
معتصم اقرع:
يعلم الجميع أنه في السياسة لا يمكن لأحد أن يحصل على كل ما يأمل فيه، لذلك في وقت ما سيحدث دائمًا نوع من التسوية سواء أحببنا ذلك أم كرهنا. ولكن هذه ليست نهاية القصة.
ليست كل التسويات سواء. هناك بعض التسويات التي قد لا نحبها بالكامل، ولكن يمكننا التعايش معها لأنها افضل من الواقع المتعين وبطريقة ما تفتح الآفاق لمزيد من المكاسب ومواصلة البناء.
كما ان هناك تسويات تقوي معسكر الأعداء وترسخ سيطرته وتعطيه مظهر ديمقراطي غير مستحق وتمنحه شرعية دولية ترفع الحرج عن أجانب يحبون الدكتاتوريات، ولكنهم قوم حضارة يختشون من دعم الاستبداد إلا من خلف حجاب كيوت.
نظرًا لأن بعض التسويات يمكن تبريرها والدفاع عنها، كما ان هناك أيضًا تسويات أسوأ من عدمها لأنها ترسخ سلطات غير مشروعة، ولان جوهرها تحالف طبقي يتغطى بلبوس تسوية واقعية، فإن أي انسان يدعو إلى تسوية يقع عليه واجب سياسي وأخلاقي للتعبير بوضوح شديد عن الحد الأدنى من الشروط التي تجعل التسوية مقبولة ويمكن الدفاع.
تحديد شروط الحد الأدنى المقبول مهم جدا حتى لا يتم تفسير الدعوة إلى تسوية بدون تحديد خطوطها الحمراء على أنها نداء للاستسلام غير المشروط أو لقبول تسوية انهزامية بغض النظر عما إذا كانت الدعوة تأتي بنزاهة وحسن نية ام بغير ذلك.
بمجرد تحديد الحد الأدنى التسووي المقبول بوضوح، سيكون من الأسهل الحكم والتمييز بين من هو عقلاني وحكيم يمتلك الشجاعة للدفاع عن مواقف صعبة لا تحظي بشعبية وبين الطفل المزايد غير الواقعي القاصر سياسيا وبين من هو لسان حال الانهزامية الديمقراطية.
فكل هكذا ثلاث حالات متوفرة في الساحة السياسة لذلك فان تعريف شروط التسوية المقبولة هو بمثابة ورقة عباد الشمس التي تتيح اختبار التمييز بين العقلاني الشجاع والطفولي المزايد وبائع الهزيمة.
إذن، من حيث المبدأ، في غياب اكتساح ثوري حاسم، فان تقديم التنازلات المتبادلة امرا راتبا وليس بدعة في السياسة، وبالتالي فإن المشكلة ليست في مفهوم التسوية بحد ذاته، ولكن في الشروط المرتبطة به فبعض التسويات مقبول وبعضها برازي.
على سبيل المثال، انتهى نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بتنازلات متبادلة، لكنه كان تسوية مشروعة، بل كان في الواقع اختراقًا تاريخيًا للإنسانية، لأنه أنهى نظام الفصل العنصري إلى الأبد وأرسى المساواة العرقية في السياسة وأمام القانون وتجنب اشعال حرب أهلية كانت كفيلة بتأجيج حرب عالمية بين الزنج وبني بياضة أينما كانوا.
من ناحية أخرى، كانت التسوية السودانية لعام 2019 تمرينًا رجعيًا انتزع الهزيمة من بين فكي النصر الجماهيري لأنه انتهى بإضفاء الشرعية على الجنرالات وميليشياتهم السابقة واللاحقة، ومنحهم عفوًا فعليًا عن جرائمهم، وسلمهم مقاليد الاقتصاد، وبنك السودان، وملف السلام وملف السياسة الخارجية وتوج ذلك بتنفيذ السياسات الاقتصادية للنظام السابق التي قاومها الشعب لعقود ومنعها بالشهداء حتى انتفاضة سبتمبر 2013.
فكما ورد في الثامن عشر الثامن عشر من برومير ان ما حدث علي يدي نصاب ماكر لم يكن الإطاحة بالنظام القديم بل بالمكتسبات الليبيرالية التي تم انتزاعها منه بعد قرون من الكفاح. “وبدلاً من أن يظفر المجتمع لنفسه بمحتوى جديد، بدا أن الدولة قد عادت إلى أقدم أشكالها – إلى السيطرة البدائية العديمة الحياء – سيطرة السيف والقلنسوة الكهنوتية”.
السيء هو التسوية السيئة .ليست كل التسويات سواء فمنها المبلوع على مضض ومنها المرفوض تماما كما ان عدم تحديد شروط التسوية حتى تصير مقبولة يبرر عمليا لأي تسوية مهما كانت انهزامية.
ختاما، الحاكمية للشعب وله الامر من قبل ومن بعد، لذلك فان أول واجبات الساسة الذين يقودون باسمه ان ينزلوا اليه للنقاش والاخذ والرد للاتفاق على إجابة على سؤال ما العمل وبعد ذلك يذهبون للتفاوض باسم الشارع مع الجنرالات أو الخارج من موقع قوة يسنده الشعب.
ولكن أهل البصيرة ام حمد يضعون العربة امام الحصان ويفاوضون الأعداء والوسطاء قبل ان يمدوا جسورهم نحو الشارع. وهذا طريق مقفول اوله مجابدة واخره جب لان أي اتفاق مع العسكر يرفضه الشارع، مهما كان لاتفاق جيدا، سيولد فطيسا ميتا من شأنه ان يعقد الأمور أكثر مما هي عليه.
فهم قوم فسافس ونسوا ما قاله سمير امين ان برجوازيتنا ولدت مأزومة لأنها دائما معصورة بين سندان شعبها ومطرقة المركز الكولونيالي وهي لا تستطيع ارضاء القطبين في كل الاوقات. أما قحتنا فزنقتها ثلاثية الابعاد اذ هي مضغوطة بين نيران الشعب وعصا المركز الكولونيالي وبوت العسكر والميليشيات.
وبدلا من تحسين موقف ثلاثي الضعف، تري قحت تنخرط في مفاوضات تضعف من وجودها الجماهيري لتذهب الي طاولة التفاوض عارية من شعب يدثرها ويسد فرقتها ويمنع عنها طمع الجنرالات والميليشيات وكل من به رهاب الديمقراطية.
الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش
كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …












