‫الرئيسية‬ آخر الأخبار في صعوبة الاقتصاد
آخر الأخبار - رأي - مارس 30, 2021

في صعوبة الاقتصاد

د. معتصم اقرع :

تتجلي صعوبة الاقتصاد في ان مراجعه الاهم لا تقدم إجابات ثابتة حول السياسات التي يجب تبنيها بالضبط لحل مشكلة معينة.

فمثلا في مجال الطب يعالج الطبيب، إلى حد كبير، المرض، مثل السرطان أو السكري ، بنفس الطريقة تقريبا في كل مكان سواء ان كان سياتل ام كلكتا ام انجمينا, اخذا في الاعتبار فقط صحة المريض العامة التي تختلف بين مريض واخر في نفس المدينة.

ولكن في الاقتصاد تعتمد الوصفة الصحيحة على العديد من العوامل التي تتغير وفقًا للزمان والمكان، ويمكن أن تكون بعض هذه العوامل سياسية أو ثقافية أو مؤسسية أو جيوسياسية أو تاريخية أو يمكن أن تكون متعلقة بالطبيعة المحددة والفريدة للأسواق في البلد المعين والعلاقات المتبادلة بين قطاعات الاقتصاد المختلفة.

ويحتاج تصميم السياسة الصحيحة إلى فهم عميق لكل هذه الأبعاد ويحتاج ايضا الي الوعي بان أي حزمة سياسات لها فوائد ولها تكاليف لذلك فان توزيع الثمار والاثار السالبة علي طبقات المجتمع المختلفة قضية ليست هامشية لذلك لا يمكن اغفالها.

لذلك فإن الإجابة الصحيحة علي أي سؤال اقتصادي أو حول صحة أي وصفة هي ان الامر يعتمد (it depends). يمكن أن تكون الحزمة السياسية نفسها معقولة في بلد ما ولكنها قد تكون كارثية في بلد آخر. أو حتى في نفس البلد يمكن أن تكون الحزمة جيدة في وقت ما، اعتمادًا على معطيات سياق كامل, متكامل, ولكنها يمكن أن تكون سمًا في سياق مختلف.

وقد فهم صانعو السياسة الصينيون هذه التعقيدات بمهارة، ولم يتبعوا أي نصيحة تستند إلى تجارب دول أخرى، كما أنهم رفضوا بعض السياسات وتجنبوها في الثمانينيات ولكنهم في وقت لاحق تبنوها في التسعينيات أو بعد استيفاء شروط معينة وحسب مؤشرات كمية وتحليلية يعرفونها جيدا.

لكن أيضا فان أهم أسباب صعوبة وغموض وتعقيد الاقتصاد تتعلق بان أن خطابه هو مزيج من المصالح والمعرفة الموثوقة وليس من السهل الفرز و تحديد اين يقف العلم وتبدا المصالح. ومن الصعب علي الكثيرين الحكم علي سياسة ما تم طرحها وتحديد ان كانت صممت عن معرفة صادقة ام دفاعا خفيا عن مصالح طبقية داخلية او معولمة.

في هذا الكون من يمتلكون كل شيء، ويملكون الثروة العالمية والوطنية يظل هدفهم الأول هو إدامة امتيازاتهم الثروية.

وأهم وسيلة لحماية الثروة العظيمة هو التحكم في الفكر الاقتصادي وفي كيف يقارب الرأي العام قضاياه لذلك فانه في عصر الرأسمالية يقوم خبراء الاقتصاد المتحالف مع السلطة مقام الكهنة في العصور السابقة دورهم يتلخص في تبرير اللامساواة واعادة انتاجها (ناس حسام ديل لاهوت التحرير ).

وتهيمن السلطة والثروةعلي الفكر الاقتصادي عبر رجالها في الجامعات ووسائل الإعلام وعن طريق مكافأة الاقتصاديين الذين يروجون لسياسات تخدم المصالح المالية ويصحب ذلك تهميش من يجرؤ منهم على التشكيك في الصرح النظري الذي يحمي الأثرياء تحت غلاف علمية زائفة.

بهذا المعنى ، فإن العديد من الاقتصاديين، إن لم يكن معظمهم ، بوعي أو بغيره ، هم في الواقع محامون في خدمة الأغنياء والأقوياء. وهؤلاء قوم أذكياء ويتقاضون أجورًا محترمة ومكافآت مميزة عن خدماتهم الكهنوتية. لذا فقد تمكنوا إلى حد كبير من غسيل مخ واسع النطاق وتلقين فعال لجيوش من المنتفعين وديوك المسلمية وأضافوا الي ذلك تشويه سمعة أفكار منافسة نبيلة ولكنها تهدد مصالح الأثرياء وتحد من هيمتهم بمراعاة حقوق الغالبية.

أيضًا تفسر غواية السلطة وارباحها السهولة المذهلة التي يغير بها الكثير, بما في ذلك البرجوازية التقدمية والفاقد اليساري, مواقعهم بمجرد انتقالهم من معسكر المعارضة إلى كرسي الحكم

لذلك صار من الصعب للغاية التمييز بين التحليل والتوصيف الاقتصادي المعرفي الخالص من ناحية ، وبين الأفكار الماكرة التي يروج لها محامو الأثرياء تحت عباية الفكر الاقتصادي.

نظرًا لأن الاقتصاد كنظرية, وممارسة تضع السياسات أو تعلق عليها, يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمصالح المالية العظيمة, الداخلية والخارجية, وبمصيرها السياسي, فإنه من المضحك بلا متعة الحديث عنه باعتباره علمًا بحتًا و محايدًا (خالي ايديلوجيا) مثل الفيزياء لان ذلك يخطئ الهدف بهامش واسع ومتسع.

‫شاهد أيضًا‬

حكومة تكيل الثناء علي عراب تفكك في ميراثه

د. معتصم اقرع : عبدالرحيم حمدي عراب الإنقاذ الاقتصادي ومؤسس رب رب كتوجه رسمي للدولة حتى ان…