية في سوق ابوزيد(التي شهدت عواصف فشلي و نسمات نجاحي) والمسماة(مركز قدورة البيطري GVC ) فراقا أبديا , ويممت شطر مدينة الفاشر الجميلة – تلك المدينة التي دخلتها ضيفا غريبا لا أكاد أعرف فيها أحدا سوى زميل أو اثنين من زملاء الدراسة , و خرجت منها عاشقا محبا لها , بل و مواطن كامل الدسم و سيد بيت . تعلق قلبه بالنقعة و قهوة البنابر وسوق فرشوه وسوق حجر قدوه . بعد أشهر قليلة من وصولي للمدينة للمرة الأولى سافرت للخرطوم لإحضار شحنة كتاكيت بياض للمزرعة التي توليت الإشراف عليها حديثاً. كان الأمر كله تحديا بالنسبة لي , فهي المرة الأولي التي أطبق دراستي فيهاعلي أرض الواقع , واول مرة أرحل كتاكيت بالطائرة و ألاهم أن أكون على قدر الثقة التي اولاتي إياها صاحب المزرعة( الحاج علي محمود , عليه الرحمة). كانت الكتاكيت(بوفان) تنتجها شركة كورال عصر يوم الأحد من كل أسبوع. كان لدى شركة سودانير رحلتان أسبوعيا صباح يومي السبت و الثلاثاء., و بما أن الكتاكيت تتحمل الجوع في اليومين الأولين كانت الخطة مبنية على السفر برحلة الثلاثاء .
عصر الأحد استاجرت عربة دفار , بعد أن قمت بشراء 75 كرتونة لتعبئة الكتاكيت فيها. وعلى حسب المعلومات عرفت أنه يوجد بعض الصبيان قريبا من مقر الشركة يقومون بإعادة تركيب الكراتين التي تكون عادة مطبقة و يقومون بتخريمها لإحداث فتحات تهوية لتنفس الكتاكيت و ذلك بمبلغ ألف جنيه.عندما حاولت جنيه الإتفاق مع الصبيان طلبوا مبلغ عشرة آلاف جنيه و رفضوا التنازل عن الرقم .عندها قمت باعادة تركيب وتخريم جميع الكراتين بنفسى .
بعد تعبئة الكراتين وشحنها فى الدفار ,توجهت للسوق العربى لاحدى العمارات التى يوجد بها مكتب بالطابق الرابع لاحد اقارب صاحب المزرعة , والذى كان قد اتفق مع خفير العمارة لانزال كراتين الكتاكيت عنده فى مدخل المبنى لقضاء ليلة الاحد ويوم الإثنين حتى موعد طيارة الثلاثاء .عندما وصلنا للخفير حوالى الساعة السابعة مساء , رفض باصرار غريب استلام الكتاكيت معللا ذلك بخوفه من الكلاب والقطط !مما اضطرانى لرفع ال 75 كرتونة لوحدى بالسلالم للطابق الرابع , بعد ان تركنى صاحب الدفار وتعنت الخفير .
بعد ذلك رجعت للمنزل ولسانى يكاد يخرج من التعب . نمت فوراً ليلة مسهدة ومليئة بالكوابيس المليئة بالكلاب والقطط وهى تلتهم الكتاكيت .فى اليوم التانى ذهبت لسودانير وقمت بحجز التذاكر لي وللكتاكيت .فجر الثلاثاء – الذى صادف أول رمضان . فى المطار تم منع البوكس الذى يحمل الكتاكيت من الدخول الى الطائرة الا بعد دفع مبلغ خمسين الف جنية امنية !لم اكن املك المبلغ لكن بالصدفة لمحت شخصاً بالكاد اعرف اسمه من الفاشر معنا فى نفس الرحلة ,اقتحمته فوراً وعرفته بنفسى وطلبت منه المبلغ . لم يقصر الرجل , ودفعت مبلغ الامنية , ورغم ذلك تم رفض دخول البوكس .
اخذت اهرول فى جميع الاتجاهات وصار الجميع فى صالة المغادرة الداخلية (موظفوا سودانير ,افراد الامن , الخ ) يتهربون منى حتى طارت الطائرة وانا انظر !اخذت اسب واسخط والعن الجميع باعلى صوتى لكن ضاع صوتى هباء .
لم يكن هنالك مفر من اخذ كتاكيتى ومحاولة حل المشكلة بعيداً عن المطار ,فاليوم الثلاثاء واقرب رحلة يوم السبت التالى والكتاكيت لابد ان تأكل وانا لا املك مالا ومكاناً ولا خطة للتعامل مع الموقف .رجعت مرة اخرى لقريب صاحب المزرعة , ومنه علمت ان لابناء صاحب المزرعة شقة شبه فارغة فى الديم . فوراً ذهبت للشقة الموجودة فى الطابق الثالث وقمت _ كالعادة وحدى بعتالة 75 كرتونة للطابق الثالث .كان لابد من تدبير اكل وشراب للكتاكيت فوراً وباى طريق . وجدت فى الشقة صينيتى طعام كبيرتين . قمت فوراً بشراء رطلين سكر ووضعت صينية فى احدى الغرف وملأتها بالماء وذوبت فيها السكر ثم قمت بتفريغ نصف عدد الكراتين من الكتاكيت .ذهبت للغرفة الأخرى وقمت بنفس الاجراء .بعد ذلك وبمجرد رجوعى للغرفة الاخرى رايت ما لم يخطر على بالى .رأيت الكتاكيت وهى تغرق فى الصينية وترجف من البلل مما اضطرنى لسحب الصينية وحمل الكتاكيت بيدى كل اربعة مع بعض ورفعها قرب لمبة القلووز فى السقف لتدفئتها .قبل ان اكمل التدفئةسمعت طرقاً على الباب الشقة ووجدت شخصا أخبرني أن هنالك كتاكيت تتساقط من بلكونة الشقة ! ,نزلت مرعوبا للأرض , وحمدت الله ان العددالذي سقط لم يكن كبيرا, وقمت باغلاق الفتحات التي تساقطت منها الكتاكيت بقطع قماش قديمة . وبسبب نفاد المال قمت باستدانة جوال علف كبار (لم أجد علف كتاكيت) من سوق السجانة كحل مؤقت لمشكلة العلف. الصداع كان أن يخرم رأسي بسبب الغضب والتعب والصيام لكن على كل حمدت الله على الحل المؤقت وتركت هم يوم غد للغد.
صباح اليوم التالي وبعد مجهود وجدنا عنبرا للدجاج البياض في مزرعة الجامعة ,, لكنه ملئ بمخلفات دورة سابقة وبالتالي لا يصلح للكتاكيت .كان الحل المقترح إما التنظيف – وهو المستحيل نسبة لعامل الزمن أو استجلاب قلاب رملة ليتم فرشه فوق الأرضية القديمة(وهو اكثر استحالة لأن أصغر قلاب كان بمبلغ ستين الف جنيه وأنا لا أملك حتى ألف جنيه , ولكن لأنه( ما بتحير إلا مغير) وجدت خفير المزرعة يجلس في غرفة 4*5 , فقد قمت باستئذانه و اخرجت عنقريبه الوحيد من منتصف الغرفة وضايرت ما يمكن مضايرته من الكراكيب الموجودة بالغرفة و أتيت بكهربجي قام بتوصيل لمبة قلووز في منتصف الغرفة , و قمت بتفريغ الكراتين من الكتاكيت . عندما أردت توفير الماء , وجدت ان المياه مقطوعة من المزرعة , مما اضطرني الي اللجوء إلى (الترعة) القريبة لاستجلاب الماء بواسطة جركانات ماء كانت موجودة بغرفة الخفير !
عند احضار الماء وجدت ان كل الشرابات بالمزرعة شرابات كبار مما اضطرني لاستخدام نظرية (الغراب النبيه) وذلك بوضع عدد من الحجارة الصغيرة في كل شرابة بعد تعبئتها بالماء حتى لا تغرق الكتاكيت. استمرهذا العمل طيلة الأربعاء والخميس والجمعة. كنت أقضي النهار بطوله مع الكتاكيت وأرجع للفطور لمنزل عمي باللاماب بحر أبيض شعبطة في سلالم الدفارات , ثم أعود بعد التراويح للمزرعة في شمبات ثم أرجع للبيت قرب منتصف الليل.
مساء الجمعة أمضيت كل الليل في تعبئة الكراتين بالكتاكيت . بعد الثانية صباحا تحركت بسيارة بوكس للمطار لألحق برحلة فجر السبت – بعد أن دورت (شكلة كاربة) في شركة سودانير و اعتذروا عما حصلوا و التزموا بترحيل الكتاكيت. عند وصول البوكس لاستوب المؤسسة أخذ العسكري الموجود في الاستوب يقوم بحركات(لولوة) محاولا الحصول على رشوة , و حينما تمنع السواق قام العسكري بضرب مساعد السواق بالكف, مما ادى لاشتعال المشكلة , و كاد العسكري يتسبب في عدم لحاقنا لمواعيد الطيارة . بعد شد و جذب وصلنا المطار , و مرة اخرى رفضوا تحميل الشحنة!!
عتدها انفصمت انفصامة كبرى و خرجت عن طوري تماما في المطار و شتمت كل من استطعت شتمه ذلك اليوم ولم يجرؤ أحد على إيقافي, و عندما كادت الطائرة أن تقلع تم أخذي إلى كابتن الرحلةالذي قال لي سنجعلك تمضي على تعهد بأن حياة الكتاكيت مسئوليتك , فقلت له : لو عايز تأكيد جيب معاك المصحف و الإنجيل و التوراة و صحف إبراهيم و موسي ذاتهن لو عندك انا مستعد احلف عليهن .
الحمد لله أخيرا تم شحن الكتاكيت , و رغم كل المصاعب كان المفقود من الكتاكيت حوالي 15% فقط من العدد الكلي , والباقي الذي وصل المزرعة كانت دورته ناجحة جدا , حيث وصل الانتاج في قمته إلى 94%

‫شاهد أيضًا‬

كتابات حرة : الأخطاء المبررة

ريم عثمان : المبادئ لا تتجزأ، مقولة يستخدمها الكثيرون لتثبيت مواقف معينة تحسب لصالحهم في ح…