‫الرئيسية‬ آخر الأخبار مدني عباس مدني: جرد حساب أوّلي
آخر الأخبار - رأي - فبراير 11, 2021

مدني عباس مدني: جرد حساب أوّلي

قصي همرور :

(1)
ابتداء، نراجع السياق الحالي.
في بدايات الفترة الانتقالية، كنّا ضمن من قال إن من يقرأ الأوضاع في سودان ما بعد الإنقاذ، قراءة موضوعية وأعمق من السطح، يفهم أنه ما من سلطة ستأتي بعد نظام الإنقاذ/الكيزان، وإن كانت عالية التأهيل وكاملة السلطة لإحداث التغيير (أي ليست بنصف سلطة فحسب، كما الوضع الذي حصل) يمكنها أن تتجاوز قوانين الزمن وتغيّر أحوال البلاد في ظرف سنة أو سنتين. بل قلنا، إضافة لذلك، وقبل سقوط النظام البائد، إن أكثر شيء متوقّع (بما أننا في محاولة إعادة بناء دولة، وبداية من وضع أقل من الحد الأدنى لشرط استيفاء اسم “الدولة”) هو أن الأوضاع ستسوء أكثر في البداية، بعد السقوط، مع أمل أن تتحسن لاحقا، وهذا خط مفهوم في تاريخ الثورات في العصر الحديث. فالثورات تزيل طبقات متراكمة من الزيف، وتحدث خلخلة كبيرة في البنى القائمة، إذا لم تهدمها جملة، ثم هي تحتاج لزمن كيما ترمّم وتستبدل تلك البنى المهدومة أو الضعيفة ببنى جديدة. وذلك في أفضل سيناريوهات الثورات، أي حين تستطيع الثورة اقتلاع النظام السابق كاملا ثم الحيازة على سلطة شاملة لإحداث التغيير؛ أما في الحالة التي وصلت لها صيغة السلطة الانتقالية بعد الحراك الثوري منذ ديسمبر 2018، فهي سيناريو لا يمكن وصفه بأفضل سيناريوهات الثورة أصلا، بل يصح وصفه، كما وصفناه فعلا، بأنه نصف ثورة (وذلك يعني أنها لم تكتمل بعد، إنما حدث لها انحراف مسار detour يطيل المشوار قليلا، بيد أنه ليس من استمرار الثورة واكتمالها فكاك).
من هذا السياق، استخصلنا مسألتين منذ ما قبل دخول العام 2020، وما زلنا متمسكين بهما:
الخلاصة الأولى: أن أي عمل حقيقي وجاد في سبيل التغيير والتحسين، ما بعد إسقاط نظام الإنقاذ، لن يظهر بصورة ملموسة إلا بعد استيفاء شروط وقوانين الزمن. لا يمكن تحويل ركام 30 سنة من التخريب المستمر إلى العكس في ظرف أشهٌر؛ مهما تمنّينا فليس لدينا سند من التاريخ.
الخلاصة الثانية: أن الحراك الثوري أصلا لم يحقق طموحه الكامل من الناحية السياسية بعد، دع عنك أن يلتفت بكليته الآن لعملية البناء بعد هدم البنيان المتمايل، فالبنيان المتمايل لم يهدم كله بعد، بل وهو لا يسمح لعملية البناء أن تكون مركّزة.
في سبتمبر 2019، كما هو موثّق في صفحتنا بفيسبوك، ذكرنا أن أي حكومة مدنية انتقالية قادمة مصيرها الراجح أن الجماهير ستصاب بالإحباط منها، أيّا كانت، لأن هنالك هوّة بين التوقعات (المرتبطة بطموحات الثورة) وبين ما يقوله التاريخ (خاصة في أوضاع أنصاف الثورات). ويمكن القول إن تشخصينا لم يخب حتى الآن: بدأت الحكومة الانتقالية (المكوّن المدني تحديدا) بقبول جماهيري واسع نسبيا، وقدر ملحوظ من التفاؤل الجماهيري، وانتهى بها الأمر لما هو عليه الآن من الاستياء الواسع.
(2)
باعتبار السياق أعلاه، ندلف إلى قائمة موجزة لما اشتغل عليه مدني عباس مدني، مما يعرفه الكاتب ويشهد عليه (وليس كل ما اشتغل عليه)، منذ توليه منصب وزير الصناعة والتجارة في سبتمبر 2019 وحتى إعفائه من الوزارة في فبراير 2021:
– من الناحية القانونية، لم يكن هنالك قانون للصناعة، كما أن وزارة الصناعة كانت وما زالت ضعيفة ومعظم سلطاتها المتوقعة في السودان (إذا عقدنا مقارنة بالبلدان المجاورة) متوزعة على وزارات وهيئات أخرى، والحال ربما كان مختلفا نوعا ما في وزارة التجارة لكن في المحصلة غير مختلف كثيرا، فالنظام البائد كان مبتكِرا ومتفنّنا في تجريد عدد من الوزارات من أي سلطة تنفيذية أو تنسيقية حقيقية بحيث تصبح الحقيبة الوزارية ترضية عموما بينما يكون “الشغل” الحقيقي، ومراكز القرار الحقيقية، في مؤسسات وجهات ووزارات معدودة يُحكِم عليها “التنظيم” قبضته. وفق ذلك السياق، شرع الوزير مدني في عملية إصلاح هيكلي واسعة، استغرقت فترة غير قصيرة ولم تتم بعد، فابتدر مشاريع قوانين: للصناعة والتجارة والتعاون، ولسجل المصدّرين والمستوردين، كما تم في زمنه تفعيل لقانون أفضل لحماية المستهلك. مشاريع القوانين تلك اشتغل عليها الوزير عن طريق عملية نفير واسع لأصحاب المصلحة والخبرات، مع الالتزام بموجهات تحكمها المرحلة (فقد كان عليه مثلا أن يتعامل بحذر مع معاقل ومصالح متعددة، كثيرٌ منها كان ما زال متأثرا بأنماط النظام السابق ومتلوثا بسخائمه، إن لم نقل متواطئ معه). رغم ذلك، استطاع أن يصل بثلاثة قوانين إلى مرحلة إجازة مجلس الوزراء لها، بعد مراجعات جمة وجادة (ولم تصل بعض للإجازة الكاملة لأنه على المجلسين – السيادي والوزراء – أن يجيزا أي قانون كيما يتفعّل، وهذه القوانين جالسة من أشهر تنتظر تلك الإجازة النهائية، لأسباب غير مفهومة لنا حتى الآن).
– اهتمام مدني بالقطاع التعاوني لم يكن سطحيا، فهو سعى لتأسيسه تأسيسا مستداما، وهذا أمر يحتاج لعمل كثير ومتوسّع، لأن الحركة التعاونية السودانية من أكبر ضحايا النظام السابق كما أنها في الواقع لم تكن حسنة الحظ مع الأنظمة السابقة إلا قليلا، والآن وبعد عقود فإن الحركة التعاونية العالمية تقدمت خطوات كبيرة للأمام وعلى الحركة التعاونية في السودان اللحاق بها، الأمر الذي يستدعي إعادة تأسيس وليس مجرد ترويج عام. ونعرف أن اهتمام مدني بالقطاع التعاوني لم يكن سطحيا لأنه اشتغل عليه من قبل، ومن سنوات سبقت الحراك الثوري وسبقت الحقيبة الوزارية، فمدني كان نشطا في المجتمع المدني سابقا من ناحيتين: العمل الطوعي والمساهمة الفكرية في القضايا التنموية، وهذه مسائل مشهودة، فيمكن للبعض أن يختلف معه لكن لا يمكن أن ينكر مثلا أن لديه أوراقا ومساهمات، في محافل فكرية (مؤتمرات ومنتديات ووسائط نشر) تعكس خبرة واهتماما بقضايا التنمية الاقتصادية بالسودان. يمكن القول في هذه النقطة إن أول مرة التقيت فيها بمدني كانت في العام 2017، في منتدى حول مساعي التنمية في السودان، والتقينا بحيث كان كلانا مقدّما لورقة في ذلك الملتقى، وما أذكره أن ورقته كان لها صداها، (ولم نتحدث كثيرا خارج ذلك الإطار، فلم تنمُ بيننا صداقة مثلا). وفق ذلك، سعى مدني لاجتذاب عدد من ذوي الخبرة في التعاون والتعاونيات، كما اشتغل معهم على التفكير في سبل إحياء وترويج القطاع التعاوني، فتمخض ذلك العمل عن حركة تنويرية واسعة، ونقاش ديناميكي وحار، حول التعاونيات، وعن صياغة قانون جديد للتعاون فيه الكثير من خلاصة تجارب الحركة التعاونية العالمية (خاصة الحركات التعاونية الناجحة في المجتمعات النامية)، وعن ظهور ونشاط مبادرات ذات أثر مهم ولها علاقة بالتعاونيات مثل برنامج سلعتي (والذي ما زال في بداياته، والبدايات تملؤها العثرات عادة لكن رغم ذلك فله إنجازات ملموسة عند عدد غير قليل من السودانيين)، وعن ظهور مستوى عالي من الاهتمام الحقيقي بالتعاون ومدارسه وممارساته لدى شباب متحمس وجاد.
– اهتمام مدني بالتخطيط الاستراتيجي لمستقبل الصناعة، وفهمه لهذه القضايا المبني على اطّلاع، جعله يهتم بمسألة لم يهتم بها إلا عدد قليل من وزراء الصناعة في تاريخ السودان الحديث، وهي البحوث والدراسات من أجل وضع أسس لتنمية صناعية صاعدة على المدى المتوسط والبعيد (ومنها المسح الصناعي الشامل الذي اشتغل في بدايته كذلك). من بين وحدات كثيرة تابعة لوزير الصناعة أو له إشراف عليها، زار مدني مركز البحوث والاستشارات الصناعية بوتيرة واهتمام عاليين، فبعد فترة قصيرة من تسلمه تكاليف الوزارة زاره، ثم زاره مرة أخرى بعد تلك المرة بفترة قصيرة، وفي المرتين التقى بمنسوبي المركز وسمع منهم، ثم اتجه ناحية البحث عن سبل لتغيير الأوضاع فيه، وكانت إحدى مداخل ذلك العمل أن ينظر في مسألتين: جلب إدارة جديدة للمركز وتشكيل مجلس إدارة جديد له. في هذه النقطة قد لا يجد الكاتب مخرجا من التشكيك في حياديته، لكن سأكتفي فقط بالحقائق الموضوعية: قام مدني ومن معه (من الفريق الذي بدأ يتكوّن حوله، وهو خليط من ذوي الخبرة المخضرمين وذوي الحماس من الشباب المتطوّع غالبا، وذوي المهارات والخبرة في منتصف عمرهم المهني، المستعدون لتوظيف وقتهم وطاقتهم بصورة جادة لصالح العمل الكثير المطلوب من أجل مستقبل الصناعة والتجارة والتعاون في السودان)، قاموا بتفتيش وتجميع الكثير من السير المهنية/الذاتية، لخبرات سودانية داخل السودان وخارجه ذات علاقة بالتنمية الصناعية وفروعها، ثم فحص تلك السير الذاتية لاختيار ما يناسب منها في مواقع متعددة، ثم التواصل مع أصحاب تلك السير مرة أخرى لمحاولات الإقناع بتولّي مهام صعبة في ظروف صعبة وبدون أي فوائد مادية تُذكَر، من أجل مقاصد وغايات تستحق العمل من أجلها لأنها تثمر ولو بعد زمن. بعد ترتيب بعض التعيينات، اشتغل مدني مع جميع هؤلاء، بالدعم والمشورة والعون المستمر (قدر الإمكان، ورغم المحدوديات الكثيرة والموروثات السلبية المتراكمة). على سبيل المثال، دعم مدني عملية الإصلاح الهيكلي والموضعة الاستراتيجية لمركز البحوث والاستشارات الصناعية، ودعم مبادرات المركز في تدشين معاهد ومناشط ذات علاقة برفد الواقع الصناعي في السودان بداية من الأساسيات، ودعم مساعي مركز البحوث لاستعادة استقلاليته، كمنظمة موازية للدولة parastatal وينبغي لها أن تكون على مسافة من الحكومة ومن طاقم الحكومة حتى تحافظ على مصداقيتها وحتى تشتغل كناصح وناقد للحكومة نفسها إذا استدعى الأمر. يمكن القول إنه من الصعب جدا على وزير لا يعرف أهمية استقلالية البحوث واستقلالية مراكز البحوث أن يدعم إدارة مركز في سعيها لتقليل سلطة الوزير، وسلطة الحكومة ككل، على ذلك المركز، لكن مدني دعم ذلك الاتجاه، عملا وقولا، وحسب خبرتي المقدّرة مع أصحاب القرار في هذا الجزء من العالم (افريقيا والشرق الأوسط) فإن ما أظهره مدني من تفهّم ودعم لهذه المسألة دليل ملموس على تقدّميته وعلى جديّته.
– بصورة عامة، كانت نماذج الأعمال أعلاه استثمارات في المدى البعيد (والمتوسط)، وهي استثمارات لا يفعلها إلا شخص ينظر للمدى البعيد ولا ينحصر في المسائل ذات المردود السريع التي عادة ما يسيل لها لعاب ذوي المناصب السياسية رغم أنها قد لا تكون مستدامة أو لا تساعد في إحداث تغييرات ملموسة في الأوضاع مع الزمن. لكن أيضا، من ناحية محاولات حل المشاكل العاجلة، فقد شهدنا جانبا كبيرا من اجتهادات مدني في بحث حلول ومعالجات ممكنة، وابتدار بعضها وتحريكه والاستماع للاقتراحات المساعدة (مثل الشركة السودانية للسلع الاستهلاكية، وتفعيلها للمخابز الآلية التي تزيد من إنتاجية الخبز، ومثل تعاونه الملموس مع شركة الخرطوم للأمن الغذائي التابعة للولاية، ومثل تعاونه مع وزارات وإدارات الصناعة الولائية في سبيل تفعيل مصانع سلع محورية ومنتجات مهمة هناك)، كما شهدنا الكثير من خلط الأوراق الذي يحصل عن طريق افتراضات عامة، تنتشر انتشارا واسعا، وتجعل وزيرا بعينه مسؤولا عن قضية كبيرة في الشأن العام، بحيث يلقى عليه اللوم في الفشل الحاصل في تلك القضية، رغم أنها في الواقع قضية حكومة كاملة وليست وزارة واحدة أو اثنتين، ورغم أن الكثير من المشاكل حصلت في نطاقات ليس لوزير الصناعة والتجارة سلطة عليها ولا قدرة، بل إن الميراث الهيكلي والقانوني الذي سعى لتغييره يجعله من اقل الوزراء قدرة على إحداث أي تغييرات ملموسة في أحوال الناس المباشرة، بيد أن تغيير تلك الأوضاع يبدأ من المستوى الهيكلي والقانوني، ويأخذ زمنا ومحاط بمعوقات شتى، ثم إن الجماهير من الصعب عليها أن تصبر (وذلك مفهوم) كما من السهل أن يقال لها إن فلان هذا وفلان ذاك هم بالضبط المسؤولين من تدهور أوضاع الناس المعيشية، فتتجه جل طاقة غضبها وإحباطها تجاه فلان وفلان، ولا يحمي هؤلاء من حنق الناس بعد ذلك توضيح ولا تبرير (إلا أن يتحدث رأس الحكومة مثلا، ويدافع عن أعضاء طاقمه ويوضّح للناس، وهو ما لم يحدث إلا لمما في هذه الظروف).
(3)
السبيل الوحيد لأن لا تخطئ هو أن لا تفعل شيئا إطلاقا، خاصة في أوضاع ملؤها البلبلة والتوجس والإحباط، والغضب المشروع.
مدني أخطأ، في عدة أشياء، وهو نفسه أقرّ بذلك، لكنه من نواحي أخرى أصاب، وفي عدة أشياء، واستثمر وقتا وجهدا يظهر منهما الجدية والاستماتة في إحداث تغييرات مستدامة. وخطأ مدني، في هذا السياق، هو مستوى من الخطأ يعرفه ويختبره أصحاب المناصب الدستورية كافة، في البلدان النامية جُملةً، وفي ظروف سياسية واقتصادية قد تكون أفضل كثيرا من تلك التي وجد مدني نفسه فيها. وهذا ليس تبريرا للخطأ، إنما وضعٌ له في سياقه، فالحجة الكبيرة التي كانت تساق هنا أن أخطاء مدني كانت فادحة جدا وتدل على قلة حنكته واكتراثه، وهذا ما لا أتفق معه.
ومن الناحية الإعلامية، لمدني نصيب من اللوم على فشل الحكومة الانتقالية حتى الآن في التواصل الفعّال مع الجماهير وإمدادها بالمعلومات الوافية والتقليل من التذويق والتعامل مع الناس كقاصرين، لكن هذا الفشل هو فشل حكومة كاملة، بهيكل طاقمها الذي يبدأ من رأس الحكومة، وحلّه كذلك يستدعي كل ذلك الهيكل. أما من الناحية الخاصة، فمدني فعل الآتي: ظهر في اللقاءات الإعلامية كثيرا، وكتب وتواصل مع الناس عبر الوسائط مباشرة، وكانت صفحة وزارة الصناعة في فيسبوك نشطة إعلاميا بصورة غير شحيحة، وكان مكتبه مفتوحا للجميع وبصورة مشهودة (بدون مبالغة)، وتحرك كثيرا في أوساط أصحاب المصلحة ومناشطهم ووصلهم في أماكنهم وتخاطب معهم مباشرة. وقد حضرت شخصيا عدة مناسبات ولقاءات من ذلك الشكل معه، وحضرت في بعضها مخاطبات حادة لحقته من بعض الحضور، فتعامل معها بطريقة لا يمكن أن توصف بأقل من الانضباط والتفهم (وفي كثير من تلك الحالات، كان يوفّر لمن يهاجمه معلومات، وبأسلوب يجعل الغاضب يهدأ، بل في عدة مرات شهدت أناسا خففوا اتهاماتهم له، بعد النقاش، من سوء العمل إلى سوء الإعلام فحسب، وتلك طبعا نقلة كبيرة في الانطباع)؛ كما حضرت زحمة مكتبه الذي شهدت فيه كثيرا أناسا أتوا بدون سابق ميعاد ولا يعرفهم أحد في المكتب ويطلبون مقابلة الوزير، وما دام موجودا فهو يقابلهم. وهذا قد يقرأه البعض ويظنه عاديا، لكن “العادي” هنا يقاس بالسياق، فهذه الممارسة لم تكن ممارسة جميع الوزراء (ولا أتوقع أن تكون مع التشكيل الوزاري الجديد) كما أن من الواضح أنها لم تكن ممارسة وزراء الصناعة السابقين، فمدني هنا لم يواصل في عادة معروفة وإنما كسر العادة القديمة لصالح عادة جديدة أقرب للصحة وأقرب لفهم المنصب الدستوري كوظيفة رئيسها الشعب.
ثم هنالك مسألة مهمة جدا، لا يمكن تجاوزها في هذا السياق، وهي أنه بقدر ما كان هنالك جهد إعلامي من جانب وزارة الصناعة والتجارة، ومن جانب مدني، وإن كان غير كافيا، إلا أنه قد كان هنالك جهد إعلامي كبير، ومستمر ومثابر، في الاتجاه المعاكس، أي في مستوى الاخبار الزائفة fake news، بحيث أن أي صاحب وظيفة عامة يتم استقصاده بتلك الصورة لا يستطيع أن يوظف جهدا إعلاميا موازيا لذلك الجهد المعاكس، فلا وقته ولا موارده تسمح له بذلك، وإلا لترك أشغاله وركّز على الإعلام. وهذه الظاهرة يشتكي منها حتى بعض الشخصيات العامة في بلدان ومجتمعات لديهم فيها حركة إعلامية أوسع وموارد أكبر ويوظفونها جيدا، لكن رغم ذلك يشتكون من تراكم الإعلام المضاد وسرعة انتشاره وتحفيزه لتفاعل الناس. من ناحية أخرى، كثيرون منا يصعب عليهم الاعتراف بالتأثر السلبي بالأخبار الزائفة، رغم أننا جميها ضحايا محتملون لها، وهنا يكمن خطرها. كثيرا ما وجدت أخبارا غير صحيحة البتة، ثم هنالك تصحيح لها (أو الخبر الصحيح) منشور في نفس الوسيط، لكن الناس يتشاركون الخبر الزائف أكثر ويثير انزعاجهم وتفاعلهم ولعناتهم أكثر، بل إن بعضهم حين تظهر لهم حقيقة أن الخبر الذي أثار انزعاجهم غير صحيح لا يتراجعوا باختصار وإنما يغيّرون السردية بطريقة من الطرق بحيث يستعيدون توازنهم ويستمرون في مشروعية الهجوم على الشخص المعني.
(4)
في أوضاع الإحباط، والغضب، ليس مستغربا أن يكون هنالك سخط ولوم مباشر وحاد على عدد من الشخصيات العامة، وكثيرا ما يكون هذا اللوم محقا، فليس كل الشخصيات العامة مبرأة من استحقاق اللوم (بل بعضها أسوأ من مستوى اللوم).
لكن، هنالك أحيانا حاجة لتقديم شهادة للتاريخ، تمضي عكس الاتجاه ذو الشعبية الغالبة، وعكس الكثير مما يقوله ويتبناه أناسٌ في الدوائر المقرّبة لأحدنا، بحيث أنه حين يقول ذلك الكلام يصبح هو أيضا عرضة لصب شيء من الإحباط والغضب عليه. هنا قد يغلب إيثار السلامة، أو التشكيك في ما رأته العين، لصالح التماهي مع الرأي الغالب. لكن هذا لا يجدي، لا للتاريخ ولا لأولوية الصدق.
أول مرة التقيت فيها بمدني، بعد توليه منصبه، قلت له إننا الاثنين نعرف أن بيننا اختلافات، وبيننا تقييم مختلف لما جرى في الأشهر الماضية التي سبقت لقاءنا، وأن هذا الاختلاف سيستمر في الغالب، حتى حين أو إلى الأبد، لكن ذلك الاختلاف ليس في المستوى الذي يمنع كلينا من العمل مع الآخر وفق مساعي نتفق على أهميتها للمجتمع والدولة. وكنت قد كتبت كذلك مسبقا أني من السودانيين الذين لن يحردوا الدولة لصالح الحكومة، فالدولة ملك الناس لا ملك الحكومة (وهو أمرٌ ظللت أقوله منذ سنوات وليس جديدا)، فاعتراضهم على الحكومة لن يمنعهم من العمل في القطاع العام من أجل مصالح تتجاوز الحكومة، ما دام ذلك ممكنا ومعقولا نسبيّا، كما أني أعرف عنه ما يكفي (منذ قبل الوزارة وقبل الحراك الثوري نفسه) لأثق في مقاصده ونزاهته وإن اختلفنا في مسائل قد لا يملك أحدنا رؤية جازمة وعصامية بشأنها.
وبعد بداية العمل، والاستغراق في العمل، لم يتغيّر رأيي بشأن أي شيء كتبته عن أوضاع السلطة الانتقالية منذ ما قبل مارس 2020، بل تأكد عندي أكثر، بيد أن نظرتي لبعض المسائل والأشخاص تغيّرت، بحكم التجربة، ومن تلك التجربة أن احترامي لمدني، وتقديري لصعوبة ما قام به وما احتمله، زاد. اشترطت على مدني شروطا، قبل قبول المهام، أشهد أنه أوفى بها (وهي شروط تعلّقت أصلا باحترازي من خلط العمل في القطاع العام بأي شبهة تأييد لأوضاع السلطة الانتقالية)، ورغم بقائنا في مستوى الصراحة وعدم المجاملة إلا أنه قد نمت بيننا صداقة أعتز بها، لأنها نمت من واقع ملموس من العمل المشترك واختبار معادن بعضنا بعضا.
في الأشهُر الماضية، لم أكتب عن مدني قط، في العلن، رغم كل ما ووجه به مما أراه ظلما، إذ كان هنالك حابس العلاقة الهيكلية الوظيفية، باعتباره الوزير صاحب الإشراف النسبي على مركز البحوث والاستشارات الصناعية (حسب القانون الفاعل منذ 1981 والمتوفّر للاطلاع العام بموقع المركز)، حتى لا يكون في ما أقوله شبهة تضارب مصالح (وإن كنت لا أدري ما هي تلك “المصالح”، فكل ما هنالك حاليا تكليفٌ لا تشريف). أما الآن وقد انتفت تلك العلاقة الهيكلية، ولم تعد هنالك شبهة مصلحة ولا أي مردود إيجابي يمكن أن يعود من قول ما قلته أعلاه، بل ربما يعود علي بما لا أستطيب، فرأيت أن أخط ما خططته أعلاه.
في الأثر يقال “ليس من رأى كمن سمع”، و”ما غادر من الجهل شيئا من ترك يقين ما عنده إلى ظن ما عند غيره.” حسب ما شهدته بنفسي، وما اختبرته مهنيّا وموضوعيا، فإن مدني عباس مدني أدى مهامه بصورة تليق بشخص أتى للوزارة كنتيجة لحراك ثوري مهْره التضحية والتجرّد. رأيت مدني وهو محاصر ويعمل بشتى السبل المتاحة له لجلب شيء إيجابي في أوضاع موروثة غاية السوء، وشهدت، كما شهد آخرون، كيف أنفق جل طاقته ووقته وموارده من أجل المهام الكثيرة المطلوبة، وبدون أي امتيازات مادية لطالما ارتبطت بمثل هذه المناصب لكنها ليست كذلك في هذه الظروف الاستثنائية. وحيث أن الحملة الاعلامية ضده لم يكن لديها أي خط أحمر، صار لزاما علينا أن نوثّق جانبا مهما من سيرة هذه الأيام، ونوثّقه في هذا الوقت بالتحديد

‫شاهد أيضًا‬

الي وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي

بروفيسور نبيل حامد حسن بشير : الكل يعلم عن الدمار الذي الم بكل الجامعات السودانية والتعليم…