‫الرئيسية‬ آخر الأخبار التحليل الطبقي في السودان: الخطوة الأولى للتعرف إلى الذات
آخر الأخبار - رأي - فبراير 19, 2021

التحليل الطبقي في السودان: الخطوة الأولى للتعرف إلى الذات

قصي همرور :

السودان بحاجة إلى المزيد من التحليل الطبقي، وليس أي تحليل، إنما ذلك الذي يشبه ما قام به أملكار كابرال عن المجتمع الغيني (غينيا بيساو)، أي التحليل الذي يوضّح المعالم العامة للفئات السودانية ومكانها في سديم علاقات الإنتاج الاقتصادي-اجتماعي، وذلك للمزيد من تمييز المستفيدين من الأوضاع القائمة وأدواتهم في محاولة الحفاظ عليها وتمييز الخاسرين ومداخل استنفارهم للعمل نحو التغيير. لدينا من هذا التحليل حاليا ذخيرة جيدة، لكن نحتاج للمزيد منه.
2- أصحاب الامتيازات في السودان بحاجة لأن يصطفوا في معسكرين، لا خلط بينهما ولا ميوعة، ولا ثالث: المستعدون لخسارة امتيازاتهم من أجل أن يكسب المجتمع (اختيار العبور الضميري، أو الانتحار الطبقي)، من ناحية، والذين يرون أن مصالحهم الشخصية ومصالح المجتمع عموما متوائمة، من ناحية. المعسكر الأول عليه أن يفعل كما يقول ويفكّر، وينخرط في عملية التغيير التي تجعله يخسر امتيازاته (أو لنقل جانبا كبيرا منها، فبعض الامتيازات المعاصرة لا يمكن خسارتها بعد اكتسابها) من أجل أن يكسب المجتمع ككل، والمعسكر الثاني عليه أن يكون واضحا في ترويجه لصورة من الدولة السودانية التي تلائم دوام وازدهار مصالحه.
هذا ما سميناه سابقا بتمايز الصفوف، وهو مهم حتى تتحرك تروس التاريخ، فالتداخلات الزائفة والكسولة تعطّل تلك التروس (إذ تجعل تلك التروس محبوسة locked تعطّل حركة بعضها بعضا وتبقى ماكينة التاريخ متكلّسة أو تكرر نفسها في دائرة مغلقة، كما هو الحال منذ بدايات سودان ما بعد الاستعمار).
ويصحب ذلك التمايز استيضاح للأولويات، والتمييز بين العمل الداخلي والخارجي، كما التمييز بين العمل لمصلحة الدولة (المجال الجيوسياسي الذي يضم الجميع) مقابل العمل لمصلحة الحكومة (السلطة السياسية المعبّرة عن مصالح أصحاب النفوذ)؛ ذلك لأن الدولة نفسها هي ميدان الصراع بين الفئات الاجتماعية، وهي المساحة التي تحاول كل فئة أن تجد فيها مواضع قدم قوية وواسعة، لأن المكاسب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المجتمع المعاصر تتنزّل على الناس عبر قنوات الدولة (خدماتها، مؤسساتها، ثرواتها، قوانينها، إلخ) بحيث يغدو من غير المنطقي ترك ميدان الصراع نفسه للحكومة كنوع من “الحردان” بينما الصراع محتدم. بطبيعة الحال هنالك بعض الحالات التي لا مجال فيها لتحقيق الكثير في هذا الشأن (مثل حالات الفاشية التي يصبح فيها التحالف الممسك بالسلطة نباتا متسلّقا يغطي كل الدولة ويصبغها بصبغته، فحينئذ يتوجّب اقتلاع النبات المتسلق كخطوة نحو استعادة الدولة، وذلك شبيه بما جرى مع النظام البائد).
في أحد أحاديثه عن الدولة، من منظور أناركي، تحدث نعوم تشومسكي عن أنه حتى الأناركيين (وهم المعارضون لمؤسسة الدولة نفسها) لا يصح لهم أن ينسحبوا من أي ميدان ممكن في الدولة يتيح لهم الدفع بأجندتهم الأساسية، والمرتبطة عموما برفد العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتجذيرها وتوسعتها، وكذلك فضح السلطة نفسها. لأجل ذلك يدعم تشومسكي الحركات الاجتماعية والمساعي البحثية/الأكاديمية التي يرتبط عملها الراهن بتصوّر مستقبل أفضل من الحاضر ومحاولة تنزيل ما يمكن تنزيله منه في هذا الحاضر، وإن كانت تلك الحركات والمساعي تعمل من داخل ميدان الدولة ومؤسساتها (مؤسسات القطاع العام). في ذلك قيل أيضا إن ما لا يبدأ العمل نحوه الآن لا يظهر مستقبلا فجأة، وإن ظهر فجأة فهو مظنة هشاشة، إذ أن الشجرة القوية، الكبيرة، تحتاج لجذور سابقة تحت الأرض تسند حضورها فوق الأرض. نعود لأملكار كابرال مرة أخرى هنا، فمما ذكره عنه مدوّنو سيرته أنه كان حريصا على إبقاء علاقات دبلوماسية جيدة حتى مع جهات لا يتفق معها سياسيا ولكنها لا تعمل مباشرة ضد النضال الثوري لحركات التحرر الوطنية، وقد استفاد من تلك العلاقات الدبلوماسية بصورة دعمت موقف حركته لوجستيا وإعلاميا، وبدون أن يتنازل عن أي مبدأ أساسي من مبادئ الحراك الثوري الذي انضوى تحته. كذلك، من القصص المعروفة أن فيدل كاسترو وجوليوس نيريري، وهما في خضم إجراءات تحويل دولتيهما ناحية الاشتراكية ومحاربة الامبريالية، أبقيا على علاقات دبلوماسية جيدة مع كندا، إذ كانت كندا تنأى بنفسها عن التدخّل السياسي أو العسكري المباشر في صالح المعسكر الامبريالي (رغم أنها دولة رأسمالية كاملة الدسم وذات حكومات منطبعة بذلك الطابع عموما). وفي “سعاة افريقيا” ذكرنا نموذجا تاريخيا غريبا من تحالف شخصيات متباينة جدا في مواقفها السياسية – نْكروما، ونيريري، وهيلاسلاسي – وعملهم معا في مساعي الوحدة الافريقية وتحرير ما تبقى من البلاد الافريقية التي كانت تحت سلطات استعمارية (أو استعمارية-استيطانية).
التفكير الثوري، والعمل المصاحب له والمبني عليه (البراكسِسparxis )، ليس انفعالا صاخبا أو رافضا فحسب، بل هو كذلك تخطيط استراتيجي، وزرع لبذور لا تثمر إلا عبر الزمن وشروط التربة الخصبة، وصبرٌ على أحوال وأوضاع عمل غير مُرضية لكنها بدايات ممكنة. وفي هذه العملية هنالك الكثير من التعلّم والتعليم، والخطأ ومراجعة الخطأ، ورسم الخرائط الكبيرة ثم مراجعة تفاصيلها وإحداثياتها مع كل تطوّرات وكل معلومات إضافية.
ثم إننا نكاد لا نعرف، بعد، تغييرا اجتماعيا ناجحا لم تسبقه محاولات فاشلة عدة في نفس اتجاهه. في شرعة التاريخ إنما الفشل تراكم خبرة وذخيرة معرفية للتجارب القادمة. حتى حين نخسر اليوم، ما دام عملنا فيه بذرة تغيير نوعي فنحن نزيد من فرص انتصار القضايا الخاسرة غدا.
أيّا كان العمل الذي نعمله اليوم، ما دام يستقى طاقته من منبع أكبر منّا، وأكبر من سياقنا التاريخي الضيق ومصالحنا الآنية الضيقة، فهو يضيف إلى الصورة الكبيرة، والحكم الحقيقي عليه يظهر مع التاريخ وليس آنيا. والتاريخ في حالة مراجعة دائمة لمسلّمات الماضي وخلاصاته، وفي حالة إعادة ترتيب دائمة للشخصيات ذات التأثير الحقيقي، واسع المدى، من ناحية، والشخصيات ذات التأثير اللحظي والشعبية والنفوذ الموضعي من ناحية أخرى. الصورة الكبيرة تقول إن التاريخ يصنعه العنيدون (أي يصنعون محطاته ونقلاته الكبرى): أولئك الذين يتوصّلون لخلاصات فهم أساسية من استيعابهم وتجربتهم، ثم يُخلِصون لذلك الفهم ويعملون من أجله مهما كانت العقبات، ومهما كانت انطباعات الآخرين، ومهما كانت صور التشويه والتكالب التي تمر بهم، ومهما كانت التضحيات، بل وكذلك مهما وجدوا من تبدلات الحلفاء وشماتة الأعداء:
إنّا إذا عضّ الثّقافُ برأس صعدتنا لَويْنا،
نحمي حقيقتنا، وبعض الناسِ يسقط بينَ بينا.

‫شاهد أيضًا‬

المغتربون جاهزون

شاكر سليمان حسين .. أبوبلسم : هى خطوتان لا ثالث لهما ، أولهما رغم التباين حول تداعياتها يل…