‫الرئيسية‬ آخر الأخبار سرد – ورطة المكان الآخر
آخر الأخبار - مايو 2, 2021

سرد – ورطة المكان الآخر

سيد أحمد إبراهيم

“لقد كنت مريضًا بالأمس، أو لست متأكدًا متى كان ذلك بالضبط، ولكنني في كل الأحوال، لم استطع رؤية ما ألفيته خلفي، فقررت أن أغمض عينيّ”.
مجتزأ من رسالة وُجدت على الطاولة

استيقظ العجوز الطيب صباح يوم هادئ، وشعر – فور استيقاظه – بشيء غريب ومريب؛ بدا له كأنما فقد شيئًا ما، نهض من سريره الخشبي القديم وجلس على حافته، مرتديًا فنيلته الداخلية البيضاء ذات الكم القصير وسرواله الأبيض المهترئ، أدار بصره في الأشياء من حوله مرتين، محاولًا إعادة اكتشاف غرفته التي تفوح منها رائحة السنين الطويلة، نظر ناحية صورته المعلقة على الجدار، ورأى نفسه كما يراها كل يوم: وجه مهترئ وملامح لامبالية؛ لا شيء جديد، سوى هذا الاحساس غير المريح الذي ينتابه بأن شيئًا غريبا قد حدث.
تجاهل العجوز ذلك الإحساس، وقال في ذات نفسه: هو الإرهاق، وبقدميه ذات الساقين النحيلين، اتجه ناحية باب الغرفة. وفي طريقه للخروج من الغرفة، تذكر أنه كان بالأمس مريضًا بعض الشيء، وقف قليلًأ للتحقق من ذلك، وبعد أن أقنع نفسه، ابتسم ابتسامة لا مبالية وسار باتجاه الحمام الذي لا يبعد من الغرفة أكثر من ثلاثة أمتار، لكنه عاد أدراجه بعد ثوان قليلة بخيبة أمل سببها انقطاع المياه من الصنبور.
ليس غريبًا على العجوز، انقطاع المياه في الصباحات، لذا لم ينزعج وعاد إلى جلسته فوق سريره الخشبي. مسح وجهه بباطن يده في تعبير عن استياء مزمن كحركة عادية، فأثاره الصوت العالي الذي أصدرته هذه الحركة ــ احتكاك باطن كفه مع وجهه ــ كيف يمكن لذلك الصوت أن يكون عاليًا لهذه الدرجة، تساءل في نفسه، وسرعان ما انتبه لغرابةٍ تحدث في هذا الصباح، هدوءٌ على غير العادة، فلا ضجةٌ تتسرب عبر النافذة، ولا أصوات سيارات بالخارج كعادة الصباح، فقد كان يستيقظ كل يوم على ضجة قاتلة، يمهل نفسه وقتًا ليتجنب الموت بها صباحًا ولكنه رغمًا عنه يموت بها مساءًا. بدا هذا الصباح غريبًا بلا شك، فكر العجوز، أثناء ذلك أيضًا، كان قد افتقد حفيدته ذات السبعة أعوام التي تحتضنه وتلاعبه بحب ولهفة كبيرين عندما يستيقظ، تحرك من غرفته متجهًا لفناء المنزل، لمعرفة ما يحدث، لم يجد شيئًا سوى الحفيدة تجلس ساهمًة على الأرجوحة التي تتحرك بحزن شديد، مشى نحوها مناديًا باسمها، وحين لم تعرهُ اهتماماً، تقدم خطوات أخرى حتى وصل قريبًا منها وحرك كفه أمام وجهها، ولكن بدت تلك العيون الصغيرة جامدةً مكانها، وبدا فمها مزموماً، وصمتٌ يحوم حولها، وكانت كما لو أنها لا تراه، تراجع مشدوهاً، وظلت هي تتأرجحُ دون أن تنتبه لحضوره، كما ظلت عيناها جامدتين وشاردتين وبداخلهما حزن عميق.
بدأ العجوز يتوتر من هذا الصباح، وطفق يفكر فيما يحدث، ويتساءل عن أشياء اعتاد وجودها بشكل معين، لم يتساءل بالطبع عن غياب بقية أفراد أسرته، إذ لم تكن العلاقة التي تربطه بهم قوية بما يكفي لتفقدهم، لكن أكثر ما آلمه حقاً هو تجاهل الحفيدة غير المُبرَّر، لم يجد سبباً لائقاً لما جرى. وبعد ضجة غزت رأسه واستمرت طويلًا، همّ بمغادرة المنزل إلى مكان عمله الذي ظل يعمل به منذ أن تقاعد، أي منذ أكثر من عشرة أعوام ماضية. غيّر ملابسه وخرج عبر الباب الخلفي، حتى لا يضطر لرؤية حفيدته التي تجنَّبت مخاطبته واحتضانه هذا الصباح ، خرج شاعرًا بطعنة في صدره وربما ألم في قدمه، لأنه كان يمشي عارجًا على قدمه اليسرى.
ربما أسأتُ معاملتها بالأمس؟، سأل العجوز نفسه محاولًا إيجاد تفسير لتصرف حفيدته الصغيرة، فقد كان عادة ما يدللها وتحبه أكثر من أبويها، يتذكر ضحكات عينيها وهو يلاعبها في الصباح، تسعده ضجتها الصباحية على عكس الأشياء من حوله، لم يكن يقارنها بأي شيءٍ آخر، فهي في نظره كل الأشياء، وكأنها مكافأة عمره الطويل الذي لا يسعد بذكر شيءٍ معين فيه، كانت حياته الحالية مبنية على الحركة التي تخلقها حفيدته الصغيرة الجميلة ذات الضفيرتين المنسدلتين ، فتضفي لها بريقاً ومتعة تُشعِرهُ بعافيةِ وجوده، اعتاد قبل خروجه إلى عمله في كل صباح، أن تباركه بضحكتها وملاعبتها ودفء بشرتها الطفولية حين يحتضن وجهها الناعم بوجهه القديم الشائخ. طوقت الأسئلة رأسه وأوشك على الإنفجار، وغرق في بئر أفكاره المتداخلة، حتى انتبه في لحظة، أنه يسير وسط الطريق السريع، ولدهشته، لم تنبهه أي سيارة بإطلاق إنذار، بل كانت تسير بجانبيه كأنه ليس موجودًا من الأساس، ذعر العجوز وتسلل بقدمين راجفتين حتى خرج من منتصف الطريق وجلس على حافة الرصيف محاولًا فهم ما يجري، مرر كفه على وجهه المتعرق وأطرق لبرهة بملامح ضجرة ورأسه غارقة بين ركبتيه النحيلتين لا يدري ما أصابه في هذا اليوم الغريب.
اكتسى وجهه بشيء من الملامح المنزعجة، وقرر مواصلة طريقه إلى العمل، وصل بسرعة ولم يشعر بطول الطريق، ولكنه شعر بمسمار حاد ينغرس ف رأسه، عندما وجد مكانه بالعمل فارغًا، ورأى بدلًا عن ذلك لوحة قاتمة شديدة الحزن معلقة في مكانه، تقدم ببطء حتى وقف أمامها، تفرس في اللوحة فبدا له كأنه يرى وجهه ذا الملامح اللامبالية ولكن كان شاحبًا أكثر، تسمر أمامها وتصاعد كبخار يتسامى عن العبث الذي يلف هذا اليوم، بيد أنه سال كله على قدمية عندما رأى كذلك وجه حفيدته ظاهرًا ملتصقًا بوجهه في اللوحة، انفتح أخدود في جوفه واندفعت المسامير تنغرس في رأسه بقوة حتى قارب على السقوط أمام اللوحة، ولكنه تمالك نفسه عندما لاحظ أن أن حفيدته في اللوحة تبتسم، لكنها كانت ابتسامة شاردة وحزينة، هدأ قليلًا، وحاول فهم ما يجري وهو يمسح حبات عرق من ناصية رأسه المنهك، وجد نفسه يبتسم بشكل تلقائي عندما نظر إلى وجه حفيدته المبتسم، وسمع أصداء ضحكتها وهي تشق جدران المكان، خفف ذلك من آلامه وقلل من الضجة التي احتلت رأسه، وفكر في شخص يحادثه، غير أنه كالعادة، لا يأبه له أحد ممن حوله، طاف في أرجاء مكان عمله وطافت بذهنه ذكرياته في هذا المكان، والعلاقات الطيبة التي ظلت تربطه به لأكثر من عشرة أعوام، تداعى فتذكر جلسته تحت هذه اللوحة هادئا كقط عجوز، وذهب بذكرياته إلى أبعد من ذلك، مكانه في عمله الأول قبل تقاعده، كان يحب وضع لوحاتٍ على جدران مكتبه، ويقف لأوقات طويلة أمام تلك اللوحات أثناء ساعات عمله، ويتهيأ له أنه وقف لشهور طويلة، لا سيما وهو يردد في كل مرة يشرد فيها ذهنه : “… أقسى الشهور، ينبت الليالك من الأرض الميتة، يمزج الشوق والذكرى، يحيي الجذور الخاملة بطل الربيع”*، كان يشعر بكل ما يمكن الشعور به في وقفته تلك، الضحكات القديمة، الأحزان العابرة، المواقف المحرجة، المرآة كظل خائن، الجدران والسنين، أرجوحة الفناء، طعنة في الصدر، وخدر في القدمين، تحرك من مكانه تاركًا اللوحة خلفه بكل الوجوه التي ظهرت فيها، والموت الذي خلفته على وجهه الكئيب ذي الابتسامات الفاترة، سار ببطء وإيقاع خافت، مرورًا بين السيارات الصامتة والأرصفة المتألمة والمحلات المزدحمة، توقف لبرهة أمام محل حانوتي فارغ من الزبائن، فكر في الدخول وشراء شيء قطع بأنه يحتاجه، لكنه تذكر أن لاحد يأبه له، فواصل سيره دون توقف.
بكل الانكسار الذي قد يصيب شخصًا ما، دخل العجوز إلى المنزل من الباب الخلفي، وتوجه ناحية الحمام، قضى مدة لم يكن متأكدًا من قدرها، كان منشغلًا بأن صنبور المياه يعمل، خرج من الحمام مبتسمًا وكأنه قد فهم شيئًا ما، نظر من مكانه إلى أرجوحة الفناء وأومأ إلى حفيدته التي مازالت هناك، خامره إحساس بأنها فهمت ما قصده، وولج غرفته بعد أن أغلق بابه عليه، وبهمة ونشاط من يعي كل خطواته، أخرج قلمًا وورقةً من درجه، انكفى لدقائق يكتب رسالة طويلة لا أحد يعلم ما فيها، ثم وضع الرسالة على الطاولة القريبة، نظر إلى الأعلى وبحركة سريعة، أنزل صورته من على الجدار، وبنفس القلم، رسم عليها خطًا مائلًا فشكَّل مثلثاً أعلى اللوحة من اليسار وأرجعها إلى مكانها، كانت ملامحه في تلك اللحظات تشي بالرضا، وكأنه قد عاش يومًا رائعًا!، وقبل أن يرى ما سيحدث، استلقى على سريره، وقرر أنه لم يستيقظ في ذلك اليوم.

* الأرض الخراب ـ تي . إس . إليوت

‫شاهد أيضًا‬

كتابات حرة : الأخطاء المبررة

ريم عثمان : المبادئ لا تتجزأ، مقولة يستخدمها الكثيرون لتثبيت مواقف معينة تحسب لصالحهم في ح…