‫الرئيسية‬ آخر الأخبار طالبان المدجنة وطالبان المتخيلة وآفة الانتصارات الوهمية
آخر الأخبار - رأي - أغسطس 23, 2021

طالبان المدجنة وطالبان المتخيلة وآفة الانتصارات الوهمية

رشا عوض :

استيلاء حركة طالبان على السلطة في كابول يوم الاحد الخامس عشر من أغسطس 2021 بعد انهيار الجيش الأفغاني أمام قواتها الزاحفة من مقاطعات البلاد المختلفة يحتاج إلى تحليل سياسي وتأمل فكري عميق، يفسره بعيدا عن الثنائيات الآيدولوجية التبسيطية مثل: انتصار الإسلام على الكفر، او انتصار الشرق على الغرب الامبريالي، او هزيمة الثقافة المحلية في عالم الجنوب للنيولبرالية الغربية، او هزيمة “الاسلام السياسي” للعلمانية،فهذه “التبسيطات الكسولة” تريد القفز الى استنتاجات مستعجلة لإهداء “نشوة النصر” المفقودة والمرغوبة بشدة من قبل الشعوب المسلمة الرازحة تحت وطأة الهزائم المتلاحقة، وخير من يجيد هذه القفزات الأكروباتية هو “الإسلام السياسي” بمختلف تياراته.
طبعا النظرة الشاملة لهذا الحدث لا بد ان تنظر إليه من زوايا متعددة تتضمن إشكاليات الامبريالية والنيولبرالية وجدلية الهويات الثقافية والحداثة وإختلال العلاقة بين عالم الجنوب و الغرب والمعارك بين “الإسلام السياسي” والعلمانية والديمقراطية، ولكن دون القفز الى إرضاء الغرور الآيدولوجي للاسلامويين الذي يصور ما حدث في أفغانستان كانتصار “لفسطاط إيمان لا نفاق فيه” تمثله طالبان الاسلامية على “فسطاط كفر لا ايمان فيه” تمثله أمريكا! إذ ان الوقائع على الأرض تثبت ان استيلاء طالبان على السلطة في كابول الآن لا يمكن فهمه وتفسيره على خلفية موقف جهادي نقي مصادم للأمركان بسلاح عقيدة “الولاء والبراء” ومفاصلة “الفسطاطين”! هذا الموقف يمثل”طالبان المُتَخيَّلة” في أذهان القواعد الجماهيرية التي يسيطر عليها الى حد كبير الخطاب التبسيطي الساذج والمضلل، اما طالبان الموجودة الآن على الأرض فهي “طالبان المُدَجَّنة” أو “المُستَأنَسة” التي فاوضت امريكا على مدى سنوات، وتوجت المفاوضات بتوقيع اتفاقية سلام معها في الدوحة يوم 29 فبراير 2020 بموجبها تنسحب الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف الناتو تدريجيا من أفغانستان بالشروط التالية:
1- لن تسمح إمارة أفغانستان الإسلامية التي لا تعترف بها الولايات المتحدة كدولة والمعروفة باسم طالبان لأي من أفرادها أو أفراد الجماعات الأخرى، بما فيها القاعدة باستخدام أراضي أفغانستان لتهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها.

2- سترسل إمارة أفغانستان الإسلامية التي لا تعترف الولايات المتحدة بها كدولة والمعروفة باسم طالبان، رسالة واضحة بأن أولئك الذين يشكلون تهديدا لأمن الولايات المتحدة وحلفائها ليس لهم مكان في أفغانستان وستصدر تعليمات لأفرادها بألا يتعاونوا مع الجماعات أو الأفراد الذين يهددون أمن الولايات المتحدة وحلفائها.
3- ستمنع إمارة أفغانستان الإسلامية التي لا تعترف الولايات المتحدة بها والمعروفة باسم طالبان أي جماعة أو فرد في أفغانستان من تهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها وستمنعهم أيضا من تجنيدهم وتدريبهم وتمويلهم ولن تستضيفهم وفقا للتعهدات الواردة في الاتفاقية.

4- إمارة أفغانستان الإسلامية التي لا تعترف الولايات المتحدة بها والمعروفة باسم طالبان ملتزمة بالتعامل مع طالبي اللجوء أو الإقامة في أفغانستان وفقا لقانون الهجرة الدولي والتعهدات الواردة في هذه الاتفاقية حتى لا يشكل هكذا أشخاص تهديدا على أمن الولايات المتحدة وحلفائها.

5- لن تمنح إمارة أفغانستان الإسلامية التي لا تعترف الولايات المتحدة بها والمعروفة باسم طالبان تأشيرات سفر، أو جوازات سفر، أو تصاريح سفر أو أي من الوثائق القانونية الأخرى لأولئك الذين يشكلون تهديدا على أمن الولايات المتحدة وحلفائها للدخول إلى أفغانستان.
عبارة جو بايدن الذهبية
هذه الشروط الخمسة وردت في الجزء الثاني من نص الاتفاق الذي وقع عليه من الجانب الأمريكي المبعوث الخاص الى افغانستان السفير زلماي خليل زاده ومن جانب طالبان عضو مكتبها السياسي الملا بارادار، وتضمن الاتفاق ايضا إجراء حوار بين طالبان والحكومة الأفغانية المدعومة من أمريكا وحلفائها في كابول وصولا الى عملية سياسية سلمية، ولكن هذا الجانب من الاتفاقية فشل، والشيء الوحيد الذي نجح هو تحقيق الجزء الأهم من المصالح الأمريكية الاستراتيجية من حربها الطويلة في أفغانستان والتي يلخصها الجزء الثاني من اتفاقية السلام مع طالبان، والمصلحة غير المعلنة والتي يسهل استنتاجها من مجمل ما جرى هي إعادة انتاج طالبان كأداة من أدوات أمريكا في المحيط الجيوسياسي لآسيا الوسطى، فأفغانستان تجاور إيران والصين وثلاثة من جمهوريات آسيا الوسطى ذات الأغلبية المسلمة السنية التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق(طاجكستان واوزبكستان وتركمانستان)، وهذا ليس غريبا على الإطلاق، إذ ان علاقة امريكا بطالبان شأنها شأن كل علاقاتها بتيارات الاسلام السياسي علاقة براجماتية لا مكان فيها لاي “رومانسيات” لبرالية ، وحتى طالبان يبدو انها قد تخلت عن كثير من “رومانسياتها” الدينية ودخلت(كليا او جزئيا) الى بيت الطاعة الأمريكي وهذا سبب صعودها السهل الى السلطة! والأيام سوف تكشف ما هو الدور الجديد المرسوم أمريكيا لطابان في محيطها الإقليمي.
هناك عبارة ذهبية للرئيس الأمريكي جو بايدن في سياق خطابه حول الانسحاب الامريكي من أفغانستان وهي ان “مهمة الولايات المتحدة ليست بناء امة في ذلك البلد! فتلك مهمة الأفغان”!
وفعلا “بناء الامة” في اي بلد هو مسؤولية شعبها، هو فعل تاريخي يتم بالأصالة لا بالوكالة، وفي حالة المجتمعات المسلمة ذات التركيبة القبلية والعشائرية المضادة لفكرة الدولة الحديثة والقيم الديمقراطية يحتاج “بناء الامة” الى “التنويريين الأصلاء” أصحاب المشاريع السياسية الوطنية المستقلة ذات القاعدة الشعبية، وبوصول طالبان الى السلطة تبتعد افغانستان كثيرا عن تحقيق كل ذلك! لأنها حركة ظلامية! كل التطور الذي حدث لها خلال العشرين عاما الماضية هو اتقان لعبة البراجماتية السياسية دون تطور يذكر في المرجعية الفكرية، فظهور احد قيادات طالبان في التلفزيون في مقابلة تديرها مذيعة سافرة الوجه والتصريحات المتواترة بالسماح للمرأة بالتعليم والعمل، كلها رسائل سياسية للخارج لرفع الحرج عن “الحليف الأمريكي الخفي” اما للداخل الأفغاني فقالت طالبان تصريحا لا تلميحا: لا مكان للديمقراطية وهنا تكمن الكارثة!
نماذج متعددة للانتصارات الوهمية!
دفوف الفرح بعودة طالبان التي تدقها تيارات الإسلام السياسي ويجاريها في ذلك حتى غير المسيسين في البلاد الاسلامية ظاهرة جديرة بالنقاش لأنها متكررة مع كل حدث، والسبب في ذلك ان الشعوب المسلمة بكل أسف تتمرغ في اوحال هزيمة تاريخية كبرى مكتملة الاركان: اخلاقيا وسياسيا واقتصاديا وبالضرورة عسكريا، هذا هو الواقع بلا رتوش، بعض اشكال ردة الفعل على هذه المأساة هي حالة الانكار المرَضي للواقع ومغالطة الحقائق والبداهات بصورة مثيرة للشفقة، ونتيجة لذلك بدلا من الاجتهاد في تفهم اسباب الهزيمة والبحث المضني عن وسائل واقعية وعقلانية للخروج من حفرة التخلف، كرس كثيرون اجتهادهم في تحويل مختلف الهزائم الى انتصارات! والخيبات الى انجازات! فحتى الآن هناك من يحتفلون بانتصار المجاهدين الافغان على الاتحاد السوفيتي!! وانتصار صدام حسين على امريكا في ام المعارك!! وانتصار أسامة بن لادن في غزوة نيويورك!! وانتصارات حماس على إسرائيل!واخيرا انتصار طالبان على امريكا!!
كل هذه الانتصارات المزعومة هي هزائم استراتيجية كاملة الدسم والفاعل الاصلي فيها هو المخابرات الامريكية والغربية ووكلاؤها الاقليميون!
الذي اخرج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان هو امريكا! وكان المجاهدين الافغان هم أدواتها في ذلك إذ مولتهم وسلحتهم وزودتهم بالمعلومات الاستخبارية فضلا عن ان الاتحاد السوفيتي في عقد الثامنينيات من القرن العشرين كان في مرحلة أفول واضمحلال بلغت منتهاها في خاتمة العقد فانهار العملاق واسدل الستار على حقبة الحرب الباردة! هذه هي الأسباب الرئيسة للنصر!! فسبب النصر ليس كرامات المجاهدين الذين كانوا يفجرون الدبابات السوفيتية بمجرد رشقها بالحجارة وتلاوة قوله تعالى” ومارميت إذ رميت ولكن الله رمى”! طبعا هذا لا ينفي البطولات والتضحيات التي بذلها “المجاهدون الأفغان” على الارض وانهم خاضوا المعارك بصدق واخلاص ، ولكن نظرا لغياب المشروع الوطني العقلاني فشل المجاهدون الأفغان في تحقيق الحد الادني من الامن والاستقرار والكرامة لشعبهم واشتعل صراع الغنائم فيما بينهم مخلفا ارتالا من القتلى في قلب المدن فاقت من قتلوا اثناء الجهاد المزعوم! واستمر مسلسل البشاعات وعبث المجاهدين حتى وقعت البلاد في أسر طالبان التي اخرجتها من تلك الدوامة العبثية عبر اخراجها من التاريخ الى كهوف الماضي !! إذن نجح الجهاد الأفغاني في خدمة الهدف الامريكي (هزيمة نفوذ الاتحاد السوفيتي) ولكنه لم يقدم للشعب الافغاني المسلم سوى الفقر والقهر والتخلف الذي بلغ ذروته بوصول طالبان الى السلطة! وفي العهد الطالباني لم تصدر افغانستان للعالم سوى الإعدام الوحشي للأبرياء بواسطة الارهابيين أوالإعدام المعنوي لهم بواسطة المخدرات! فأين الفتح الاسلامي المبين هنا؟
أما غزوة اسامة بن لادن ممثلة في تحطيم برجي التجارة في نيويورك فقد اتت بالاحتلال الامريكي لدولتين: العراق وأفغانستان ولا ادري كيف يكون المنتصر هو من هدم بنايتين والمنهزم هو من احتل دولتين! ولا ادري ما هو المعيار الذي بموجبه قُلًد صدام حسين وسام النصر في “ام المعارك” التي انتهت باكتساح العراق وتدميره واحراقه بالحروب الطائفية!! ولا ادري ما هو المنطق في الزعم بان حركة حماس انتصرت على إسرائيل في حين ان المحصلة النهائية للمسلك السياسي لحركة حماس هو تقزيم القضية الفلسطينية وتراجع مطالبها من تحرير الاراضي المحتلة واقامة دولة مستقلة للفلسطينين الى مجرد فك الحصار عن قطاع غزة!! والسماح بفتح المعابر لوصول الغذاء والدواء والوقود!! وخروج ودخول المواطنين من والى القطاع !! أو استعادة بضعة منازل في احد احياء القدس انتزعت لصالح مستوطنين!! وبعد ان تطلق حماس صواريخها صوب إسرائيل وترد الدولة العبرية بغاراتها الجوية الكثيفة التي تلحق بالفلسطينيين خسائر في الارواح والممتلكات والبنية التحتية لا اساس لمقارنتها بالاضرار الطفيفة لصواريخ حماس يخرج الناس مهللين ومكبرين لان حماس انتصرت لأنها قتلت عشرة اسرائيليين(منهم مدنيون) وهؤلاء المحتفلون ينسون ان اسرائيل في المقابل قتلت الاف الفلسطينيين وسحقت المنازل والطرق ومخازن الاسلحة!! وبعد احتفالات النصر تتقزم القضية الفلسطينية أكثر فيصبح محورها إعادة إعمار قطاع غزة!! وتصبح اموال إعمار قطاع غزة محور صراع جديد بين الفلسطينيين بمن فيهم قادة حماس!! والمضحك المبكي ان وجود السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة هو في الاساس من مخرجات عملية السلام الناتجة عن مؤتمر مدريد ثم اتفاقيات اوسلو، وحركة حماس رغم رفضها لهذه الاتفاقيات التي ابرمتها منظمة التحرير الفلسطينية(فتح) ، ورغم زعمها انها غير مستعدة للاعتراف باسرائيل ورافضة لحل الدولتين وان مشروعها هو تحرير كامل التراب الفلسطيني، رغم كل ذلك لم تزهد حماس في خوض الانتخابات التي مرجعيتها السياسية تلك الاتفاقيات! وخاضت المنافسة بضراوة على سلطة في ظل ترتيبات اساسها النظري اتفاقيات مع اسرائيل وفي مقدمة شروطها الاعتراف باسرائيل! والمحصلة النهائية لعدم مبدئية حماس وتضحيتها بالاتساق الاخلاقي والسياسي في سبيل غنائم السلطة في وطن ما زال محتلا، هي هزيمة مزدوجة! إذ لم تنجح حماس في أداء واجبات السلطة كما لم تنجح في مشروع المقاومة! وبدلا من ان يكون الفشل مدخلا لاستكشاف طريق النجاح كان مدخلا لصناعة الانتصارات الوهمية التي تخدر الشعوب المكلومة بالأكاذيب!
اخيرا ، لا نصر يدعو للفرح في أفغانستان ، بل هناك أزمة فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية من العيار الثقيل، وطالبان تمثل الأزمة في أعقد تجلياتها، والانتصار التاريخي سوف يتحقق في اليوم الذي يتخلص فيه الشعب الأفغاني من طالبان بإرادة وطنية ذاتية مستقلة، وعلى أساس مرجعية فكرية مستنيرة تهزم مشروعها الظلامي المتخلف الذي هرب من جحيمه المواطنون الأفغان الذين تعلق بعضهم بأجنحة الطائرات الأمريكية اثناء إقلاعها من مطار كابول مفضلين الموت على طالبان!

‫شاهد أيضًا‬

ليلة القبض على مُتاجر مع البرتغال (1964): هويتنا

عبد الله علي إبراهيم : كان نقاش هويتنا من جهة انتماء السودان إلى العرب أو الأفارقة (علاوة …