‫الرئيسية‬ آخر الأخبار رقيعة ومبتذلة ام جميلة ومستحيلة؟
آخر الأخبار - نوفمبر 10, 2022

رقيعة ومبتذلة ام جميلة ومستحيلة؟

معتصم أقرع:

ثار جدل حاشد عن جامعة الخرطوم في عيد ميلادها المئة وعشرين احتفل فيه من احتفل بها وقصفها بالمنجنيق من قصفها.

ركز القاصفون على نخبوية الجامعة ونرجسيتها المعلنة في اسم “الجميلة ومستحيلة”. وهو نقد مستحق، ولكن مرض النخبوية ودور الصفوة لا يقتصر على جامعة الخرطوم فقط لأنه ينطبق جيدًا على جميع أعضاء الصفوة سواء كانوا من النخب التقليدية، أو الإقطاعية أو شبه الإقطاعية أو من الذين درسوا في جامعات أخرى أو تخرجوا من الكلية الحربية.

جنايات النخب وعيوبها ليست حكرا على خريجي جامعة الخرطوم فقط. كما ان مآسي السودان شارك في صنعها من لا ينتمون للنخبة المتعلمة تماما مثل الجنرالات والكثير من قادة الميليشيات وزعماء القبائل والإدارات الأهلية ورجال الدين. وكل هذه النخب لا علاقة لهما بالجامعة أو التعليم ولا أرى انها أفضل من الخريجين على علاتهم.

يتعرض الخطاب الناقد لحقيقة ان جامعة الخرطوم تم تأسيسها بواسطة المستعمر. وهذا صحيح تاريخيا اذ ان الإدارة الاستعمارية هي التي أسست الجامعة، لكن هذا لا يلغي أهليتها ولا ينزع عنها شرعيتها. فقد تم إدخال المستشفيات أيضًا على يد السلطات الاستعمارية، وكذلك السكك الحديدية ونظام الصرف الصحي ولا اعتقد ان هناك من يدعو ضد هذه التحديثات لأنها أتت مع الاستعمار ولا فرق بين تطورات أتت مع الاستعمار حينها واخري تمت حديثا علي يده مثل الانترنت. فجزء غير قليل مما اتي به الاستعمار يدخل في مجال تطور الانسان وعلومه أينما كان وهذا يضعنا في خانة ان لا داعي لإعادة اختراع العجلة فقد اخترعها السومريون منذ ستين قرنا.

وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال ان الجامعة علي كمال. ومن الصحيح دائما السعي لتحسينها وتحسين دورها العلمي والثقافي بنقد هادف وموجه لا بإدانات توراتية تنزع عنها المشروعية وتصوب بعيدا عن هدف نشر التعليم ومجانيته.

ذكر ادوارد سعيد ان القوى الاستعمارية علمت أبناء المستعمرات اللغات الأوروبية لكي تقول نعم بلغاتها، لكن البعض من أبناء وبنات المستعمرات اختار أن يقول لا بتلك اللغات. هذا هو السبب في أن بعض الأدبيات الأكثر استنارة ووطنية ومناهضة للاستعمار كتبها أهل جامعة الخرطوم وغيرها من الجامعات وعلي عبد القادر خير مثال على ذلك. أضف إلى ذلك بعض الكتابات والسياسات الأسوأ والرجعية والمريضة من إنتاج أشخاص لا علاقة لهم بجامعة الخرطوم.

النقطة المهمة هي أن المثقفين والقادة السياسيين السيئين والصالحين يمكن أن يكونوا مرتبطين بالجامعة ويمكن أن ينحدروا أيضًا من خارجها. لذلك لا يمكن لأحد أن يعمم أن جامعة الخرطوم شر مدمر فريد من نوعه فالدليل مختلط وملتبس فالصلاح في كل مكان وكذلك السوء وللأسف الحياة لا تأتي في حزم نظيفة وواضحة كلها خير أو كلها شر لكنها تأتي دائما مختلطة ومربكة وومن واجب المثقفين تفكيك التباساتها لتجنب تبسيطات فيها خطورة.

على الرغم من النواقص العديدة المتعلقة بالجامعة، إلا أن هناك جانبًا إيجابيًا مفقودًا في خطاب المنجنيق. على سبيل المثال، كانت الجامعة مثالًا رائعًا لمبدأ التعليم المجاني الذي مكّن الطلاب من خلفيات فقيرة من الحصول على تعليم جاد وعالي الجودة. وبدون تلك المجانية، لم يكن بمقدور مئات الآلاف الحصول على التعليم ولم يكن بإمكانهم الارتقاء في السلم الاجتماعي ومساعدة أسرهم على الهروب من الفقر أو على الأقل التعامل بشكل أفضل مع أعبائه. لذلك ربما ما كان من المهم ان لا ننسي ربط مسألة جامعة الخرطوم بمبدأ مجانية التعليم الجيد حتى لا يصب النقد عن غير قصد في خانة اضعاف النداء لنشر التعليم المجاني.

وقلنا ان من يحب التعليم الجيد المجاني لا يستطيع ان يكره الجميلة ومستحيلة. وللأسف نسف مجانية التعليم قوم تخارجوا (والتخارج ليس كالتخرج) من الجميلة ومن جامعات وخلاوي اخر كان مصيرهم رعي الغنم في قرية نائية في غياب مجانيته. لا توجد تجربة كاملة، ولكن نموذج جامعة الخرطوم ومثلها من الجامعات أحق بالإصلاح والتعميم لان إيجابياته تفوق سلبياته بما لا يقارن.

والأمر الآخر هو أن الإقامة المجانية في الداخليات وفرت مكانًا للطلاب من مختلف المناطق والأعراق والقبائل للاختلاط والمناقشة وتكوين الصداقات التي تكسر الحواجز بينهم وتمكنهم من اكتشاف الحقيقة الواضحة المتمثلة في أننا جميعًا بشر وما يوحدنا رائع جدًا مقارنة بخطوط التوتر. بفضل إرث الجامعة، لم يكن الكثير منا يتذكر قبيلته أو منطقته أو قبائل غيره إلا كفضول ثقافي أنثروبولوجي، اذ كان الجميع أصدقاء يتعاملون مع تحديات الوجود اللامتناهية. كانت هذه الوحدة رأسمال سياسي ثمين ذهب مع الريح.

ذكرت سابقا ان الداخليات كانت البوتقة التي صهرت الصفوة المتعلمة من جميع الاقاليم ومدت جسور التواصل بينهم مما ابطأ من قطار القبلية المسرع نحو المقابر وصارت الجميلة ومستحيلة وغيرها من الجامعات هن القبيلة الجديدة التي وحدت الصفوة المتعلمة من مركز وهامش ولطفت من حماقات البرجوازية الصغيرة المعلومة.

أضف إلى ذلك حقيقة أن المهام والمسؤوليات الأساسية للجامعة هي تخريج تكنوقراط ومهنيين ولغويين وعلماء اجتماع وعلماء طبيعة ومهندسين وأطباء وممرضين ومحاسبين ومديرين ماليين وزراعيين وأطباء بيطريين أكفاء، وما إلى ذلك. هناك حاجة إلى هذه المجموعات المهنية لإدارة أي مجتمع حديث بغض النظر عن انحرافاتهم السياسية أو الأيديولوجية. وفي هذا المضمار كان أداء جامعة الخرطوم جيدًا على الأقل حتى انقلاب 1989.

ويجب ان نضيف أن خريجي الجامعة ليسوا كتلة متجانسة، بعضهم شرفاء، ومحترمون، والبعض الآخر تعليق محزن على حال الإنسانية. لكن الازدواجية نفسها تنطبق على الصفوة التي لا علاقة لها بالجامعة.

واصلا لا يصح توقع تطابق أيديولوجي أو فكري بين خريجي الجامعة فذلك مستحيل إلا في ظل نظام كامل الشمولية. فمن أهل الجامعة الكوز والجمهوري والشيوعي والسنبلي والاتحادي وهلم جرا.

فجامعة الخرطوم خرجت محمود محمد طه والترابي وفاطمة بابكر والخاتم عدلان وعمر الدقير وود الفكي. لذلك لا يوجد اختبار عباد شمس سياسي صالح لتقييم المحتوي الأيدلوجي للخريج، ولكن يصح محاسبة الجامعة على المستوي العلمي والمهني لطلابها وفي هذا الاختبار لم تسقط جامعة الخرطوم.

فقد ذكر أحدهم في ذم الجميلة ان قوش ونافع والترابي وعلي عثمان وفكي جبرين كلهم من المستحيلة وهذا صحيح، ولكنه نسي ان الشجعان الذين قاوموهم واستشهدوا وتعرضوا للتعذيب الوحشي والمحاربة في الرزق كانوا أيضا من الجميلة ومنهم العظيم بروفيسور فاروق محمد ابراهيم وغيره. ونسي ان فكي جبرين وعلي عثمان والترابي أيضا من دارفور ومن دار بني شايق ومن الجزيرة وهذا لا يعني ان قبائلهم وأقاليمهم مسؤولة عما فعلت أياديهم فما الذي يجعل جامعة الخرطوم مسؤولة حصريا عن قصورهم؟

بينما أتفق مع الكثير من النقد الموجه صوب الجميلة ومستحيلة، فإنني أزعم أن جله صالح وينطبق على جميع أعضاء الصفوة سواء كانوا ينتمون إلى تلك الجامعة أم لا، لذلك لا يمكن لأحد اعدام الجامعة بالكامل فذلك قد يعفي عن غير قصد المشاركين الآخرين في الجريمة. ولا اعتقد ان بزوغ عصر الفاقد التعليمي الصاعد علي فوهة بندقية الميليشيات والقبائل المسلحة سوف يكون أكثر رأفة أو أقل نرجسية من الصفوة المتعلمة المرتبطة بجامعة الخرطوم واخواتها من الجامعات الأخرى.

أنا أتفق بالتأكيد على أننا بحاجة إلى مضاعفة فحص جميع المؤسسات السودانية بهدف تحسينها لخدمة البلد بشكل أفضل، لكن هناك تحفظات على الإدانات التوراتية بالجملة. وبنفس القدر لا أتفق مع المداولات النرجسية خفيفة العقل واحتفالات عيال الجميلة ومستحيلة غير المشروطة بها.

وآمل ألا يأتي النقد المشروع والمطلوب لجامعة الخرطوم عن غير قصد وكأنه تشكيك في قيمة التعليم ويجب ألا تغيب عن بالنا الأهمية الحاسمة لإعادة التعليم المجاني من المهد إلى الدكتوراة.

صحيح ان التعليم كعملية مليء بالثقوب، ولكنه يظل أفضل من بديله وهو اللا-تعليم وتصبح القضية هي إصلاحه وليس الزهد فيه أو تزهيد الاخرين. كما ان الإصلاح والتحسين علي صعيد كل جوانب الحياة الجامعية تحدي دائم لان الكمال مستحيل.

كما يجب أن يكون تقييم تاريخنا ومؤسساتنا جدليًا، مما يعني ان علينا أن نكون قادرين على رؤية الجانب المظلم والجانب المشرق معا لتجنب رمي الطفل مع ماء الغسيل.

ختاما فان هدف الكتابة ليس المنافحة عن جامعة الخرطوم كطائفية من بتوع مدارس ولكن الولوج للقضية الأكبر وهي العودة للتعليم الجيد المجاني وتعميمه كشرط لازم لإحداث التنمية والسلام الاجتماعي ومحاربة الفقر لان البديل هو ان يشتري التعليم من يستطيع ان يدفع وهذا هو الطريق الذي يقود الي مجتمع كاست يرث فيه الانسان حرمانات أو امتيازات الأسرة التي انجبته في صدفة الميلاد وسيكون هذا مجتمع قميء يسود فيه أبناء وبنات قادة الميليشيات والجنرالات والطفيلين والمهربين والعملاء.

‫شاهد أيضًا‬

جماهير غفيرة تحيي ذكرى مجزرة 17 نوفمبر في مواكب هادرة ببحري

الخرطوم – الشاهد خرج الآلاف، يوم الخميس، في مواكب حاشدة إلى المؤسسة بحري في ولاية ال…