‫الرئيسية‬ آخر الأخبار خطبة صلاة الجمعة: مقترحات لإصلاحها بقلم : د. عمر الشفيع
آخر الأخبار - رأي - أغسطس 23, 2019

خطبة صلاة الجمعة: مقترحات لإصلاحها بقلم : د. عمر الشفيع

 

انتشرت في الفترة الأخيرة أخبار وصور تدلّ على ضيق بعض المصلّين ببعض أئمّة المساجد في السودان إلى درجة إنزال الخطيب من المنبر.

وبالطبع فالأسباب لهذه الحوادث (نرجو ألّا تصبح ظاهرة) عديدة، ولكن طريقة أداء خطبة صلاة الجمعة ونوع الخطيب التقليدي هما من الأسباب المزمنة في سوء المردود من خطبة صلاة الجمعة وعدم مساهمتها في ترقية الوعي العام.

 

ذكر القرءان العظيم (الصلاة من يوم الجمعة) وربطها بذكر الله لأنّ الصلوة أصلًا تقام (لــ) ذكر الله، وذكر الله أكبر منها.

وتحوّل المركّب القرءاني (الصلاة من يوم الجمعة) إلى مركّب (صلاة الجمعة) في لساننا العربي والشعبي.

 

وأهمّ ما في صلاة الجمعة هو الاستعداد النفسي للذهاب إليها والاستماع لخطبة أسبوعيّة تعتبر جامعةً شعبيّة (Popular University) يمكنها أن تساهم في زيادة الوعي وترقية المقدرات المطلوبة في المجتمع.

 

وحكم صلاة الجمعة أنّها أَمْرٌ من الله (للّذين آمنوا) من الرجال والنساء بالذهاب إليها إذا أقيم النداء لها وإذا كانت الخطبة ذكرًا لله (هل نراعي هاذين الشرطين؟).

 

ولذلك فمن الواجب علينا تهيئة المساجد لإستيعاب الرجال والنساء حتى يستجيبوا لأمر الله بالسعي إلى ذكره سبحانه وتعالى؛ وخطبة صلاة الجمعة هي ذكر الله كما أسلفنا الذي أُمرنا بالسعي إليه؛ الأمر الذي يجعل لها أولوية الإحسان بها حتى تكون درسًا أسبوعيًّا في ذكر الله نَفِيئُ إليه حتى لا يتسلّط علينا الشيطان فينسينا ذكر الله.

 

وكما خضع المسجد في شكله وبنائه للتجديد الذي هو سنة في الإجتماع والعُمران فكذلك يجب أن تخضع خطبة صلاة الجمعة، التي هي إحدى وظائف المسجد، للتجديد في طريقة تقديمها ومحتواها؛ وهنا بعض المقترحات التي نرجو لها أن تثير نقاشًا حصيفًا ومفيدًا يقودنا لتطوير مساجدنا ووظائفها ودمجها في استراتيجيّة المجتمع نحو الحريّة والعدل والنماء.

 

  1. موضوع خطبة صلاة الجمعة يجب أن يكون إختياريًا يقترحه {الذين آمنوا}، هؤلاء الذين أُمروا بالسعي إلى ذكر الله وهم الرجال والنساء في المنطقة التي ينادى فيها للصلة من يوم الجمعة، ويستطيعون الاستجابة للنداء.
  2. ويمكن أن يكون اختيار موضوع الخطبة بكتابة المصلين لاقتراحاتهم ووضعها في (صندوق خاص) بها ليتسنّى للّجنة المسؤولة عن ذلك الاطّلاع عليها وترتيبها وإيجاد الخطيب المناسب للموضوع المختار.
  3. وتكون الموضوعات ذات صلة بالقرءان العظيم، إذ أن النبي صلى الله وملائكته عليه كان يخطب من القرءان حتى جاء في الأثر أن إمرأة حفظت سورة ق من تكراره لها؛ وهذا يدلّ على أن خطب النبي في صلاة الجمعة كانت القرءان وتدبّره رغم أنها لم تصلنا كاملة.
  4. وعلى اللجنة المسؤولة أن تجري دراسة تعرف عن طريقها المستوى الثقافي والعلمي للمترددين على المسجد بالتشاور معهم لتضع برنامجًا يناسبهم ويفيدهم ويجعلهم يقبلون على صلاة الجمعة لسماع خطبتها من ذكر الله بكل وعي وإنتباه.
  5. خطيب الجمعة لا ينبغي أن يكون شخصًا واحدًا راتبًا يكرّر فكره مهما كان جيدًا على أسماع المصلين كل أسبوع؛ وكون النبي الكريم كان الخطيب الوحيد ليس حجة في أن يكون الخطيب راتبًا نسمعه كل العام أو كل الأعوام، إذ أنه صلى الله وملائكته عليه كان نبيًا يطبّق رسالته ويشرف على مرحلة الأسلمة الأولى لذلك المجتمع الأول حتى نقتدي به في منهج الخطبة وهو ذكر الله.
  6. ولذلك الأحسن لنا أن نستمع في كل أسبوع لصوت خطيب جديد، ومن الأفضل أن تعلن اللجنة المسؤولة عن ذلك الصوت الجديد وعن موضوع الخطبة القادمة قبل مدة كافية من الجمعة القادمة.
  7. وبذلك فسوف يصبح الموضوع المعلن عنه للجمعة القادمة متاحًا للنقاش وقد يغري البعض بالقراءة فيه إنتظارًا للخطبة حتى يتم فهم الموضوع فهمًا سليمًا والاستزادة فيه من إمامنا المتخصص أو الملمّ بموضوعه.
  8. تدريب الأئمة على كيفية الخطابة حسب وسائل التدريب المعاصرة التي تراعي العلوم السلوكية والنفسية والإجتماعية وطرق المخاطبة وطرح المواضيع على الجمهور، وهذا التدريب ليس صعبًا فمن الممكن أن يتم لمجموعة من أهل المسجد من تخصصات مختلفة لهم نظرات في تدبر الذكر الحكيم.
  9. وعلى التدريب أن يساعد في كيفية النظر للقرءان العظيم ليستخرج المتدرب منه موضوعًا متماسكًا (مرتّلًا متشابهًا بلسان القرءان) يكون مفيدًا للمصلين، وكيفية ربط الموضوع مع راهن المصلين خاصة إذا كانت هذه رغبتهم.
  10. وإختيار الأسلوب وتجويد الطرائق الخطابية مهم أيضا في التدريب، ولا داعي للزعيق ونهر المصلين وكأنهم قصّر أبوهم جاهل لا يعرف كيف يتعامل معهم.
  11. وعلى الخطيب أن يعدّ موضوعَه جيدا وأن يستعين بكل وسيلة تسهل له موضوع الخطبة وتجعل المصلين يركّزون معه ويستفيدون مثل برامج الحاسوب (PowerPoint) وآلات العرض الحديثة (Beamer / Projector)؛ وهذا يساهم في إنهاء عشوائية الارتجال التي من عيوبها الانتقال بين نقاط كثيرة ومتباعدة وعدم التركيز في موضوع الخطبة وتفصيله حسب مستوى المصلين.
  12. من الأفضل أن تكون الخطبة متوسطة الطول متفقًا على بداية توقيتها ونهايته ليتمكن المصلّون من ضبط توقيت جداول أعمالهم حتى يكون انتشارهم في الأرض بعد الصلاة ضمن التخطيط الذي يقودهم إلى الابتغاء من فضل الله.
  13. ويمكن أن تحدّد اللجنة المسؤولة جلسة أخرى مساء الجمعة أو يوم السبت مثلًا لتوسيع موضوع خطبة الجمعة ونقاشه بالنقد والمفاتشة أو الإضافة وتحديد الموضوع القادم حسب اقتراحات المصلين (فرز الصندوق) وإختيار الخطيب الذي يمكنه أن يقوم بالخطبة في الموضوع القادم.
  14. وإذا ارتأينا أن وقت خطبة الجمعة نصف ساعة مثلًا فيمكن لنا أن ننتقل بعد ذلك إلى توزيع المساجد في المدينة أو الحي أو القرية على تواقيت مختلفة من وقت الضحى وحتى قريب العصر.
  15. وقد يكون توزيع المساجد بالاتفاق مع الحكومة المحلّيّة أو لجنة عليا مشرفة على كلّ مساجد المدينة أو القرية وتشارك في الضبط التوقيتي لصلاة الجمعة حتّى لا تصلّي المساجد كلها في وقت واحد ليتسنّى للمصلين اختيار المسجد الذي يناسبهم من حيث توقيت الصلاة وأوقات أعمالهم.

 

ومن تجربتي الشخصيّة في بعض المساجد التي كنت أصلي فيها الجمعة أستطيع أن أذكر بعض المميزات الإيجابية في ثلاثة منها كأمثلة فقط:

 

  1. دكتور عبد الصبور شاهين رحمه الله نجح في أن تكون خطبته في مسجد عمرو ابن العاص ذكرًا لله في جزئها الأول حيث كان (يفسر) فيها القرءان العظيم بترتيب السور ولكنه كان خطيبًا واحدًا راتبًا والموضوع لم يستشار فيه المصلون وإن كان قريبًا من اهتماماتهم بدليل الحضور الكثيف.
  2. في مسجد مصطفى محمود في المهندسين في مصر نجحت اللّجنة المسؤولة في أن تعلن الموضوع لأسبوع قادم أو شهر كامل وأن تختار لكل موضوع من يناسبه من الخطباء (كنّا نجد قائمة المواضيع وأسماء الخطباء معلّقة في مكان إعلانات المسجد)، ولكن لم أكن أعلم إن كان الموضوع من اختيار المصلين أم من اختيار اللّجنة المسؤولة التي قد تكون قريبة من اهتمامات المصلين. هاتان تجربتان في السنوات التسعين من القرن العشرين.
  3. والتجربة الثالثة كنت شريكًا فيها في مسجد المركز الإسلامي في ولاية التيرول في النمسا في السنوات الأولى من قرننا الحالي؛ نجحت تجربة التيرول في أن يتعدد الخطباء، وكنتُ واحدًا منهم، وأن يكونوا من مجتمع المصلين الذين يعرفون الواقع واللغة الألمانيّة عكس الخطباء المستوردين؛ ونجحنا نوعًا ما في أن نطرق موضوعات مختلفة حسب تكوين مجتمعنا الفكري، وقد التزم إثنان منّا بالتدبر في القرءان، وكانت النتيجة أعلى من جيدة لأن المصلين اهتموا بالخطبة التي موضوعها التدبر؛ والذي نجحنا فيه كاملًا هو موضوع التوقيت لأن بعض المصلين كانوا يأخذون إذنًا محدّدًا من أعمالهم لأجل الصلاة فكان لا بُدَّ من التزام توقيت دقيق يتيح لهم التنسيق بين الصلاة وأعمالهم، ووضعنا لهذا السبب ساعات تنبّه الخطيب ليلتزم بالوقت؛ ونجحنا كذلك في مواصلة جلسة الجمعة أو أحيانا السبت وكانت من أجمل وأنجح التجارب التي رأيتها من حيث حريّة النقاش وجديّة الموضوعات التي قد يكون التوسّع في موضوع الخطبة السابقة ونقدها من بينها؛ ولكننا لم ننجح في استطلاع آراء المصلين وكنَّا عامة من ذوي المستوى العلمي المنخفض ولكن حصل تطور ملحوظ لكثير من المصلين.
  4. المهم أن هناك بعض الإشراقات في تطوير خطبة صلاة الجمعة ولكنها تبقى تجديدًا جزئيًّا قد يساهم في عملية الإصلاح المنشودة، والتجديد المنشود في موضوع الخطبة وتأهيل الخطيب أصبح قريب المنال في وقت السودان الحاضر وإقبال الناس على التعليم والتكوين في زمان الاتصال العولمي الذي نعيش فيه.

 

والله أعلم.

‫شاهد أيضًا‬

نحو تحالفات الحد الأعلى

القيادي بقحت محمد فاروق يكتب : نحو تحالف حد أعلى نحو تحالفات الحد الأعلى: دعوة للإصلاح وال…