‫الرئيسية‬ آخر الأخبار عيوب ترامب … لا عيوب الديمقراطية … في التصدي لكرونا
آخر الأخبار - مارس 21, 2020

عيوب ترامب … لا عيوب الديمقراطية … في التصدي لكرونا

علي التلوبي في تعقيبه على مقال "كورونا والدرس الصيني"

علي التلوبي تعقيب على مقال د. النور حمد: “كورونا والدرس الصيني”
كتب الدكتور النور حمد بالأمس مقالاً بصحيفة التيار معنوناً ب “كورونا والدرس الصيني”. ورغم احتواء المقال على الكثير من الاستنتاجات المفاهيمية التي تستحق نقاشها كل على حدة، فلكيلا ندخل القارئ في متاهة متشابكة فإنني سأركز فقط على الفقرة الأخيرة من المقال التي تشيد بجهود الصين في محاربتها للكورونا. وقد ورد بالفقرة ما يلي في سياق ردة فعل الصين: ” يفتح النموذج الصيني، الباب، الآن، لإعادة التفكير في مفهوم الديمقراطية. فهل الديمقراطية هي الهيكل التنظيمي لعملية الاقتراع، غض النظر عما يناله الشعب؟ أم هي ما يعود للشعب، من منافع، غض النظر عن الهيكل، والإجراءات؟ أليست قيمة الديموقراطية هي ما تثبته النتائج العملية؟، Evidence-based لمعرفة الفرق، بقي أن نقول: تولت الحكومة الصينية، مواجهة الجائحة بنفسها، في حين لا يزال الأمريكيون يتطلعون إلى أن تنظر حكومتهم، وهي الأغنى في العالم، في إمكانية جعل فحص وعلاج فيروس كرونا مجانًا.”
لا شك أن د. النور حمد له تاريخ طويل وراسخ يعبر عن إيمانه بالحريات وبالديمقراطية. ولذلك فليس في هذا التعقيب انتقاص لقدره أو تشكيك في نهجه الفكري، وإنما بالتعقيب محاولة لسبر النتيجة التي أوحى بها مقاله. ونظن أن النتيجة التي قد أوحت بها الفقرة الأخيرة من المقال هي نتيجة مبنية على حقائق أولية تستحق النقاش وعلى استنتاجات تستحق التعقيب.
بدءاً، يبدو أن هناك إيحاءً قد يصل للمتلقي بأن هناك ثنائية مطلقة للمنظومات، وفي ظني أن ذلك الإيحاء هو العكس تماماً من مقصد د. النور حمد، ولكن بغض النظر عن المقصد، فإن ذلك ما قد يكون وصل إلى القارئ، ومن ذلك لزم التنويه بأن المنظومات السياسية أو الإنسانية عامة لا يمكن أن تكون مطلقة، بل إن لأي منظومة محاسنها ومناقصها. وتفضيل منظومة على أخرى لا يكون باحتساب رد فعلها على حدث أو سياق وحيد، وإنما على مجموع كل الأحداث والسياقات الجارية والممكنة. فالمنظومات الإنسانية لا تستحمل ثنائية الصحيح والخطأ بقدر ما هي تحمل طيف رمادي تكون درجته هي المقارب للأفضل والسيء. وكمصاحب لذلك، فلا يمكن أن نقارن مقارنة متكاملة بذكر مساوئ منظومة ما دون محاسنها، أو بذكر سياقات فضلي لمنظومة أخرى دون ذكر سياقاتها السيئة، بل يجب التقييم الكلي لكل المحاسن والمثالب والسياقات.
على صعيد آخر، فإن الدول الشرقية بما فيها الصين وسنغافورة قد واجهت في السنين الأخيرة انتشاراً لفيروسات مشابهة مثل انفلونزا الطيور وغيرها، ولذلك فإن تلك التجارب القريبة قد رسخت في نفسية حكوماتها وشعوبها خطورة تلك الأوبئة وفعلية إمكانية حدوثها. ولذلك فإن تلك الدول قد كانت اكثر استعداداً بحكم التوقع النفسي، وأيضاً بحكم التجارب السابقة، في التعامل مع أوبئة مشابهة. ولا شك أن النظام الأمريكي على سبيل المثال قد كان أكثر جاهزية في عهد أوباما بتشكيله لمنظومة للتصدي للأوبئة، ولكن بكل أسف فقد فكك تلك المنظومة الرئيس الحالي ترامب المعروف عنه غيرته الشديدة من كل منجزات الرئيس السابق أوباما. فذلك التفكيك قد أضعف كثيراً من قدرة الولايات المتحدة على التصدي للوباء، كما وأن ترامب معروف عنه محاربته للحقائق وللعلم وتفضيله لمستقبله الشخصي المربوط بالأرقام الاقتصادية الظاهرية على الحقائق العلمية وعلى الشفافية والواقعية في مجابهة الأمور. ولذلك فقد كان رد فعله عن الأزمة أسوأ بكثير مما لو كان هنالك رئيس “عادي”. فترامب هو شاردة إحصائية مقارنة بكل الرؤساء الذين سبقوه في قربه من الدكتاتورية والشمولية وابتعاده عن التقاليد الديمقراطية الراسخة لبلاده. إذن فإن القياس بعهد وتصرفات ترامب هو خطل كالقياس بأي شواذ أو شوارد إحصائية outlier statistical أو اعتبارها معبرة عن موقع تكاثف الظاهرة.
ولكن كيف للديمقراطية أن تنتخب رئيساً مثل ترامب بكل ما عليه من مثالب وضآلة قدرات قيادية فكرية؟ نعتقد بأن ترامب وتصاعد الظواهر اليمينية الغربية هي نتاج لمهددين قد أفزعا الناخب الغربي هما مهدد الأمن ومهدد الهوية. ولا شك أن المنظومة الغربية كانت قد بلغت مبلغاً أفضل كما عبر عنه فرانسيس فوكوياما في أطروحته “نهاية التاريخ” في أوائل تسعينات القرن العشرين، ولكنا نعتقد بأن ذلك قد اضمحل بسبب هذين المهددين. شيء إضافي يجب ذكره، وهو قدرة الديمقراطية بحكم تداول السلطة على إصلاح نفسها وعلى إتاحتها الفرصة للناخب لإعادة التقييم كل فترة وأخرى، وذلك مقارنة بالمنظومات الشمولية .
فمهدد الأمن قد تجسم تجسماً ملموساً بعد الهجمات الإرهابية التي تمثلت في هجوم الحادي عشر من سبتمبر وبالكثير من الهجمات الإرهابية على المجتمعات الغربية خلال العقدين المنصرمين. ولا شك بأن البعض يرى أن المسببات الأولية لذلك تقع على عاتق الغرب، ولكن دون الولوج بكثير تفصيل فإننا نرى أن ذلك يقع أولاً على عاتق التفكير الغيبي غير العقلاني للمجتمعات الشرق أوسطية. كما وأنا وبأي حال لا يمكننا قبول أي أفعال إرهابية كردود فعل مبررة بأي سبب ما.
أما بخصوص الهوية، فإن الناخب الغربي مع كثافة الهجرات إلى بلدانه قد أحس بتهديد لهويته كمجموعة إنسانية. ولا شك أن الهجرة نفسها هي استبيان شديد الوضوح لأفضلية المنظومات المهاجر إليها ودونية المنظومات المهاجر منها. والأخيرة هي في معظمها منظومات شمولية ودكتاتورية غالباً مصحوبة بمجتمعات منغمسة في أساليب تفكير تغييبي غير عقلاني. ومن هنا فإن الصعود اليميني هو في حقيقته نتاج لتلك الهجرات المعبرة عن أفضلية المهاجر إليه، إضافة إلى ما أسلفنا من التهديد الإرهابي الناتج عن التفكير التغييبي للمجتمعات المهاجر منها.
كملخص، فإننا نرى أن العيوب التي صاحبت كيفية تصدي المنظومات الديمقراطية للوباء هي في حقيقتها ذات سياق شارد وأن أسباب شروده هي في حقيقتها ذات مرجعية إلى منظومات شمولية وغالباً غيبية التفكير.
علي التلوبي
20 مارس 2020

‫شاهد أيضًا‬

لو عثرت بغلة في القيادة..

عمر عثمان : طبيعي جدا أن يقوم البرهان وحميدتي ومن في نفسه خوف على مستقبله في ظل تسارع الخط…