
في قضية فتاة العفاض: النيولبرالية والخرافة متباريات
معتصم اقرع:
امتلأت وسائط التواصل بقصة طفلة من بلدة العفاض تدعي انها تشفى الأمراض تماما كالسيد المسيح. “ووثق مقطع فيديو توافد أعداد من المرضى من أصقاع السودان، إلى “طفلة العفاض”، لرشهم بالماء، بزعم أنها تعالج في مشهد مثير للدهشة والحيرة.”
ليس هناك ما يثير الدهشة في ادعاء فرد أشياء غريبة وغير منطقية. يوجد في كل مكان في العالم أشخاص موهومون أو محتالون أو شيء من هذا القبيل. فيما يتعلق بالفتاة السودانية، فإن السؤال المثير للاهتمام من وجهة نظر سوسيولوجية ليس حول ادعاءاتها المذهلة عن قدرتها على علاج الأمراض المستعصية. السؤال المثير للاهتمام حقًا هو لماذا تصدقها جموع غفيرة من الناس في بلدتها وخارجها.
بطبيعة الحال، الخرافات وسوء التعليم والفهم الغابر للدين من العوامل التي تكشف الناس وتجعلهم يميلون نحو تصديق مثل هذه الادعاءات.
ولكن هناك عامل رئيسي آخر وراء الظاهرة غائب بشكل عام عن خطاب الادانة.
لاحظ ان الميل إلى تصديق فتاة العفاض لا يختلف عن الإيمان بالفقرا والشيوخ واهل العلاج الشبيه. نفس الأسباب التي تدفع الزول إلى الإيمان بمثل هذه المؤسسات تدفعهم لتصديق فتاة العفاض ولو الي حين.
جزء من السبب الذي يحفز الناس للإيمان بمثل هذه الروايات العلاجية هو أنه في ظل العدوان النيوليبرالي الذي خصخص الرعاية الطبية وحولها إلى سلعة أصبح العلاج باهظ الثمن والآن أصبح الوصول إلى الرعاية الطبية الجيدة امتيازًا فاخرًا متاحًا فقط لنسبة ضئيلة من السكان بينما لا يستطيع معظم الشعب دفع تكاليف العلاج حتى للأمراض البسيطة.
لكن من لا يستطيعون شراء الرعاية الطبية ما زالوا بحاجة إلى الأمل بما انهم بشر. وهذا الأمل يمنحه لهم الفكي في نسخه المتعددة. فعندما يذهب المريض والممكون للبحث عن العلاج عند الفكي، فإنه لا يمنحه الأمل فحسب، بل يديهو البركة المقدسة، ويعامله معاملة إنسانية كريمة، لا تتوفر دائما عند كل الاطباء، ويحترم إنسانيته ويسمح له بدفع ما يمكنه، بمعنى أنه لا توجد رسوم محددة، يمكن للشخص دفع ما تيسر أو يمكنه الدفع لاحقًا أو حتى عدم الدفع.
المراكز الصحية الخاصة لا تعالج المرضى بهذه الطريقة، بل تتعامل معهم بمنطق السوق الرأسمالي المعاكس. ولهذا قال فيلسوف ان الأغنياء لم يتركوا للفقراء غير الله (والماورائيات) وكذلك النيولبرالية السودانية لم تترك للفقراء إلا الفكي والفقرا. ولهم عزوة في أبو الأعلى المودودي الذي حارب العلوم الحديثة وعندما أصابه المرض العضال اتجه الي بوسطون على ظهر بوينج انتجتها العلوم الحديثة بحثا عن علاج انتجه العلم الذي حرض ضده – باختصار سافر ليحصد في حقول لم يزرعها.
ومن أراد ان يجادل ضد البعد الاقتصادي لانتشار الخرافة الطبية، عليه ان يلاحظ ان الأغنياء الذين يعتقدون في الفقرا قد يزورونهم ويقدمون الاحترام وفروض الطاعة والولاء ويغمرونهم بالهدايا الغالية ويرتدون الاحجبة التي يصممها الفكي خصيصا لهم، ولكن لو اصابهم مرض متوسط الدرجة تراهم يهرعون لتلقي العلاج – على ايدي أطباء فيهم النصارى والهندوس والملاحدة والدهريين – في الخليج والقاهرة والغرب وليس في خلوة فكيهم العراب الروحي.
وكالعادة تدخلت قوات الشرطة بمحلية الدبة الولاية الشمالية وأمرت الفتاة بالتوقف عن العمل وأمرت الناس عدم الذهاب إلى منزلها وشرعت في وفتح بلاغات بالدجل والشعوذة. ولن يخطر ببال الشرطة فتح بلاغ ضد أهل الشعوذة الاقتصادية الأكبر التي حولت العلاج الي سلعة باهظة التكلفة ورفعت الدعم عن الدواء ما جعل العلاج البسيط غير متاح لغالبية الشعب.
بدلاً من الاستسلام لليأس والقنوط تحت فضاء النيولبرالية المعولمة، يختار المعذبون في الأرض الإيمان بالفكي في نسخه المتعددة فهو الخيار الأفضل لأن الحياة بدون أمل مستحيلة – نستثني المحتالين الرسميين من الفكي المقصود في هذا المقال. وهذا الأمل في حد ذاته إيجابي، اذ ان الشعور بالاهتمام والاحترام والامل يساعد على التعافي، حتى لو كان العلاج الموصوف لا يسنده أساس علمي.
الأمل والمشاعر الإيجابية تعمل على تحسين الصحة النفسية وهذا يساعد الجسوم والعقول على التعافي ولهذا تظل دعوات الأمهات والجدات من أقيم أسباب الصحة. والفكي الرصين، بمعني ما، والد اجتماعي بديل يبزغ من قلب المجتمع وثقافته وينتمي اليه (منه واليه) ولا يكتفي بأبوته، بل يدعمها بالتوسط لبركة أبانا الذي في السماء.
والله اعلم.
الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش
كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …












