‫الرئيسية‬ آخر الأخبار كلا.. ما خمد الصهيلُ يا شابو.
آخر الأخبار - نوفمبر 2, 2022

كلا.. ما خمد الصهيلُ يا شابو.

بشير أبو سن:

أكانت تلك محض مصادفة! الله أعلم. الشنطة التي عليّ حملها إلى الرياض، لن تسع كل الكتب التي أريد لها أن تصحبني، قاطعة معي البيد والبحر الأحمر. كان عليّ أن أختار، أن أنتقي، أردت أن أحمل السودان معي، صعب ذلك صعب، أدخلت نفسي في ورطة، غير أني مكرَها لا بطلا أخذت بعضَ الأحباب، كتبا باليةً وأخرى جديدة، ووعدت بعضهم بلقاء قريب، أو عللت نفسي بذلك لو طلبتُ الدقة، ثم من بين كل من أيقظتهم، قفز إلى يدي عبد الله شابو بأزمتته الثلاثة. ابتسمت لغلافه الأخضر الباهت، نسخة لم أر أسوأ منها طباعةً وأثمن منها محتوى، ما كان لي أن أتركه خلفي، ولذا هو الآن بين يديّ، ومنذ ذلك اليوم وأنا أريد إعادة قراءته وأفشل، حتى هذا المساء.

عندما وصلني اليوم خبر وفاته، ما كان غريبا أن مبلغي الخبرَ هو صديقي الشاعر محمد عبد القادر موسى Mohamed A Gadir Musa، رسالة قليلة الكلمات، “يا حبيب، عبد الله شابو إتوفى”، كأنه أرسلها على استحياء، كان يعلم أنه يلقي في عِبّي كرة نار تتقافز، رماها وتوارى، ما بردتْ حتى تركت ألما في القلب لا يزول. كلانا يحب شابو، وكلانا كنا نختلي بضحكته المتقطعة التي يدس داخلها بعض الكلمات، كنا نرى فيه جيلا مصادما ورقيقا، ومعجبيْن بذلك الجيل كنا ولا نزال، ونبصر بوضوح آثار الزمن والشعر عليه، وكنا حين نلقاه في مناسبة ما، حين يرضى أن نوصله إلى مسكنه، قاطعين الخرطوم من شرقها حتى غربها، لا ندعه حتى يخرج من ذاكرته مشاهد تعقب مشاهد، عن صباه وشبابه، عن شلته المجيدة، من الشعراء والكتاب والغاوين، وربما قرأنا عليه بعضا من شعره، لكنه كان يصر أننا نحن أبناء هذا الجيل “كتّابين خلاص”، فتعجب!.

لا أعرف متى سمعت بشابو أول مرة، من هنا أو هناك لا يهم، المهم أنني أذكرني قريبا من حيث يعبر شارع عثمان دقنة شارع الجامعة، مقلبا أناشيده، بكاءه، تحسره، انكساره وعبثه، وتضرعه. أعجبتني موسيقاه، إسرافه في الأمل، واتخذتُه صديقا، حتى صرت أحسبني صديقه هو.

إنْ أنس لا أنسى عصر ذلك اليوم، حين التقيته صدفة في طريقي، واكتشفت أنني أقيم على مرمى قبلة من بيته. كنت أمارض والدي – رحمه الله – تلك الأيام، واضطررنا أن نقيم في جبرة، وأخرج عادة لإحضار بعض الأغراض، ممتلئا بالقلق على الرجل الفاضل والدي، وحين كنت أحس بطمأنينة، أقلب صفحات بعض الكتب، أقضي أياما ثقيلة، غير أني فجأة وجدت شابو ممسكا بعصا يسير أمامي، ما صدقت حتى رد علي السلام، وعرفني حين حييته. ربما قال لي ضاحكا شيئا مثل “الجابك هنا شنو”، أبلغته بمرض والدي، وعدني بأن سيمر علينا، كان قد تجاوز السبعين من عمره، يحمل غربة الشاعر وطفولته على وجهه، بظهرٍ منحنٍ من فرط ثقل الحياة، وعينين لا تخطئان الجمال. أشار إلى حيث يقيم، “تعال لي في أي وقت”، ومرت أيامي تلك دون أن يأتي ذلك الوقت المناسب، وقد كنت أمني النفس بحوار يطول معه. بدا لي أنه يواظب على المشي، لأنه سأم، ومن يعش عيشه لا أبا لك يسأم، وهو من رأى الرياح تغير وجهتها مرات ومرات، والبحار تنأى ببلاده يوما بعد يوم. لكنني كنت أستنطقه حين أجده، أعرف أنه كان يحب أصدقاءه جدا فأسأله عنهم واحدا واحدا، أسأله عن صلاح فيصمت، ثم يحكي لي عنه، وعن قوة نفسه ورقته ونبله، ثم أسأله عن الفيتوري، فيضحك، “ياخ لو تعرف الفيتوري دا كان صعب كيف، تاني شعره دا تخاف تقراه، لا حولَ” فأضحك لضحكه، وجيلي عبد الرحمن، والمجذوب، وحين أسأله عن عبد الحي، كان يضع سبابته على فمه، “زول شاطر شطارة شديدة، ذكي ذكي”.

كنت أتأمله حتى وإن كان منشغلا بآخرين، أذكر أشعاره:
“في قلبي هذا الرنان الأجراس
تحنانٌ يشعلني حبا كالبحر
ويقتلني مقتا
ضاعفت الأحزانُ الوقتا
أرجو أن تدعوني صاحبتي
هذي الليلة
ترشق في مفرقها عطر الأيام السالفة الريانة
تحرق لي العود وتمطرني ريحانا
وتدير الضوء الخافت
موسيقى عصري تملأني شجنا
أنسى للتو الصخب السوق
الزمنا” ..
ولا أستطيع إلا أن أتذكر أنه يواصل:
” ذهب التاريخ بشاعركم”.

وأرى فيه جميع من أحبهم وأهدى إليهم قصائده المليئة بالحب والأسى، وأولهم لوركا، لوركا، ذلك الذي دفع حبُّه شابو إلى أن يأخذ الإسبانية من فم تاجر في كوستي، حتى أتقنها، هاهو ذا يتردد نداؤه:
” يا لوركا الباسل
يا أندلس الشعر السامق
رغم الموت الأجوف
ما أعذب هذا يا فدريكو القلب”.

لا تنسيني ملامحُ هذا الجسد الشيخ الحكيم تلك الروحَ الصاخبة الشابة، التي يفتنها الجمال، تلك التي تزهو:
“كنتُ علّمت الصبايا
رقية العشق وتزويق الكلام”،
ولا تنسيني تلك الروحُ المسالمة التي ملأت شعره المتأخر أشعارَه الأولى، حيث الصدام والشراسة، تلك الأيام التي سيرثيها قائلا: “خمد الصهيل بقلب هذا الشيخ”.

عاش حياته محبا لبلاده وأبناء أمته:
“مزاهري وكل ما ملكت لك
قصائدي وكل ما ملكت
يا من يحار في مدارك الفلك
ويرتمي تبتلا
على حذائك الضياء”.

وكان منشغلا أكثر الانشغال بالآتين بعده، ربما كان هذا سبب ترفقه ولطفه بجيلي من محبي شعره، كان ديوانه الأول الصادر عام 1968، وهو ابن خمسة وعشرين عاما (؟)، أغنيةً مهداة كلها إلى إنسان القرن الحادي والعشرين، وكان في شعره توق دائم لأصدقاء في المستقبل، “يسكبون بعض الكأس على الأرض ويشربون نخبا باسمه”، وهذا شيء كان يشدني إلى عوالمه الحافلة بالغزل الجريء، بالشكوى والكبرياء، والصراع مع الزمن. وترك لنا ضمن ما ترك اعترافه الخالد:

“سيكتب فوق الشواهد من بعدنا
بأنّا عشقنا طويلا
وأنّا كتبنا بدم الشغاف
كأن لم يقل شاعر قبلنا
وأنّا مشينا إلى حتفنا
رعيلا يباري رعيلا
وأنّا وقفنا بوجه الردى
وقوفا جميلا
سيكتب فوق الشواهد من بعدنا
بأنّا كذبنا قليلا
وأنّا انحنينا قليلا
لتمضي الرياح إلى حتفها
وأنّا سقطنا سقوطا نبيلا”

ذات مساء، ونحن خارجون من صالونه الواسع الأنيق، بعد أن غمرنا بضحكاته وذكرياته الأخاذة، بيننا محمد عبد الباري الذي كان ليلتها يجلس إليه لأول مرة، فيما كانت تلك آخر مرة أرى فيها وجه شابو وأسمع حسه، أذكر كيف أن عبد الباري، وهو من هو تذوقا للشعر واصطيادا للفن، أمسكني من يدي، وممتلئا بحب مقطع الاعتراف هذا، قال لي: ” شفت كيف يا بشير الزول دا، شعره زيّه، قال: وأنّا انحنينا قليلا لتمضي الرياح إلى حتفها”.

ألا رحم الله شابو. شابو هذه الكلمة التي لا أعرف معناها، غير أنها أصبحت لا تعني شيئا غير القائل وكأنه يستعير حالنا:
” اليومَ
ذلك الذي يضيء لي
مضى
كضحكة تسكتها في مهدها
مرارةُ الشجى
تشابكت خطاه عند بابي الوصيد
وانطفا”.

بشير أبوسن
الرياض،
٣٠ أكتوبر، ٢٠٢٢م

‫شاهد أيضًا‬

جماهير غفيرة تحيي ذكرى مجزرة 17 نوفمبر في مواكب هادرة ببحري

الخرطوم – الشاهد خرج الآلاف، يوم الخميس، في مواكب حاشدة إلى المؤسسة بحري في ولاية ال…