‫الرئيسية‬ آخر الأخبار التحرش وكرة القدم.. سايكولوجية الجنس والجسد
آخر الأخبار - رأي - أكتوبر 5, 2019

التحرش وكرة القدم.. سايكولوجية الجنس والجسد

د. مجدي إسحق

امتلأت الأسافير بقضيتين هما؛ تحرش أستاذ بطالبة وافتتاح دورة كرة القدم للسيدات وما صاحبها من منع الرجال من المشاهدة.

الظاهر للعيان، أنه لا علاقة بين الظاهرتين، لكن الحقيقة إنهما تنهلان من نفس المنبع وتقودان إلى نفس المصب.

ما يقلقني كثيرا، أن تناول قضايا الحياة لا يقررها الفهم العلمي للأشياء ولكن كثيرا ما تكون ردة فعل تعكس مستوى فهمنا ووعينا الخاص بكل ترسباته أو تخوفا من الآخر والإجابة المسبقة على الأسئلة  التي في ذهنه.

إن سايكولوجية الجنس والجسد تخبرنا عن رؤيتين في تفسير العلاقة بينهما.

النظرة الأولى:

هي النظرة البيولوجية ترى فيه علاقة ميكانيكية وتجاذب حتمي بين جسد المرأه وسلوك الرجل في حتمية بيولوجية مثل حتمية جذب المغنطيس للمعادن. لذا يصبح أي جسد لامرأة مؤهلا  لتفريغ التوتر الهرموني.. وأي امرأة ورجل هما مشروع علاقة جسدية محتملة بحكم ما في ذهنهما، وعادة ما يمنعها من الحدوث قد يكون الأخلاق والقانون أو عدم تهيئة الظرف المناسب،  لذا بالنسبة لهذه الرؤية البيولوجية نجد الحل لديهم في الفصل بين الجنسين، لأنه في قانونهم هو الوازع والساتر الوحيد الذي يوقف هذه الحتمية البيولوجية والتجاذب الهرموني.

الرؤية الثانية:

هي النظرة الإنسانية، وهي النظرة العلمية التي ترى العلاقة ثلاثية الأبعاد بين جسد المرأة وسلوك الرجل.. وعقل الرجل وهو المفقود في الرؤية الأولى والمغيب نهائياً.

في هذه الرؤية، ترى أن جسد المرأة يخاطب عقل الرجل ووعيه الذي لا يسمح بفتح أبواب التجاذب إلا إذا توفرت المفاهيم النفسية والعقلية التي تتناسب مع مفهومه لمعنى الجنس.

في هذه الرؤية، يحرص علماء النفس والاجتماع على شيئين؛ أن يكون جسد المرأة معروضاً بما يتناسب ومفهوم التقاليد في مجتمعها لمفهوم الحشمة واحترام الجسد.. والتركيز على رفع مستوى الوعي بأن الجنس ليس علاقة بين جسدين، بل هو تعبير جسدي بين شخصين يربطهما تواصل عاطفي محدد.. لذا يتم التكريس لثقافة إن لكل رجل أنثى واحدة وبقية النساء مجرد إنسان مختلف بيولوجيا عنك .

هكذا تصبح كل امرأة محرمة على كل رجل ليس خوفا من عقاب الدين والقانون، بل لأن القبول النفسي والعقلي منتف ومعه يغيب التواصل العاطفي الذي يجعل منها أنثى. في هذه الرؤية ترفض فكرة الفصل بين الجنسين لأنها تكرس لثقافة جسد المرأة مستودع الشهوات والشرور والرجل المغلوب على أمره فريسة ضعيفة أمام شيطانها.

إن الرؤية البيولوجية هي الفهم الذي يعكس ثقافة المملكة الحيوانية والتي لا ننكر إن المجتمعات الإنسانية في تتطورها لم تستطع أن تفارق هذا المكان تماماً بل نجد حتى في ثقافات تدعي التقدم و حرية المرأه ما تزال تمارس ذلك باستغلالها لجسد المرأة كعامل للإثارة وتكريسا للعلاقة البيولوجية وسقوطا في وحل علاقات المملكة الحيوانية.

إن الرؤية الإنسانية لا تحلق في خيالات الأماني بل تستند على النظرة العلمية النابعة من الواقع في ضرورة العمل على تجاوز مملكة الحيوان بنشر الوعي وتكريساً لقيمة المرأة الإنسان، وذلك لما فيهمن توازن سايكولوجي تعتمد على علاقات صحية معافاة مبنية على احترام المرأة وليس علاقة حظر وحصر خوفا من التقارب مع الإنسان الذي أختزل لمجرد جسد.

إن الرؤية البيولوجية هي جزء أصيل من العقل المأزوم الذي يمثله الإسلام السياسي في واقعنا.. الذي يرى إن النساء شياطين خلقن لنا.. وإن تهذب بعلم ظاهري نجده لا يبتعد بعيدا وهو يردد إن النساء رياحين خلقن لنا ومن منا لا يهوى شم الرياحين.

لذا حتى لا يرميه الشيطان بحبائله أو الرياحين بعطره فليبعد من الشر وخلق حاجز وفاصل يمنع التواصل المحكوم بحتمية التجاذب. إن الفكر المأزوم يحاول أن يجد قدسية لنظرته واستدعاء تفاسير دينيه وعادة ما تتهاوى هذه الدعاوى أمام الرؤية الصحيحة للدين التي فيها تكريم للمرأة الإنسان.

يزعم البعض إنهم يؤمنون بالرؤية الإنسانية، ولكن المجتمع لم يصلها بعد، لذا يدعمون الرؤية البيولوجية حتى يتطور المجتمع ويصل لمشارفها وهذا قول فطير ومردود عليهم.

إن النظرة الإنسانية ليس جائزة نصلها ذات يوم بعد أن نستيقظ من سباتنا، بل هي مرحلة وعي نصلها بالتعلم والممارسة والعمل.

إن الوسائل الخاطئة لن توصلنا إلى نتائج إيجابية، بل ستقودنا إلى مستنقع الهلاك، فالنظرة البيولوجية لن تقودنا لنظرة إنسانية، بل ستكرس للنظرة الحيوانية وستزيد عقلية الفصل  بازدياد ثقافة التوتر الهرموني والانغلاق.

إن النظرة الإنسانية طريق شاق من التعلم وبث بذور الوعي سيكون فيه تفلتات وأخطاء وأفراد لا يريدون مفارقة حيوانيتهم ولكن هذا يجب ألا يمنعنا من المسير لتحقيق مجتمع الأخلاق ورؤية المرأة الإنسان.

أزعم أن مجتمعنا به بذرة من مراتب النظرة الإنسانية، فقد تربينا في ثقافة ترى بنات العم والخال وبنات الجيران وزميلات العمل أخوات تتجاوز حدود الجسد ولا نرى فيهم أي جذور تجاذب أنثوي تقابلهم بالأحضان وتقالدهم بعد الغياب كأفضل دليل لانتفاء وهزيمة النظرة البيولوجية وسيادة النظرة الإنسانية.

وأضيف لزعمي ذاك، أن العامل المؤثر هو الوعي الذي أفرزته تقاليدنا وأعرافنا شكلته وتشكل بها؛ لذا دوما أستحضر مقولة صديقي العربي الذي يقول معجباً ومستغرباً: “أنتم السودانيين مختلفين”، عندما يراني أقوم بزيارة زوجة صديقي في غيابه أتفقد أحواله أو عندما نجلس كمجموعة أسر سودانية رجالها ونسائها تحكمنا إنسانيتنا وتفارقنا النظرة البيولوجية، إلا من في نفسه مرض وهو الشاذ الذي لا حكم له.

إن صح أن ذلك الأستاذ تحرش بتلميذته، فهو يعتبر مريض نفسي، ومريض اجتماعياً أيضاً بجرثومة النظرة البيولوجية التى لا ترى في المرأة وإن كانت طفلة إلا جسدا.

واتحاد الكرة الذي يمنع حضور مباريات النساء لم ير في لاعباته إلا جسداً يحتاج الحماية من عيون الذئاب وقع أيضا في  تأثير النظرة البيولوجية وإن كست موقفه حسن النوايا و ثياب الأخلاق و الشرف.

قد يقول قائل ربما كانت هي رغبات اللاعبات وأسرهن،  ونقول مع كل احترامنا، فليتوفر لهم مسابقات مقفولة احتراما لحقوقهن ورغباتهن، ولكن اتحاد الدولة يجب أن يكرس للنظرة الصحية، النظرة الإنسانية، والتي مهما قل مؤيدوها وظهرت صعوبتها الآن، لأنها هي الطريق الوحيد  الذي سيبني مجتمع معافى ونظرة مشرفة للمرأة الإنسان.

إننا لا ندعو لبدعة أو تشبها بالغير لا يناسبنا، فالنظرة الإنسانية غير علميتها ليست سلوكا معزولا من مجتمعنا وتاريخنا، فكما ذكرنا فنحن شعب متفرد له خصوصيته التي شكلت وعيه الإنساني فجعلت علاقاتنا بعفوية وبدون دراسة ممنهجة رسمت ملامح التواصل العفوي بين نسائه ورجاله،  ونشأنا في جو صحي حضرنا منيرة رمضان تحكم مباريات كرة القدم وطاهرة تعدو في مضمار ميدان الربيع وسارة جاد الله في النيل تسبح وعوضية مرحوم ومها مصطفى وبنات شبيكة في مجمع شئون الرياضة وهنادي طه وفريال محجوب في ميادين التنس فلهن الانحناءة، فقد غرسن في دواخلنا معنى أن نشاهد الرياض’ ونحترم اللاعبين نساءهم ورجالهم فلم تحاصرنا نظرة بيولوجية وانعتقنا إلى رحاب النظرة الإنسانية دون أن ندري وكانت مرحلة في مراتب وعينا تطورا واستيعابا مجسداً للمرأة الإنسان.

إن التراجع من قيمة النظرة الإنسانية، هو تراجع في تطور وعي شعبنا وثقافته،  إن المتحرش ليس دوما هر مريضا نفسيا بل في الغالب الأعم  هو مريض اجتماعي نتاجا مباشرا لجرثومة النظرة البيولوجية ومع سيادة هذه النظرة سيزداد التحرش.

إن التحرش وباء للأسف مسكوت عنه منتشر في الشوارع والمكاتب والمدارس والأسافير قانونه وسنامه النظرة البيولوجية، أن أي امرأة هي أنثى وهي وجبة جاهزة مبذولة للجميع فلا غضاضة إذا اغتنمت فرصتك دون أن تقع في طائلة المجتمع أو القانون.

إن التحرش لن يوقفه الفصل بين الجنسين بل سيزيده والواقع يحكي إن التحرش الذي تقابله المرأة في شوارعنا العربية المحافظة لا يقارن بما تقابله في مجتمعات العالم الغربي وعندما يحدث تتحسر أن تجد  إحداهما ولا غرابة من إفرازات مجتمعنا المشوهة من موظفي سفاراتنا وعملاء الإنقاذ وأدعياء الفضيلة والشرف.

إن التحرش جرثومة تحتاج للعلاج الناجع بالقوانين التي تحمي المرأة في كل مكان توجد فيه، لكن الاهم من العلاج هو الوقاية وذلك بنشر الوعي ومحاربة كل ممارسات وقوانين النظرة البيولوجية وانعكاساتها وغرس بذرة الوعي في المناهج وبرامج التوعية بالنظرة الإنسانية واحترام المرأة.

فلنبدأ بأنفسنا:

نمسح ما بها من أدران وجراثيم ثقافة مأزومة حاول نهجهم الحضاري فرضها علينا.. فصارعناها بعفوينا وتطور وعينا الشعبي رافضا النظرة البيولوجية وقوانين الحصر والحظر… وفرضنا واقع مجتمعنا المعافى حبا وكرامة… فجعلنا نفتخر أمام مجتمعات تدعي الشرف وتحكمها النظرة البيولوجية.. نفتخر بعفويتنا وأخلاقنا في مجتمع مفتوح نسائه ورجاله في تواصل إنساني يحكمه النقاء وقيم الإنسانية والإخاء.

لذا وجب علينا أن نقف أمام أي محاولة تسعى أن ترجع بمجتمعنا لمدارك النظرة البيولوجية التي نقلوها من فكرهم المأزوم ولم يرعوا من آثار خطلها في مجتمعات تجاوزناها  نحن بمراحل في قيم الحضارة والتعامل مع المرأة الإنسان.

ولتبق حواء بلادي ضد الفصل والقمع رمزا للنقاء والتواصل العفوي والأصيل

‫شاهد أيضًا‬

مجلس الوزراء يُعيد (10) سفراء إلى الخدمة بوزارة الخارجية

الخرطوم – الشاهد أصدر مجلس الوزراء القرار “51” لسنة 2020م، بالموافقة على…