‫الرئيسية‬ آخر الأخبار ما بين الصفق و الفروع و الشجر و الغابة: في فهم الثورة و التغيير في بلاد السودان
آخر الأخبار - مايو 29, 2022

ما بين الصفق و الفروع و الشجر و الغابة: في فهم الثورة و التغيير في بلاد السودان

بكري الجاك:

هنالك تعبير شائع باللغة الانجليزية يقول Missing the forest for the trees و يمكن ترجمته حرفيا بأن “التركيز في الشجر يحجب عن رؤية الغاية”، اما دلالته المعرفية فتعني عدم القدرة في فهم أو تقدير الاطار و السياق الكامل لمشكلة بعينها او وضع ما بسبب الاصرار علي التركيز علي اجزاء أو جوانب محددة و اهمال البقية. النتيجة الطبيعية في حالة وقوع الباحث أو المحلل في ورطة ال Myopia اي ضيق الافق و قصر النظر هي أن قراءآته و خلاصاته في فهم و تفسير الواقع ستكون قاصرة لأنها ستوصف شجرة او شجر بعينه و تنصرف عن بقية الغابة، و عليه الخلاصات التي سيتوصل اليها المحلل و التي قد تربط حدوث ظواهر بعنيها باسباب محددة (كتطبيق عملي لما يعرف بال Rationality اي العقلانية) ستكون قاصرة، و مثلها ستكون التدخلات المقترحة في معالجة الظواهر لانها لا تخاطب كل جوانب المشكلة. في علوم السياسات العامة مثل هذا الخطأ اصبح بمثابة البديهيات كحصيلة طويلة لتطبقيات نطرية التعقيد Complexity Theory القائمة علي محاولة فهم الظواهر من عدة جوانب لتجنب الخلاصات القاصرة، و في علوم اجتماعية أخري نفس مباديء نظرية التعقيد تعرف بالا intersectionality او التقاطعية و تعني في جوهرها أخذ عدة عوامل و جوانب في فهم و تحديد المواقع الاجتماعية للافراد.

في تقديري أن جزء كبير من أسباب التباين في المواقف السياسية بين جل الفاعلين الثوريين ليس له علاقة بما هو ظاهري كما يبدو أو كما يصوره كتاب البيانات و المواثيق التي تظهر جوهر الخلاف و كأنه ما بين قوي محافظة تسعي الي السيطرة علي التغيير و التحكم في مآلاته حتي لا يحدث خلخلة كبري في البنية الاجتماعية مما سيحافظ علي شبكة المصالح التقليدية وفق الشروط القائمة لعلاقة السلطة بالثروة (وفي احسن الاحوال نتيجة هذا المدخل هو تغيير شكلي لا يغير في طبيعة علاقة السلطة و الثروة كما يُصوّر) و قوي تسعي الي تغيير جذري أهم ملامحه هو تجذير السلطة في القواعد و بناء نظام سياسي ودولة وفق عقد اجتماعي جديد سيؤدي بالضرورة الي اعادة تعريف المصالح بما في ذلك تقاسم الموارد المادية و مصادر القوة نفسها بتفكيك اصل السلطة و انهاء مركزيته. للذين يكترثون لقراءة كل البيانات التي تصدر من كل الفاعلين السياسيين من امثالنا ربما يكون ما اوردته في عالية هو ما يبدو كجوهر و اصل الخلاف، و لكن سرعان ما يتأمل القاريء المدقق في بيانات القوي الموصومة بانها قوي محافظة و تعمل علي تصفية الثورة حتي تتضح حقيقة واحدة بائنة أن كل هؤلاء الفاعلون (المختلفون افتراضا) يتحدثون عن نفس المطالب و التطلعات. أصل الخلاف يمكن ارجاعة الي اما 1) احكام مسبقة من قبل الفاعلين عن بعضهم البعض نتيجة لممارسات سابقة،او 2) غياب الثقة، او 3) محض عبثية سياسية لا علاقة لها بما هو موضوعي و عقلاني، هذا فيما يتعلق بتفسير اسباب الخلافات التي هي موجودة في مخيلة الفاعلين السياسيين عن بعضهم البعض أكثر من وجودها في مواقفهم المعلنة. موضوعيا ليس هنالك ضرورة لأن تتطابق الرؤي بين كل الفاعلين بل الضروري هو كيفية ادارة التنوع في الرؤي.
هنالك جانب آخر مهم في اسباب الخلافات و هو جوهري و معرفي و هذا يتعلق بقراءة الواقع و تفسيره، في ظني أن هنالك بعض الفاعلين الذين ما زالوا يتحدثون عن الدولة السودانية كشيء خيالي في المطلق و ليس له ادني معرفة واقعية بطبيعة هذه الدولة الآن و ما آلت اليه، وهذا الأمر الذي يجعل البعض يتحدث عن مطالبة الدولة بالاضطلاع بمهامها الاساسية المتمثلة في احتكار العنف و استخدامه وفق اطار دستوري و قانوني و منع الاخرين من استخدامه، انفاذ التعاقد، و تنظيم المجتمع باستخدام السياسات العامة. اندهش في كثير من الاحيان حين اقرأ البيانات و المواثيق التي تطالب بتقديم الجناة الي محاكمات عادلة و توفير العلاج المجاني و التعليم المجاني، و سبب دهشتي ليس في عدالة و وجاهة هذه المطالب بل هي في اعتقاد كتاب هذه البيانات أن هنالك دولة و جهاز دولة به اي قدر من الكفاءة و الاحترافية و النزاهة لتلبية اي من هذه المطالب. ففي التحليل الذي يفترض وجود دولة يكمن الخلاف الابستمولوجي، فظللت احاجج منذ وقت أن الدولة السودانية مختطفة و اجهزتها المختطفة توظف لاكتساب شرعية اجتماعية و سياسية لعصابات منظمة لها امتدادات اقليمية. الأحري بنا بدل مطالبة هذه الدولة بتحقيق العدالة و انصاف المظلومين و توفير التعليم المجاني و معالجة المرضي بأن نعمل علي استعادتها و اعادة بناءها، فهي بالفعل قد تلاشت في جل ارجاء البلاد و لم يبق منها الا مظهر عنف السلطة. سوء فهم الحقيقة المتعلقة بطبيعة الدولة هو في ظني جوهر الخلاف و ليس ما ينشر في هذه البيانات.

و سواء لاسباب الخلافات الظاهرية أو لسوء فهم و تحليل الواقع كما اشرت في عاليه، حالة الثورة السودانية و حراكها السياسي أوصلنا الي مرحلة الضياع ما بين الصفق والفروع بل قليل منا من يري الشجرة او الشجر، اما الغابة فاصبحت و كأنها من عوالم الميثولوجيا حين تذكر في متن التحليل. الصفق هو افتراض ما يقوم به اي فاعل سياسي هو الشيء الوحيد في المشهد السياسي، و الفروع هي افتراض أن ما يقوم به بعض الفاعلين لا يصب في نفس الهدف الذي يسعي له فاعلون آخرون، أما الشجر فهو معركة ذات المواثيق و المبادرات رغم أنها موضوعية من حيث المسوغات و السياق. خلاصة القول أن الغابة التي أصبحت نسيا منسيا في خطابنا السياسي هي الهدف الكلي المتمثل في الوصول الي دولة مدنية ديمقراطية تقوم علي المواطنة المتساوية و تصون الكرامة و الحقوق، و الأهم هو التوافق علي آليات بناء هذه الدولة مع تطوير وسيلة ندير بها خلافاتنا الظاهرية و تصوراتنا الناتجة من مقاربات معرفية متعددة في قراءة الواقع.

‫شاهد أيضًا‬

الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش

كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …