‫الرئيسية‬ آخر الأخبار ثقافة الفقر أم فقر الثقافة: في فهم و تغيير المجتمعات
آخر الأخبار - رأي - فبراير 14, 2021

ثقافة الفقر أم فقر الثقافة: في فهم و تغيير المجتمعات

بكري الجاك :

نظرية ثقافة الفقر تقول بأن الفقر هو نتاج للقيم و التقاليد و الثقافية السائدة أي أن الناس الذين يعيشون في فقر مدقع تتطور لديهم منظومة قيم تختلف عن بقية المجتمع، وجوهر نظرية الفقر يشير الي أن الفرد يتعلم الكثير من القيم الاساسية في البيئة و الاسرة التي يترعرع فيها وتشكل هذه البيئة خيال الفرد ووعيه بالخيارات التي تتيحها له الحياة، و مع مرور الوقت يتم توطين هذه القيم في نفوس الافراد وهذا يعني أن الافراد الذين ترعرعوا في بيئة فقيرة من المحتمل أن يظلو فقراء . ليس بنا الحاجة الي القول أن هذا التفسير الحتمي لمآلات الناس في الحياة بحكم النشأة وبغض النظر عن مدي صحته يغلق الباب أمام فرص انتشال الناس من آتون الفقر والضنك، و لكن بنفس القدر فأن حجة ثقافة الفقر تقول أن تغيير أحوال الناس يتطلب تغيير طرائق تفكيرهم و تصوراتهم عن العالم و رؤيتهم لأنفسهم وقيمة ذواتهم و استحقاقها كمدخل لتغيير مصائرهم، هذه هي الجدلية التي ظلت تشغل الباحثون في مجالات الاقتصاد السياسي و الانثروبولوجيا و علم الاجتماع المهتمين بداراسات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية.

في خمسينيات و ستينيات القرن المنصرم تصدي عالم الانثروبولوجيا أوسكار لويس Oscar Lewis الي دراسة أحوال الفقراء في المكسيك وبورتريكو، و كان هدف دراسته هو معرفة ما اذا كان هنالك خصائص ثقافية ذات أبعاد سلوكية تميز الناس الذي يقبعون في فقر مدقع يمتد عبر الاجيال. لاحقا جادل لويس في كتاباته أن الاطفال الذي يولدون في ظروف فقر قاهرة كما في حواري و عشوائيات المدن علي سبيل المثال سينشأون علي اعتقادات يقينية أن لا أمل لهم في حياة أفضل، اذ يصبح الاحباط وعدم الثقة في المستقبل هو ما يشكل مخيالهم الاجتماعي، وهذا الاعتقاد سينتهي بهؤلاء الاطفال في عدم القدرة علي توظيف الفرص التي قد تتاح لديهم في الحياة. هذه الظاهرة هي نتاج الظروف التي ترعرع فيها هؤلاء الاطفال وهو ما يؤثر علي اعتقاد الفرد بأنه لا يستحق اي شيء افضل مما قام عليه وما رأي الاخرين عليه و هذا السلوك تجاه الذات و الحياة يحجب الأفراد من الوعي بوجود فرص لتغيير أنماط حياتهم حتي حين تتوفر هذه الفرص.

و في عام 1965 أصدر السيناتور الامريكي عن ولاية نيويورك دانيل باتريك مونيهان Daniel Patrick Moynihan تقريره الذي عرف ب تقرير مونيهان Moynihan Report، حيث كان لهذا التقرير تأثير كبير يصعب قياس حجمه في الدوائر الاكاديمية و السياسية علي السواء بل ما زالت آثاره مستمرة الي يومنا هذا. الهدف الاساسي من التقرير كان محاولة تفسير أسباب فقر المواطنين الامريكيين من أصول افريقية مقارنة بالبيض من أصول أوروبية، و خلاصة حجج مونيهان أن سبب فقر السود بالذات في المدن هو أن معظم أسر السود تقودها امهات بلا أزواج، أي ما يعرف بظاهرة ال Single Mothers ، و هذا يعني، وفقا لمونيهان، أنه حتي اذا تغيرت البنيات التي تتحكم في توزيع الفرص الاقتصادية و الاجتماعية من تعليم و توظيف للمواطنين السود فمن الغالب أن يبقوا في حالة فقرهم نتيجة للقيم التي يحملونها ويعتقدون فيها عن ذواتهم و تشكل رؤيتهم للعالم. يجب أن نذكر أن هذا التقرير صدر في خضم عنفوان حركة الحقوق المدنية التي تدين الممارسات التاريخية (مثل الرق و التمييز العنصري و القتل خارج اطار القانون الذي كانت ترعاه الدولة بسلطة القانون) كسبب لتخلف السود، و تدعو حركة الحقوق المدنية الي تدخلات الدولة لمعالجة مخلفات هذه المظالم. فمثل حجج تقرير مونيهان ستكون بمثابة حكم البراءة لهذا التاريخ و هذه الممارسات لأن التقرير يعزي فقر السود لسلوكهم و ثقافتهم هذا من ناحية الجدل السياسي أما من ناحية الجدل الاكاديمي فهذه الحجج فتحت صراعا معرفيا عميقا عن علاقة البينة structure بال الثقافة culture ، و بدون تعقيد الشروع في الاجابة علي سؤال أيهما سابق للآخر، هل العبودية و العنصرية و العزل الاجتماعي و غياب الفرص الاقتصادية هي التي خلقت الفقر في الاساس الذي أمتد لأجيال و لاحقا صار له قيم و ثقافة و تقاليد أم هذه الثقافة هي التي تخلق الفقر؟ و كالعادة في مثل هذه الامور قامت مدارس فلسفية حول محوري الجدل و المدرسة الغالبة هي أن كليهما سبب لاستمرار الفقر، وهنالك بعض البحاثة الذين حاولوا التمييز بين البنية و الثقافة في تفسير أسباب الفقر الممتد عبر أجيال.

ويليام جولياس ويلسون William Julius Wilson ، البروفسر و عالم النفس الاجتماعي في جامعة هارفارد، في كتابه More than Just Race: Being Black and Poor in the Inner City الذي يمكن ترجمة عنوانه ب اكثر من العرق: أن تكون اسود و فقير في وسط المدينة، جادل أنه يمكن اخيرا التمييز بين تأثير البنية متمثلة في فرص السكن و التعليم و العمل و غيرها من سبل الترقي الاجتماعي و بين الثقافة كتصورات عن الحياة و تتجلي في اختيارت شكل و طبيعة الاسرة و كيفية الكلام و اللبس وقيمة الذات في تفسير أسباب استمرار فقر السود حتي و بعد مرور نصف قرن من حركة الحقوق المدنية. في عام 2010 زار بروفيسر ويلسون جامعة ديلاور للترويج لكتابه المذكور اعلاه، أصر أحد استاذتي ابان دراستي للدكتوراة في نفس الجامعة والذي كان علي معرفة و اعجاب ببروفسر ويلسون علينا للذهاب الي لقائه و طلب منا الجلوس في الصف الامامي و قد فعلنا، و بعد استماعي لتقديمه عن كتابه و لم اكن قد اطلعت عليه بالكامل بعد الا أن شلاقتي التي ورثتها من سودانيتي لم تسعفني من عدم السؤال حين طلب منا المشاركة حيث سألت وفقا لما توفر لي من معارف حينها : كيف تفرق بين البنية و الثقافة يا بروف؟ فنظر الي بشيء من الازدراء وكأنه يقول يا لهذا الساذج و أجاب هل قرأت الكتاب؟ اذا لم تفعل فأفعل و يمكنك مراسلتي. و بالفعل قمت بقراءة الكتاب و بمراسلته، و بعدها بأشهر أستخدمت الكتاب كواحد من الكتب التي علي الطلاب قراءتها في تدريسي لكورس عن المشاكل البنيوية التي تقعد بالسود في امريكا: مدخل تحليل سياساتي، و كاتبته حينها بأنني ما زلت أري أن محاولة الفصل بين البنية و الثقافة في الأمثلة التي قدمها أقرب الي جدل البيضة و الدجاجة. فأسباب استمرار ثلاثة أو اربعة أجيال من السود و اللاتينين في الفقر قد يمكن تفسيرها و ربطها بظاهرة الحمل المبكر للجدة و الأم و الحفيدة اذ ان الجدة انجبت و هي في سن 14 و كذلك فعلت الابنة ومن بعدها فعلت الحفيدة و عليه هنالك ملايين الأسر الفقيرة التي بها جدة في عمر 42 سنة و الجميع يقطنون في نفس البيت و في نفس حالة الفقر الذي تربت عليها الجدة، و علي ذلك يمكن قياس العديد من السلوكيات من لبس و طريقة كلام و تصورات عن العالم وهذا حسب ويلسون هو ما يعيق الرجال السود في المدن من العمل في قطاعات خدمية تتطلب قدرات اجتماعية أو ما يعرف بال soft skills مثل مهارات التواصل و الابتسام و اللطف كنتيجة لتراجع القطاع الصناعي في امريكا و صعود القطاع الخدمي الذي يشكل حوالي 82 في المئة من الاقتصاد. و حسب حجة بروفسر ويلسون أن هذه العوامل الثقافية تقف عائقا أمام السود في الحصول علي عمل لأنهم لا يملكون القدرات المطلوبة في سوق العمل الحالي، و لم أتوقف عن التفكير في أن ما خلق هذه الثقافة في الاساس هو العبودية و العنصرية و العزل الاجتماعي فكيف لنا أن نكتفي بقول أن هنالك اسباب ذاتية للفقراء للبقاء في آتون الفقر، أو هكذا استمر الجدل في ذهني.

في عام 2012 صدر كتاب Poor Economics: A Radical Rethinking of the Way to Fight Global Poverty أو ما يمكن ترجمته ب “فقر الاقتصاد: طريقة راديكالية لاعادة التفكير في طرق محاربة الفقر حول العالم للكاتبين ابيجيتي بانيرجي و اشتر دوفلو Abhijit Bnerjee and Esther Duflo الذين فازا بجائزة نوبل للاقتصاد في عام 2019 و كان ذلك الكتاب نتاج احدي البحوث التي حاولت تفسير سلوك الفقراء بعيدا عن التنميط عبر تصميم دراسات قائمة علي منهج امبريكال (تطبيقي) يقوم علي المقارنة العشوائية بين مجموعتين Randomized Control Trails للتأكد من الاساليب الاكثر فعالية في محاربة الفقر من خلال فهم الدوافع التي تقف خلف سلوك الفقراء، وهذه الدراسات كانت سببا في فوزهما بالجائزة لاحقا. علي سبيل المثال فان السبب في انجاب الفقراء للعديد من الاطفال ليس هو الجهل أو عدم الرغبة في استخدام وسائل منع الحمل كما يكتب في تقارير المنظمات الدولية و شركائها المحليين من المتعجلين، بل أن الفقراء يلجأون الي الاكثار من الانجاب لعدة أسباب من بينها: أن المواليد (خصوصا الذكور) هم الضمان الاجتماعي في بلدان ليس بها معاش او ضمان حين يصل الابوين مرحلة عدم القدرة علي الانتاج، أن الابناء و البنات يتم الاعتماد عليهم في الحقل وفي غيره كأيدي عاملة، أن الانجاب هو من مصادر السعادة القليلة المتوفرة لمن يكابد الفقر جل حياته و هو ما يعطي النساء تحديدا الاحساس بالقيمة الاجتماعية من خلال المساهمة بالانجاب خصوصا ان بعض المواليد سيموتون دون سن الخامسة لفقر الخدمات الصحية، و اخيرا حين لا تتوفر وسائل ترفيه من تلفزيونات و سينما و غيرها من ملاهي الحياة لابد أن ينشغل الانسان بمتع الحياة السريرية القليلة المتاحة.

خلاصة القول أن تغيير سوك الناس ليتواءم مع التوجهات التنموية للدولة هو أمر ممكن لكنه لا يتاتي هكذا كمحض أمنيات انما يتطلب فهم القوالب الذهنية التي تجعل الناس يسلكون سلوك بعينه في وسط قلة من الخيارات. التجربة الانسانية علمتنا أنه قل ما يفعل الناس اشياء بلا أسباب أو دوافع حتي و ان كانت غير موضوعية للناظرين من خارج السياق، لذلك فان كنا راغبين في احداث تغيير اجتماعي جذري من شاكلة توطين ثقافة النظافة في الاماكن العامة وتوطين مبدأ تنظيم الاسرة و انهاء كافة اشكال القهر الاجتماعي من تمييز ضد النساء فلابد لنا أن نفهم لما يفعل الناس ما يفعلون . قد تكون المسألة واضحة لنا منطقيا فكلما قل عدد الاطفال في الاسرة كلما كان لاطفالها فرص أفضل في التعليم و الحياة، ولكن ان لم نفهم دوافع و مسببات الناس فسننتهي الي التأفف و التعالي علي الواقع كمستشرقين أصلاء، و لا يمكن لمن لا يفهم الواقع أن يقوم ببناء دولة و رسم سياسات تنموية تؤطر لحياة أفضل للجميع، في مقالنا القادم سنتناول تجربة دولة فعلت ذلك بقرارات سياسية استراتيجية، ان تغيير الواقع يتطلب فهمه و تفسيره وهذا ، ضمن اشياء اخري، من واجبات الساعة.

الديمقراطي

‫شاهد أيضًا‬

الي وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي

بروفيسور نبيل حامد حسن بشير : الكل يعلم عن الدمار الذي الم بكل الجامعات السودانية والتعليم…