‫الرئيسية‬ آخر الأخبار إنهيار التعليم … إنهيار الأمم
آخر الأخبار - أكتوبر 2, 2022

إنهيار التعليم … إنهيار الأمم

إيمان سيف الدين:

بالرغم ان الدستور ينص على مجانية التعليم وإلزاميته إلا أن التقارير تنص على ان ٧٦٪؜ من جملة الأطفال في سن الدراسة خارج المدارس وان مجانية التعليم أصبحت حبر على ورق وان عدد غير المتعلمين يقدر بنسبة ٤٠٪؜ من جملة السكان بحسب البنك الدولي في عام 2018.

في أواخر 1998، أصدرت حكومة “الإنقاذ” حزمة من القرارات أسمتها “ثورة التعليم العالي،” كان من أهم ما تضمنته مضاعفة الاستيعاب في الجامعات والمعاهد العليا، واعتماد اللغة العربية لغة تدريس في الجامعات بدلاً عن اللغة الانجليزية. وبناءً على ذلك، أصدر وزير التعليم العالي حينها قراراً بإنشاء 19 جامعة حكومية جديدة. كما صادقت الحكومة على إنشاء العشرات من الجامعات والكليات الخاصة. وحالياً توجد في السودان 36 جامعة حكومية و19 جامعة خاصة، و52 كلية أهلية وخاصة، إضافة إلى 24 كلية تقنية، و8 مراكز بحوث.
ولكن بالرغم عن التوسع في التعليم تدنى مستوى التعليم العالي في عهد حكومة “الإنقاذ” لعدة أسباب.أهمها هو قانون تخطيط التعليم الذي ينص على أن أول أهداف التعليم العام هو “ترسيخ العقيدة والأخلاق الدينية في النشء، وتبصيرهـم بتعاليم الدين وتراثه وتربيتهم على هديه، لبناء الشخصية المؤمنة العابدة لله المتحررة والمسئولة، وتركيز القيم الاجتماعية المؤسسة على دوافع العمل الصالح والتقوى.” وبدا من الواضح أن الاهتمام بتحقيق هذه الأهداف الإيديولوجية جاء على حساب العملية التعليمية كلل، وكان له أكبر الأثر في تدني المستويات العلمية للطلاب في اللغتين العربية والانجليزية وفي العلوم الطبيعية والإنسانية بسبب تزايد مواد الدراسة ذات الطبيعية الاسلامية. وانها أيدولوجية فرضتها دولة الإسلام السياسي دون مراعاة لمتطلبات التعليم الأكاديمي.
ويقف ضعف الإنفاق العام على التعليم في مقدمة المشكلات التي تعاني منها العملية التعليمية في السودان، إذ بلغت جملة الصرف المخصص للتعليم في الموازنة العامة لعام 2017، 829 مليون جنيه فقط (41,4 مليون دولار تقريباً) أي ما يمثل أقل من 1% من إجمالي الإنفاق العام البالغ 96,2 مليار جنيه، في مقابل 29 مليار و122 مليون جنيه للأمن والدفاع بنسبة 42%. لذلك يستطيع الجندي ان يفتي في أمر التعليم تاركين العلماء والمختصين والعلماء في مجال التعليم تذهب علومهم تذروها الرياح.

وخلال حكومة الفترة الانتقالية للأسف فشلت الحكومات المتعاقبة في تعيين وزير للتعليم بعد إقالة الدكتور محمد الأمين التوم ، ما يفسر تفاقم مشكلات إدارة العملية التعليمية ككل.

وما كان يميز الشهادة السودانية التي تأتي بعد ان يتلقى الطالب أحد عشر عام من التعليم النظامي وعامين في التعليم ما قبل المدرسي … وخلال هذه المدة يتحصل الطالب على جرعات معرفية تتناسب مع المرحلة. إلا ان ما يحدث الآن غير ذلك، فالطالب لا يحصل على الكتاب والمعلم والاجلاس بل وبعض التلاميذ يدرسون في العراء كما ان المعلمين يعيشون ظروف بالغة التعقيد وهذه المشاكل برمتها يجب ان تكون من أبجديات العمل الثوري المستمر ومطالب مشروعة في أجندة الشباب …

ما دفعني لكتابة هذه السطور هو الجدل القائم على تمرير مسألة الرسوب في اللغة العربية التي تعالت بعض الاصوات لقبول الراسبين في صفوف الجامعات …
وبلا شك ان مادة اللغة العربية مادة صعبة ولكن اتقان اللغة شي مهم جداً بالنسبة للعملية التعليمية ككل إذا سمحنا بقبول الراسبين في اللغة العربية فلم لا نقبل بالراسبين في الانجليزية لأنها ليست لغتنا الأم وكذلك الرياضيات لأن فيثاغورس يوناني والرسوب في الفيزياء مقبول و اينشتاين ألماني وأرخميدس يوناني وهكذا إن إجادة اللغة والنجاح فيها لا يطمس الهوية وهاهم ملايين السودانيين يعيشون بالخارج ويتقنون لغات مواطنهم الجديدة ولكن هذا لا يمحو هويتهم .. والحفاظ على الهوية الثقافية تصقله كتابة هذه اللغات وتوفير كتب مطبوعة بهذه اللغات الأصيلة حتى يتعلم منها النشئ.

ان أعظم جريمة ارتكبت في حق الشعب السوداني هو تعمد عدم الانفاق على التعليم بينما كل قادة الحكومات أرسلوا ابنائهم للتعليم في أكسفورد ولندن وباريس وغيرها من الجامعات المعروفة … وتركوا الشعب كله يتنافس في مقاعد جامعتين ثم خمس جامعات … كما لاتوجد مدارس ابتدائية في معظم القرى وما زلنا نذكر أطفال المناصير الذين غرقوا في طريقهم للمدرسة وأطفال جبل مرة الذين قضى نحبهم في حادث انقلاب المركبة” اللوري” التي تقلهم إلى موقع الامتحان وغيرهم كثر …

ومن ناحية أخرى ما كان يجب ان يصرف على التعليم ذهب إلى ميزانيات الحرب والتسليح … والنتيجة لدينا خمسة جيوش وفشلنا في إدارة المرحلة الانتقالية وفشلنا في الخروج من دائرة الفقر وفشلنا في توفير الغذاء … والدولة تنهار إلى أسفل بفضل محدودية التعليم لدى ملايين من المواطنين …

إذا أردنا ان ننهض بالبلاد إلى مصاف الدول العظمى فالبداية هي التعليم إنه مفتاح الحل لمعضلتنا الأساسية التعليم بكل أصنافه فني وأكاديمي وصناعي ونسوي وغيره. ما يؤرق البلاد أنها غارقة في الجهل وان العالم من حولنا قد تغير ونحن كما قال الأستاذ طه حسين
” الأقوام في سيرها لا تعطف على ساقط في الطريق” فلنعلم أنه لن ينتظرنا أحد … وعلينا ان نعلم ابناءنا لنضمن لهم مستقبل أفضل وحياة امنة وإذا أردنا دولة قوية فلن تبنيها البنادق والجيوش التي ملأت الأرض بل تبنيها العقول النيرة و السواعد الفتية .

بالنسبة للغات الأم لا ضير من تعليمها والنهوض بها وكتابتها وتدريسها فهي مخزون معرفي يمكن ان يثري البلاد بمنتوج ثقافي متعدد لا يوجد له مثيل ولكن لغات التواصل الدولي معروفة في عالم باتت تحكمه التكنولوجيا و الرقمنة .

ان تغيير الواقع المؤسف هذا لن يحدث بين ليلة وضحاها ولكن على الأقل يجب ان نتجه في الطريق الصحيح و نضع أهدافنا نصب أعيننا للنهوض بالأمم السودانية كافة ونحن أصحاب مجد وتاريخ وحضارة وهاهي اللغات القديمة تشهد على مدى تعليمنا في المخطوطات باللغة الكوشية و المروية ، والسامية، والبربرية، والمصرية القديمة، والتشادية والبجاوية .
من هم أصحاب المصلحة في تجهيل الشعب ؟!.
التعليم هو الحل

‫شاهد أيضًا‬

الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش

كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …