‫الرئيسية‬ آخر الأخبار كامل محجوب (2): ساقيتو لسه مدورة
آخر الأخبار - سبتمبر 23, 2022

كامل محجوب (2): ساقيتو لسه مدورة

عبد الله علي إبراهيم:

في مناسبة الذكرى الخامسة والتسعين لميلاد أستاذنا عبد الخالق محجوب الذي كان في أركانحرب ذلك كله. وكامل ود خالتو بالمناسبة رحمه الله
أواصل اليوم استعراض كتاب “تلك الأيام، الجزء الأول” للمرحوم كامل محجوب السكرتير السياسي للحزب الشيوعي لمنطقة الجزيرة في 1952. ويذكر له التاريخ أنه كان من وراء تنظيم اعتصام مزارعي الجزيرة بميدان عبد المنعم بالخرطوم في نهاية ديسمبر 1952. وهو الصبة التي فرضت على الإنجليز الاعتراف بقيام اتحاد مزارعي الجزيرة. وفي كلمتي طعن في التعميم البغيض لعبارة “فشل النخبة وإدمان الفشل” لأنها لا تنطبق على مثل كامل الذي لم يكمل عامه في المسؤولية السياسية للجزيرة ليأتي بالريف يحاصر الخرطوم.
وقع جيل صفوة الأربعينات من المتعلمين اليساريين بالذات بـ “قد قفة” التأرخة للفكر السوداني. فأهملنا ذكر مساهمته المخصوصة وأدمجناه جبرةً بصفوة الثلاثينات، أو تخلصنا منه عجالى إلى تعبيرات جيل الستينات الفصيحة. وجيل صفوة الأربعينات عندي أخطر وأهم. فهو الذي “اخترع” الشعب في حين برعت صفوة الثلاثينات والستينات في خطاب الهوية تمضغه في حلقاتها الذكية المثقفة. فقد جعلت صفوة الأربعينات همها تحويل أهل السودان من رعايا للنظار في القبائل والمشائخ في الطرق إلى مواطنين في مجتمع حضري مدني قوامه النقابة والاتحاد والنادي الرياضي الثقافي والزاوية إلخ.
نبهني إلى خطر جيل الأربعينات اليساري كتاب الأستاذ كامل محجوب المعنون “تلك الأيام”. وكان كامل قد تفرغ في عام 1952 للعمل الشيوعي بين مزارعي الجزيرة حتى أنشأ بينهم اتحاداً بفضل طليعة شعبية من المزارعين من أمثال المرحوم الأمين محمد الأمين، رئيس اتحاد المزارعين المعروف. وكانت الإدارة الاستعمارية قد بخلت به وماطلت في الاعتراف به حتى اضطرها حزم حركة المزارعين وثباتها.
ولم يكن خروج كامل بثقافته لتثوير غِمار الناس في 1952 هو خروجه الأول. فلم يبدأ كامل ماركسياً. بدأ في الواقع إسلامياً في حلقة سرية كرهت نضال “أفندية الخريجين” الصفوي وقررت أن تمد جسورها للشعب الحق من مزارعين ورعاة. فاستأجرت هذه الجماعة الإسلامية ساقية في منطقة جنوب كوستي في عام 1942 لتكون حلقة الوصل بين المتعلم والشعب. وقد تفرغ كامل للعمل في الساقية وهو بالكاد تخرج من المدرسة الوسطى. وكان للساقية حمار يركبه أهلها المتعلمون إلى سوق كوستي يبيعون حصادهم من الطماطم والبصل ويشترون حاجاتهم من سكر وشاي. وكان أهل المنطقة من الرعاة يستغربون لأولاد المدن الذين رضوا العيش بينهم على شظف ومكابدة.
لم تصمد “يوتوبيا” كامل ورفاقه الإسلاميين. فقد كان دخلهم من الساقية محدوداً. ولم يكن عون الأصدقاء في كوستي وأم درمان، على سخائهم به، بكافٍ، فتلاشت هذه البؤرة الثورية غير أنها تجددت عند كامل في طوره الماركسي الذي بدأ بالتحاقه بالحركة السودانية للتحرر الوطني الشيوعية عام 1946 حتى تفرع بالحزب الشيوعي عام 1952. وقد بعثه الحزب ليكمل على نهج الماركسية المهمة التي بدأها عام 1942 وهو في عداد الإسلاميين. وقد نجحت مهمة كامل هذه المرة نجاحاً منقطع النظير. وهكذا ظلت ساقية كامل مدورة بغض النظر عن تداوله بين العقائد السياسية.
توقفت عند قصة ساقية كامل هذه ملياً وأخذتني أخذاً. تساءلت عن معدن هذا الحلم المؤرق والشاغل الغلاّب الذي اعتمل في كامل وجيله فأخرج علينا هذا الشعب الذي أصبح حقيقة ماكرة ماثلة من حقائق السياسة في بلدنا. وتساءلت كيف شقت هذه الفئة القليلة عصا الطاعة على جيل سبقهم في مؤتمر الخريجين، تفرق أفراده أيدي سبأ حين انحل المؤتمر، وقبلوا أن يبلغوا الشعب لا كفاحاً بل عن طريق الطائفتين الرئيسيتين: الختمية والأنصار.
قرأت كلمة لفاروق أحمد إبراهيم في أحد أعداد مجلة “الشيوعي”، المنبر النظري للحزب الشيوعي، يتفكر فيها أيامه تلك أيضاً. ووجدت فيها نفس كيمياء الجيل: كسر الصفوية بالشعب. وقرأت نفس المعنى في ذكريات للمعلم المرحوم شورة. وعجت بالأمر إلى كلمة قالها أستاذنا عبد الخالق في دفاعه أمام المحكمة العسكرية على عهد حكم الفريق عبود. فقد أمسك بقرون هذه الكيمياء حين “فضح” العوالم الشجاعة الذكية التي تنقدح في واعية الشباب وممارسته حين يلقى نظرية ثورة مستقيمة مثل الماركسية.
ربما يعرف البعض أن الرفيق المرحوم يوسف عبد المجيد “كمرات” عاد بالساقية الحلم والشوق إلى الشعب حين اختلف مع الحزب الشيوعي عام 1963، وظن بالحزب الرخاوة ونضال المدينة المجلوب بدلك ونظرية. فبعد تأسيس كمرات والمرحوم أحمد الشامي للحزب الشيوعي، القيادة الثورية، مضى كمرات إلى جهة سنار وأنشأ مشروعاً زراعياً انتهزه جسراً إلى فقراء المزارعين والعمال الزراعيين. وتلك قصة أخرى آمل أن يجد من يكتبها.
كلما قرأت عن حيوات أفراد هذا الجيل اليساري الأربعيني تمحنت كيف يوصف هؤلاء الزهاد من طالبي الحق والحقيقة وأنصار المساكين بدارج الشتيمة والتبكيت الذي يكال للصفوة السودانية بواسطة الصفوة السودانية؟ كيف يوصف بالفشل من قطع دراسته أو ترك وظيفته ليبني للشعب منارات للوعي ومعالم على طريق “الوجود المغاير” الذي رنا إليه التيجاني يوسف بشير؟ وكيف يوصف بالأنانية من كان مثل كامل محجوب راتبه 50 جنيهاً من عمله كضابط لاتحاد المزارعين يتبرع به كله لحزبه، ولدى سفره لمصر، يتبرع له زملاؤه بـ 40 جنيهاً ويفصّـل له زميل آخر بدلة؟
ولعل أبلغ دقائق الكتاب تلك اللحظة التي التقى فيها كامل، كضابط لاتحاد مزارعي الجزيرة، بوفد من مزارعي مشروع أم هانئ بالنيل الأبيض، الذين جاؤوا يطلبون نصح ودعم اتحاد مزارعي الجزيرة في شأن من مظالمهم. وسرعان ما تعرف بعض أعضاء وفد أم هانئ على كامل الذي جاءهم “درفوناً” أجيراً سياسياً بساقية.

‫شاهد أيضًا‬

49 إصابة في مليونية 29 سبتمبر من بينها 29 إصابة مباشرة بالغاز المسيل للدموع

الخرطوم – الشاهد: عن رابطة الأطباء الإشتراكيين صدر تقرير ميداني فيما يلي نصه: سجلت م…