‫الرئيسية‬ آخر الأخبار قصة حركة تحرير السودان كما عشتها، الثورة بين النظرية والواقع
آخر الأخبار - نوفمبر 2, 2022

قصة حركة تحرير السودان كما عشتها، الثورة بين النظرية والواقع

منتصر ابراهيم:

قد يطول سرد فكرة التحاقي بحركة تحرير السودان وعضوية المؤتمر العام الذي جاء بمناوي رئيساً للحركة حتى اليوم منذ اواخر عام ٢٠٠٥ لا اذكر التاريخ بالضبط ، لذلك ارى تأجيل سرد قصة عضويتي لمساحة أخرى ، بين ثنايا سرديات هذه الأيام.
ساتولى ،”هنا سرد مبعثر عن رحلتنا الى (الميدان ) ؛ هكذا كنا نقولها مفخمة بالبطولة والرجولة والثورية ، فالميدان هنا رحلتي اختصرت على طواف حول اهم مناطق دارزغاوة ، ولاحقاً المرور بدار البرتي والبرقيد في (كتال ) لاحقاً اصبح اسمها دار السلام ، والى حيث موقع انعقاد مؤتمر حسكنيتة في قطاع الجنوب مروراً بمهاجرية .
كان العبور من قطاع الشمال الى الجنوب ، تُعد مغامرة تتطلب تكتيكات عجيبة في مرور الليل وما يتطلبه من هدوء يشبه حركة الفهود .
كانت بداية رحلتنا من الخرطوم ، تحت إمرة أحد أعز اصدقائي حتى اليوم ( مصطفى داؤود محمد ) ، الذي تولى ترتيب أمر قيادة اعضاء الحركة الى هناك كنا خمسة ، بغرض اقامة المؤتمر الذي كان يجري الترتيب له بشكل منسق .
سافرنا الى شمال دارفور ، وعبرنا الى اول مناطق ( التروبورا ) اول نقطة كانت منطقة ( كفوت) في الطريق الرابط بين الفاشر وكتم ، ممر ضيق في نقطة جبلية عبرنا منها الى ابو سكين ، ومنها إلى بير مزة حيث اقامة مناوي ( كان يسمى أمين _يعني الامين العام للحركة ) ، بير مزة هي محطة رئيسية لانتشار جيش الحركة ومقر القائد العام جمعة حقار ، عبارة عن وادي موسمي ذو رمال بيضاء . تم استقبالنا هناك وكالعادة كان مناوي ملفت للنظر بطريقته الاستعراضية _ عدد من المسدسات وحراس منتشرين بصورة دراماتيكية ؛ بينما كان القائد جمعة حقار يتميز بالبساطة والهدوء ، جمعة حقار كان على قدر عدد الكلمات التي ينطقها بالعربي كان يبدو وكأنه يحلق في عوالم من الانجذاب الروحي ، كان فقط يترحم على الشهداء ويحي الأبطال بشكل مؤثر .
اتذكر ولن انسي أول المواقف الحادة مع مناوي ، حينما قام أحد رفاق الرحلة بما يشبه الوشاية ( الفاضل التجاني وكأنه يرفع تقرير حينما اتيحت له فرصة للحديث في جلسة الاستقبال اعلاه ؛ تحدث عن أن هناك من قاموا بالعمل منفردين باسم الحركة بعيداً عن التنسيق مع الامانة العامة ، مما سبب لنا ارتباك في الجامعات ؛ وكان الفاضل يقصد عملنا في الجامعات عبر الجبهة الشعبية المتحدة UPF التي اسسناها باوامر وتنسيق مع عبد الواحد محمد نور ، وطبعاً في الواقع كانت هناك حركتان قبل الانقسام الكبير بعد المؤتمر العام الذي قاطعه عبدالواحد . انتزعت فرصتي في الرد على مناوي واحد مساعديه اسمه مبارك عيسي نهار ، حينما أشاروا لي بكل تجهُم وهرش : فقال مبارك موجهاً الحديث لي : من الذي سمح لكم بالحديث بإسم الحركة ؛ أجبته هكذا ، نحنا ثوار لا نستأذن أحد ، حتى انتم من الذي سمح لكم برفع السلاح نيابة عن الآخرين ، وهل هناك من سألكم عن ذلك ؟!
انتهى الإجتماع ، وفي القلب شيئاً من حتى وتذكرني بحقيقة نفسي باني لا اصلح للعمل في هيئة هرمية باي شكل من الأشكال ، لاني لا أعرف التكلف فاشل تماماً في ضبط الأعصاب وكلمات المجاملة ، ولاحقاً عرفت أن مبارك عيسي الذي نجر لنفسه منصب مساعد الأمين العام كان مجرد معرص لمناوي ليستفيد من مساحة تأجير عرباته لنقل النازحين حيث كان يمتلك اسطول من عربات ال ZY . ومن بير مزة انتقلنا لاحقاً الى واحة الجنيد متوغلين نحو الشمال ، والزغاوة يسمونها (الجنيك ) ، وهي واحة في قلب محيط صحراوي واسع ، يقال أن اولى المواجهات بين الزغاوة والعرب الابالة كانت في واحة الجنيد في منتصف الستينات تقريباً ، ولابد أن ذاكرة المكونات القبلية للطرفين تختزن هذه الذكرى الدموية ؛ حتى أنا أذكر أن الزغاوة ونحن نقف على أطراف الواحة كانوا يشعرون وكأنهم قد حققوا انتصاراً في حرب مقدسة مدينين للأسلاف .
قصينا فترة في هذه الواحة لترتيب أوراق المؤتمر العام للحركة ، فقد كنت رئيس لجنة الأوراق بعضوية الفاضل التجاني والأستاذ محمد إبراهيم رجل اعمال كان مقيماً في دبي وعلي دوسة رئيس اللجنة العليا .
أذكر من المشاهد الرئيسية أيام التمهيد للمؤتمر العام ، كانت تأتينا زيارات من يان برونك موفد الامم المتحدة الذي طردته حكومة الخرطوم لاحقاً و روجر ونتر مساعد مدير وكالة التنمية الامريكية وروبرت زوليك ممثل وزارة الخارجية الامريكية الذي اصبح لاحقاً بعد توقيع إتفاق ابوجا اصبح مديراً للبنك الدولي ، وكنت أتساءل وربما حتى هذا اليوم ماهي الصلة بين انجازه إتفاق ابوجا ورئاسته للبنك الدولي .
(لاستعراض هذه الحقبة هناك سرد جميل لأليكس دي وال في كتابه (
من خلال زيارات هذا الثلاثي الرهيب ، استقر في يقيني ،أن حرب دارفور وكل هذه التمثيليات التي عشناها والدراما الثورية ، كانت حرب امريكية صرفة from A to Z . لذلك حينما استشهد كثيراً بقراءة محمود مامداني اكون كمن يستشهد بالنص لاستعراض الصورة ، فكما يقال الخيال يتفوق على المعرفة _فالمعرفة محدودة بينما الخيال يحيط بالعالم .
هناك ملاحظة عجيبة في هذه الدراما ، أن قادة الحركات في ذلك الوقت ، تحديداً من ابناء الزغاوة كانو من البدو ؛ اي من غير المتعلمين وأبناء الحضر والمدن الكبيرة ، وحتى لو وجدنا من ابناء الحضر ، نجده في ادوار ثانوية ؛ وهناك طبعاً حكاية إبعاد دكتور شريف ومنعه من دخول الميدان والتأثير ايجابياً في قيادة الحركة ، تشعر وكأن الأمر مرتب بقصد محدد لخلق ارقوزات يمكن السيطرة عليهم .
________________________________________________
واضح أن المؤتمر تم بايعاز من الامريكان وبدعم ليبي كامل من ناحية الترتيبات اللوجستية من كراسي وصيوانات وساوند سسيتم ، كان متوقع حضور مدير المخابرات الليبي عبدالله السنوسي ولكن حضر نائبه .لا اذكر اسمه .
قبل المؤتمر كانت تدور نقاشات بحضور كبار قادة المتحركات ، ويشهد النقاش احياناً نوع من التوتر ، بالطبع كنا نمثل الجانب المتحمس لعقد المؤتمر ( كنا اولاد الأمين العام ، ونعبر عن التوجهات الاساسية لقدومنا ؛ تحديداً من جانبي حيث كنت كثير الحديث بحماس الثوري الشاب ، وفي الواقع كنت أحمق حيث لم أميز أوقات السكوت والكلام ، فكنت اتولى في اي جلسة حشد المبررات والدعاوى لعقد المؤتمر وضرورة حسم الخلافات مع رئيس الحركة آنذاك عبدالواحد محمد نور ؛ بينما اصلاً كان الجميع معبأ بمواقف وتصورات سلبية تجاه عبدالواحد كونه هارب من الميدان وانه رجل جبان ولا يعرف عن الحركة وجنودها اي شي ، وما الى ذلك من أشكال التنميط ، وفي الواقع كانت ضاربة الجذور في شكل انقسام اثني حاد بين الفور والزغاوة . فالزغاوة من حيثيات سردهم لقصة الثورة يصورون انفسهم اكثر المكونات فراسة واقدام والاكثر تضحية وما الى ذلك من طمس حقوق الآخرين وابناء القبائل الأخرى الذين دفعوا اثمان باهظة من القتلى او الشهداء . طبعاً هناك سردية انفصال عميقة بين مكونات الحركة الرئيسية _ قبيلتي الفور والزغاوة ، جانب يتعلق بالحق في القيادة وجانب آخر يتعلق بالموارد ( تترجم هذه الحالة حرفيا دراسة يوسف تكنة عن دارفور صراع السلطة والموارد ) ؛ إذ يسود اعتقاد لدى ابناء الفور بأن الزغاوة يسعون إلى التغلغل في جبل مرة وتخومها وايجاد موطئ قدم لهم في المناطق الغنية ( سردية الجفاف والتصحر في حرب دارفور ) في هذه السردية يستوي الزغاوة مع عرب اقصى الشمال من الابالة كمستوطنين جُدد زاحفين نحو المناطق الغنية بالغطاء النباتي .
المهم كان عبدالواحد يرفض رفض تام حضور المؤتمر وكان يعتقد أن الزغاوة ينوون قتله ، قال لي ذلك حرفياً قبل أن اقرر السفر إلى الميدان ، كنت أستغرب فعلاً خشية عبدالواحد من الموت على يد الزغاوة . على الجانب الآخر في الميدان ، كان يقف سليمان جاموس ضد عقد المؤتمر في هذا التوقيت على الأقل ، وكان وحده تماماً يمثل التوجه العقلاني المعارض لعقد المؤتمر ، لإنه في اعتقاده سيقود الى إنتاج وقائع على الأرض لايمكن العودة منها ابداً ، وهو انشقاق الحركة رسمياً ؛ بينما مناوي كان يسارع عقارب الساعة وعينه موجهة نحو ابوجا بإيعاز من الأمريكان طبعاً روجر ونتر وروبرت زوليك ، الذان كانا يدخلان في اجتماعات سرية في مناطق قصية في الخلاء بعد هبوط طائرة السيسنا في زيارات متتابعة .
ياترى بماذا كانا يغريان مناوي بضرورة عقد المؤتمر ، بالطبع هم يدركون تعقيدات الانقسام القبلي بين الفور والزغاوة .
طبعاً مشاهد التقاء مناوي بالخواجات والمبعوثين الأجانب ، الذين يأتون الميدان متخففين من الازياء الرسمية الفل سوت وربطات العنق ؛ كانوا يأتون ببناطلين الجينز وال T sheart الخفيفة ؛ كانت هذه المشاهد تذكرني بفلم Lord of War ، في احدى المرات جاءت هدية زجاجة ويسكي تقريباً كانت من روجر ونتر وكتاب ضخم عكف مناوي في قراءته ، فقد كان يقرأ كثيراً وهو اكثر ما اعجبني في شخصيته وميوله نحو الإطلاع ، لعله يدرب نفسه على القيادة وبناء قدراته بشكل جيّد ، لا استغرب طبعاً سعيه للحصول على درجة جامعية ، اتمنى يكون صادقاً وتنعكس المعرفة في سلوكياته واخلاقياته .
بالعودة إلى العد التنازلي نحو تدشين المؤتمر وبداية الانعقاد ، ونحن قد حزمنا امرنا للسفر والتوجه نحو القطاع الجنوبي لعقد المؤتمر ، نمى إلي علمنا أن حراس مناوي قد قاموا بالاعتداء على سليمان جاموس ضربوه وقيدوه ايضاً ؛ طبعاً تأتي الخطوة مفهومة في سياق محاولة إسكات الصوت المعارض لمناوي ، خصوصاً من المدنيبن ، فالعسكريين كانوا يستهزأون به ، وكان ابرز هؤلاء القائد ادم بخيت ، رجل قصير ممتليئ الجسم مع رشاقة صبيانية ، يبدو على ملامحه الشراسة والعدائية ذو ابتسامة ساخرة ؛”كان منافساً شرساً لمناوي في الترشح لرئاسة الحركة ، لكن مناوي كان يفوقه تجهيزاً وتنسيق مسبق مع كل القطاعات ؛ واعتقد أن ادم بخيت لم يعمل تحت قيادة مناوي ولا يوم ، ربما انشق تلك الليلة في حسكنيتة ، ولكن تسارع المعارك التي اندلعت مع الحكومة بعد المؤتمر مباشرة ربما تكون حالت دون إعلان الانشاق ، الذي لم يتأخر كثيراً بعد توقيع إتفاق ابوجا ، حيث اعلنت الفصائل المنشقة وحدتها تحت لواء جبهة الخلاص الذي ضم العدل المساواة ، ولاحقاً تشرزمت الحركة الى فصائل كان ابرزها فصيل علي كاربينو الذي تحول لاحقاً الى تجمع حركة تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر .
نواصل …
نواصل

‫شاهد أيضًا‬

جماهير غفيرة تحيي ذكرى مجزرة 17 نوفمبر في مواكب هادرة ببحري

الخرطوم – الشاهد خرج الآلاف، يوم الخميس، في مواكب حاشدة إلى المؤسسة بحري في ولاية ال…