‫الرئيسية‬ آخر الأخبار دور الدولة في تقنين العنف ضد النساء: حالة زواج القاصرات في السودان
آخر الأخبار - رأي - أبريل 1, 2021

دور الدولة في تقنين العنف ضد النساء: حالة زواج القاصرات في السودان

د. اميرة احمد :

في عام 2018 ، أصدرت المحكمة حكم بالإعدام على نورا حسين البالغة من العمر 19 عامًا بتهمة قتل زوجها الذي يكبرها بأعوام عديدة والذي أرغمت علي الزواج منه وهي بعد في عمر الخامسة عشر. وصدر الحكم بعد إتهام نورا بقتل زوجها عند محاولته لإغتصابها، وهو حكم تم نقضه لاحقًا بعد ضغوط وانتقادات دولية مكثفة .

إسم نورا هو إسم محبب ورائج علي مر الأجيال في السودان ، وقد ناجي الشاعر الباهي محمد الحسن سالم حميد “نورته”في عدة مناسبات، تارة ليبرز مجدها وعظمتها حين قال “شايلة طولة البال من الله”، وأخري متحسرا علي ضنك الحال قائلاً “آه .. يا نورا آه” في رمزية للأم البلد الوطن السودان.

نورا هذه المرة كانت فتاة في عمر الزهور، فتاة صغيرة تجسد حالتها مأساة الكثيرات في السودان يقعن ضحايا لمشكلة اجتماعية قديمة لم يتم القضاء عليها حتي الآن وهي زواج القاصرات. وتعزي أسباب وجود هذا النوع من الزواج إلي النظرة المجتمعية والثقافية السائدة التي تحث علي “سترة البنت”، نفس التبرير الذي كان يدافع به المجتمع عن ضررة ممارسة الختان وتشويه الأعضاء التناسلية للأنثي. يعزز أيضا إستمرارية وجود زواج القاصرات حتي الآن، الدور الأساسي والمؤثر الذي تلعبه المؤسسات الحكومية والقانونية في شرعنة أطر السلوك الاجتماعي التقليدية ومواقع النساء المرسومة داخلها، هذا بالرغم من أنه بمقدرمؤسسات الدولة – إن أرادت – أن تساهم في محاربة الوصمات الاجتماعية وآثارها السالبة من خلال إحكام الأجهزة التنظيمية والتشريعات وسير العدالة .

أما إذا كانت عملية سن التشريعات تستقي مفاهيمها من الوصمات الاجتماعية الأبوية السائدة التي تجحف النساء حقوقهن، فإن الدولة بذلك تضفي الطابع المؤسسي على العنف ضد المرأة وتفاقم من خطورته.هذا تحديدا ما كانت تقوم به الدولة السودانية، التي تمنح قوانينها وسياساتها الطابع المؤسسي على جرائم الإستغلال الجنسي وإستمرار ثقافة العنف والإغتصاب، لذلك كان لابد من فحص وإعادة قراءة هذه التشريعات التي تتستر خلف مظاهر عقدة الشرف والعار المترسخة في الممارسات الثقافية والخطاب السياسي السائد حول النوع الاجتماعي والعنف ضد النساء.

ما هو زواج الأطفال؟

يقصد بزواج الأطفال أي “اقتران قانوني أو عرفي” يكون فيه أي من الأطراف المعنية أو جميعهم قاصرين، أي تقل أعمارهم عن 18 عامًا، وهو ما يشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان، وينتشر زواج القصر غالباً في ظروف الفقر وعدم الاستقرار الاقتصادي والأمية والتقاليد والعادات الرجعية الذكورية .

علاوة على ذلك، يغلف زواج الطفلة القاصرعقدة معيارية تتعلق بالشرف والعار a normative honor-shame complex يتم إستخدامها كمسوغ تبريري لسلب النساء حقهن في اختيار “من تتزوج ومتي تتزوج”. يمكن فهم وجود هذه الظاهرة وإستمراريتها في ضوء الأيدلوجيات والخطابات الجندرية الراسخة التي “تصور الرجال والنساء علي أنهم في علاقة تكاملية: يرتبط فيها شرف الرجال والمجتمعات بالجنس والعار، وفي إطار هذه العلاقة يحتل الرجال مجالًا عامًا يُسقط فيه الشرف، بينما النساء يمثلن جزء من “عالم عائلي مقدس” يجب حمايته .

بعبارة أخرى، فإن ظاهرة زواج القاصرات يتم المحافظة عليها من قبل العديد من الفئات الاجتماعية كوسيلة لرصد و”حماية” النساء والفتيات اليافعات على وجه الخصوص، من الانخراط في سلوك غير شرعي أو منحرف من شأنه أن يعرض شرف الأسرة للخطر. ومن خلال مصطلحات شائعة مثل “بايرة” أو “عانس” والوصمة المصاحبة لمثل هذه المصطلحات، يتم الترويج لموضوع الزواج والزواج المبكر كأداة للهيمنة علي النساء غير المتزوجات، اللائي يُنظر إليهن غالبًا على أنهن “متمردات” و “مخربات” داخل المجتمعات التي تنظم نفسها حول معتقدات المجتمع الذكوري.

حين أجبرت نورا علي الزواج كانت تقضي سنوات طفولتها، ولم تكن هي وحدها التي سرقت منها طفولتها في زواج لن يحقق لها أي سعادة، وتشير الإحصائيات إلي أن واحدة من كل ثلاث فتيات تتزوج قبل أن تبلغ 18 عامًا في السودان . كذلك فإنه من بين النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20 و 24 عامًا في السودان، كان هناك 34 % إمرأة داخل علاقة زواج أو خطبة قبل أن يبلغن الثامنة عشر، 12% منهن لم يتجاوزن حتي الخامسة عشر من العمر. يقيم 40% منهن في المناطق الريفية وأكثر من 20% يقطنون المناطق الحضرية .

مزيد من التحليل التقاطعي في حالة الطفلات المتزوجات في السودان يكشف علاقة سلبية بين معدل زواج القصر ومقدار الثروة، حيث أن أكثر من 55% من القاصرات المتزوجات ينحدرن من أسر فقيرة، وأقل من 15% من أسر ميسورة. تمثل هذه الفوارق عدم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما فيما يتعلق بتوزيع الموارد، وعدم المساواة بين الجنسين التي طالما ما كرستها الدولة السودانية ونظامها التشريعي.

وتنتقص هذه العلاقة الإستغلالية من كرامة الطفلة، ولكنها قد تزيد فرص تحقيق “مكسب أخلاقي أو معنوي” عند الإدعاء بأن الزواج المبكر هو وسيلة “لحماية” شرف الأسرة. كذلك يوفر زواج القاصرات مصدر للعديد من الحوافز المادية مثل المهر والهدايا وإعفاء الأسرة من تحمل أي تكلفة متعلقة بزواج إبنتهم، مثلما يحدث في حالات زواج الصفقة والزواج المؤقت.

زواج الفتيات القاصرات من منظور التشريعات القانونية

تحمي الدولة السودانية زواج القاصرات وتضفي عليه الطابع القانوني من خلال التشريعات القمعية التي تسنها، علي سبيل المثال تقر المادة 40(2) من قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام 1991 أن الحد الأدنى لسن الزواج القانوني هو 10 سنوات، والتي يُفترض فيها أن يكون الطفل قد بلغ مرحلة “الإدراك والتمييز” أي “النضج” – وهو أدنى سن للزواج يحدده القانون في أفريقيا. تتعارض هذه المادة بوضوح مع تشريعات أخرى مثل ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الطفل1989 ، وقانون الطفل السوداني لعام 2010، وكلها تعرف الطفل بأنه أي شخص دون سن 18 عاماً، وأن سن الرشد والنضوج لا يتأتي إلا بعد هذه العمر. لذلك فإن استخدام الدولة لمفهوم “التمييز”، أي المرحلة التي يكون فيها “الشخص ليس بالغًا ولكنه طفل قادر على إظهار درجة من الاستقلالية والمعرفة”، يمثل تعميمًا خطيرًا ويتعارض مع إطار حقوق الإنسان المنصوص عليه في القانون الدولي. ولضمان بقاء ممارسات الزواج القسري المبكر، يخول قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام 1991 (المادتين 25 و 33) ولي الأمر لإتمام عقد الزواج نيابة عن الزوجة.

في ذات الوقت، يتم توظيف خطاب ديني مغرض يدعي بأن هذا الأمر يتماشي مع قوانين الشريعة الإسلامية، وقد ورثنا ما حشد له نظام الإنقاذ من العديد من الإدعاءات الدينية والأخلاقية لتبرير شرعية زواج الأطفال وما ينطوي عليه من إستغلال جنسي “مشروع” وإتجار بالطفلات. وينصب هذا الخطاب حول خرافات مثل أن الزواج المبكربمجرد الوصول “لمرحلة البلوغ” يمنع الإنجاب خارج إطار الزواج، ويكبح جماح “الفوضى الجنسية” (أي الفتنة أو الإختلاط)، والفسق . ولذلك فإن إضفاء الشرعية الدينية على زواج الأطفال، أو الزواج المبكر، أو الزواج القسري يعيق بشكل كبير فرص جهود القضاء عليه، وحملات التوعية المناهضة له، والتي يمكن أن تري علي أنها حملات مناهضة ضد الحكومة وضد الدين نفسه.

هنا تظهر المفارقة في سلبية الدولة تجاه إصلاح سياسة زواج الأطفال المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية، خاصة بعد تصنيف زواج القاصرات بإعتباره “شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة” ووضع “خطة وطنية (2012- 2016) للقضاء على هذه الممارسة “. ذلك أنه ومن خلال فرض الحد الأدنى لسن الزواج القانوني عند 10 سنوات بحسب قانون الأحوال الشخصية، عملت الدولة بشكل متعمد لبقاء زواج القاصرات وقدمت له الحماية المؤسسية. كما أن هذا القانون ينتهك ويقلل من فعالية العديد من التشريعات الهادفة إلى تحقيق المساواة بين الجنسين، وتعزيز حقوق المرأة والقضاء على زواج القاصرات والزواج القسري، ومكافحة الاتجار بالبشر.

ويمكن بكل تأكيد تكييف ممارسة زواج الطفلات قانونيا علي أنه جريمة إتجار بالبشر، وذلك من خلال فحص الطبيعة الإستغلالية لهذه العلاقة غير المتكافئة في ضوء القوانين الوطنية والدولية المعتمدة لمكافحة الإتجاربالبشر.

ولكن قبل النظر إلي العلاقة القضائية المتبادلة بين الإتجار بالبشر وزواج القاصرات، من الضروري فهم الأساس النظري لتشريعات مكافحة الاتجار بالبشر الوطنية والدولية المصدق عليها. على سبيل المثال ، بموجب المادة (7) من قانون مكافحة الاتجار بالبشر السوداني لعام 2014، فإن أي فرد يستخدم وسائل الإكراه أو القوة أو إساءة استخدام السلطة أو النفوذ أو إستغلال الضعف وما إلى ذلك للإغواء أو النقل أو الاختطاف أو النقل أو الإيواء أو تلقي أو احتجاز أو إعداد أشخاص طبيعيين “بقصد استغلالهم أو استخدامهم في أعمال غير قانونية أو أي أعمال أخرى من شأنها الإضرار بكرامتهم أو تحقيق أهداف غير قانونية في مقابل […] أي منفعة مادية أو وعد بذلك؛ أو أي كسب أو وعد معنوي؛ أو منح أي نوع من المزايا “ارتكب جريمة الاتجار بالبشر” (3-4).

وعليه فإن جرائم الإتجار بالبشر ترتكزعلي ثلاثة عناصر، تتوفر جميعها في حالات زواج الأطفال-الطفلات، وهي: 1) الفعل، 2) الوسيلة، و3) الغاية أو الإستغلال. ويتجلى طابع الإتجار بالبشر في زواج الأطفال-الطفلات بشكل خاص، تحديدا في الطريقة التي يتم بها الزواج والتي تتم دون أن “يعرب أحد أو كلا طرفي الزواج عن موافقته الكاملة والحرة والمستنيرة” ، وبذلك يصنف زواج القاصرات على أنه زواج قسري، وهو انتهاك لحقوق الإنسان بموجب المادة 16(2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. وعلي هذا الأساس، فإنه وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبروتوكول باليرمو لمنع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص خاصة النساء والأطفال، وميثاق الأمم المتحدة لحقوق الطفل وإتفاقية سيداو، وكذلك قانون مكافحة الاتجار بالبشر السوداني لعام 2014، يمكن إعتبار زواج القاصرات أحد أنماط الإتجاربالبشر بهدف الإستغلال الجنسي، ويقوم به عادة أفراد في مواقع سلطة بالنسبة للضحية، غالباً أفراد الأسرة وأولياء الأمر، الذين يستغلون حق الوصاية وضعف الطفلة وقلة وعيها وعدم قدرتها على الرفض أو الموافقة على الإنخراط في مثل هذا الزواج. ولذلك يعتبر زواج القصرغير قانونيا بموجب المادة (24) من قانون مكافحة الاتجار بالبشر السوداني لعام 2014 وبروتوكول باليرمو، حيث يؤكد كلاهما علي أن “موافقة ” ضحية جريمة الإتجار بالبشر لا يعتد بها ولا يمكن أخذها في الاعتبار.

وفقًا لذلك، فإن الإدعاء بأن الطفلة قد وافقت على الزواج يعد إدعاءاً باطلاً، كما أن في إستمرار الدولة في تفنين زواج الأطفال بموجب المادة 40 (2) من قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام 1991 إنتهاك فاضح لعدة نصوص أخرى وردت في نفس القانون. على سبيل المثال، الفقرتان 12 (ب) و 14 (هـ) اللتان تنصان علي أن طرفي الزواج يجب أن يوافقا عن قصد ووعي على هذا الإرتباط. كما أنه يتعارض مع المادة (34) من ذات القانون التي تنص على أن موافقة الفتيات اللواتي وصلن سن البلوغ ضرورية لعقد أي زواج يقوم بالترتيب له أولياء أمورهن الذكور.

تجسد هذه المفارقات وغيرها عددًا لا يحصى من أوجه الغموض والتناقض المفزعة التي يشملها النظام القضائي السوداني، والتي تشكل عوائق تضر بالتنمية المجتمعية والتقدم ، وتحد من فعالية ومصداقية السياسات المحلية والدولية المعتمدة.

وأما بالنسبة لموضوع زواج القاصرات، فإن هذه المفارقات تسلط الضوء أيضًا على أوجه القصور المترتبة على دور الدولة في تعزيز وحماية حقوق الأطفال، وتتعارض مع نصوص ميثاق حقوق الطفل، علي سبيل االمقال المادة رقم 24 (3) التي تلزم الدول الموقعة ب “اتخاذ جميع التدابير الفعالة والمناسبة بهدف إلغاء الممارسات التقليدية التي تضر بصحة الأطفال، وكذلك المادة (19) التي تنص علي أن تقاعس الدولة عن إصلاح سياسات زواج القاصرات ينتهك حقوق الإنسان لأنه يؤدي إلى تفاقم الآثار السلبية التي يسببها زواج الأطفال على سلامتهم ورفاهيتهم.

ويصبح من المهم فهم التبعات الخطيرة التي يخلفها زواج الطفلات والتي تحتم بالضرورة إصلاح القوانين والسياسات الداعمة لبقاءه. فمن الشائع أن تتعرض الزوجة الطفلة لمختلف أشكال العنف الجسدي والنفسي والجنسي، يتجلى هذا العنف في حرمان الفتاة من حقوقها في الصحة الجنسية والإنجابية وحرمانها من التعليم، وتعرضها للعنف الأسري علي يد الزوج وتضاعف مخاطر الحمل والإنجاب، والتهميش الإجتماعي والاقتصادي، والحرمان من اللعب، وتقييد حركتها، وربما أيضاً الوصم الإجتماعي علي المدي الطويل خاصة في حالات الزواج المؤقت وزواج الصفقة.

زواج القاصرات والإغتصاب الزوجي ومبدأ الطاعة والنشوز

تتعرض العديد من الفتيات في السودان مثل نورا حسين للإغتصاب الزوجي، وهو يمثل إحدي الجرائم المقننة شرعاً بموجب القانون السوداني، ولكن لا يُشار إليه بهذه المسمى في القانون الجنائي لعام 1991. و”تنص القوانين الجنائية لعامي 1925 و 1974 صراحةً على أن الأحكام المتعلقة بالإغتصاب تصلح فقط خارج إطار الزواج، وليس داخله . وقد تم تعديل تعريف الاغتصاب، الذي كان يشير سابقًا بموجب المادة) 149( من القانون الجنائي إلى أفعال الزنا، ليشمل أي فعل غير رضائي ينطوي على إختراق أي جسم أجنبي أو عضو جسدي في المهبل أو في فتحة الشرج للضحية . ويعتبر أي فعل إغتصابًا إذا كان ينطوي على أي وسيلة من وسائل العنف أو القوة أو إساءة استخدام السلطة أو إذا تم ارتكابه ضد شخص غير قادر على التعبير عن موافقته لأسباب طبيعية أو بسبب الإغواء أو لأسباب متعلقة بالعمر.

ورغم هذه الإستفاضة في التعريف القانوني للإغتصاب، فإن هذا التقدم التشريعي يعيبه الافتقار إلى الاعتراف الصريح بالإغتصاب الزوجي والمعاقبة عليه ضمن الإطار القانوني السوداني، بالإضافة إلي أحكام الطاعة المعيبة والمعادية للمرأة، المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام 1991. ذلك أنه وبحسب المواد (91) إلى (95) من قانون الأحوال الشخصية، تلتزم الزوجة بطاعة زوجها إذا كان قد أوفى بمهرها، ,اعالها ماليًا، ووفر لها مسكناً مناسباً. ووفقًا للمادة) 75 ( من نفس القانون، تُعتبر الزوجة عاصية “ناشز” إذا رفضت دون سبب مقبول، الانتقال إلى منزل الزوجية أو السماح لزوجها بدخوله، أو مغادرة منزل الزوجية، أو “رفض السفر مع الزوج”. وبالمثل، فإن الزوجة تكون ناشز إذا كانت تعمل خارج المنزل دون إذن الزوج، ما لم ينص عقد الزواج على خلاف ذلك.

علاوة على ذلك، يحق للزوج قانونياً في حالة نشوز الزوجة العاصية أن يقوم بتطليقها، وأيضاً وفقًا للمادة (92)، حرمانها من النفقة طوال فترة نشوزها، ويبيح هذا الوضع للأزواج القدرة علي إساءة استخدام السلطة. ولذلك عند الحديث عن الاغتصاب الزوجي، نجد أن هذا الوضع يجبر النساء المتزوجات للتخلي عن حقهن في الاستقلال الجسدي لأن المرأة المتزوجة “لا يُسمح لها بحرمان زوجها من الجماع الجنسي” ، وإلا فإنها تخاطر بأن تُعتبر غير مطيعة أو ناشز .

وعليه، فإن شهادة الزوجة المتضررة من الاغتصاب الزوجي تعتبر باطلة أمام القانون، وبالتالي، لا يمكن معاقبة الزوج إذا ما قام بإغتصاب زوجته. بهذا المعنى، يقلل القانون من شهادة الضحية وينزع عنها وكالتها علي نفسها، كما يمنح الإفلات من العقاب لأي زوج مغتصب. وفي سياق زواج القاصرات، يحمي هذا الإفلات من العقاب بدوره عدم تجريم إغتصاب الأطفال. علاوة على ذلك، تعمل القوانين علي إستمرار الاتجار الجنسي بالنساء والفتيات لأنه ينص ضمنيًا على أنه إذا استوفى الرجل شروطًا اجتماعية واقتصادية معينة، فإن الزوجة مدينة له بطاعتها ويتم افتراض موافقتها تلقائيأ علي ذلك.

أما بالنسبة للزوجة الطفلة، التي تتعرض للضغط أو تجبر على الانخراط في علاقة جنسية في عمر لا يزال فيه جسدها الغض في طور النمو، ولا تدرك سوى القليل عن حقوقها أو صحتها الجنسية والإنجابية، فإن الاغتصاب الزوجي يمكن أن يتسبب لها في صدمة جسدية ونفسية واجتماعية خطيرة. ويقود إلي الإكراه على الإنجاب والحمل، ومنع النساء من استخدام وسائل منع الحمل والضغط على المرأة لتحمل. كذلك يترتب علي الإغتصاب الزوجي للزوجة الطفلة تعرضها لحالات حمل متكررة في وقت مبكر جداً.

المخاطر الصحية والنفسية المترتبة علي الزواج المبكر

يجعل الزواج المبكر من الطفلة الزوجة عرضة للعديد من المخاطر الصحية والنفسية. علي سبيل المثال، قد يؤدي الحمل المبكر والمتكرر ومضاعفات الولادة إلي وفاة الأمهات الصغيرات بصورة أكبر مقارنة بالأمهات البالغات. حيث أن الفتيات اللاتي يحملن في عمر مبكر من حياتهن يصبحن أكثر عرضة للإصابة “بتسمم الحمل ونزيف ما بعد الولادة، والولادة المتعسرة، والناسور، بسبب صغر حجم الحوض وعدم إستعدادهن النفسي والجسدي للحمل. كما أن خطر الإصابة بالملاريا، وهو مرض شائع في السودان، تزداد إحتمالات الإصابة به أثناء الحمل، ولا سيما الحمل الأول. وتكون لدي الصغيرات الحوامل دون عمر 19 عامًا ” كثافة ملاريا أعلى بكثير من النساء الحوامل فوق 19 “وبالتالي، تصبح هؤلاء الفتيات معرضات بشكل متزايد للمضاعفات الخطيرة المرتبطة بمرض الملاريا مثل فقر الدم المزمن الإلتهابات الرئوية ونقص السكر في الدم .

وتمتد تبعات الحمل المبكر والإصابة بالملاريا إلى إصابة الجنين أيضًا. حيث أن الملاريا “تقيد نمو الجنين” ، وقد تؤدي إلي الولادة المبكرة، و “تقلل فرص انتقال مناعة الأم للجنين ومقاومة الخلايا للأمراض المعدية مثل الالتهاب الرئوي العقدي، والكزاز والحصبة”. وتشير الدراسات إلي أن معدل وفيات الأطفال الرضع، الذين يعانون عادة من سوء التغذية، إلي أنهم قد ينمو غير ناضجين جسديًا وعاطفياً، وأنهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المعدية، بنسبة أعلي 60 في المائة من الأطفال المولودين لأمهات بالغات (نور 2009). كما أن معدل الوفيات بين الأطفال المولودين لأمهات صغيرات ، ويقعون في الفئة العمرية 1-5 سنوات، يعتبر أعلى بنسبة 28 في المائة من أولئك المولودين لأمهات فوق 19 عامًا.

أيضاً تمتد تداعيات زواج القاصرات على الصحة الإنجابية للطفلة الزوجة أبعد من مخاطر الولادة وصحة المولود لتشمل زيادة خطر الإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً . حيث يشكل الضغط النفسي الاجتماعي “لإثبات خصوبتهن” وإنجاب الأطفال عاملاً رئيسياً وراء المعدل الغزير للأمراض المنقولة جنسياً. ويتم إجبارهن علي ممارسة الجماع غير الآمن مع الزوج الذي غالبًا ما يكون أكبر سناً ولديه علاقات جنسية سابقة. كما يلعب التعليم المحدود الناتج عن زواج الأطفال دورًا مهمًا في انتشار الأمراض المنقولة جنسياً بين الزوجات الصغيرات في العمر وكذلك في التهميش الاجتماعي والاقتصادي لهن.

خاتمـــــة

تتجذر ممارسات الزواج المبكر والقسري إلى حد كبير في علاقة القوة غير المتكافئة بين الجنسين بين العروس الطفلة وأولياءها والزوج ، والذي عادة ما يكون أكبر بعشر سنوات أو أكثر من الزوجة. علاوة على ذلك، فإن فرص العمل للطفلة الزوجة تصبح مقيدة بحرمانها من التعليم وإفتقارها للمهارات وإنخراطها في الإنجاب المبكر ومسئوليات الأمومة . ونتيجة لذلك، فإن قدرتها على المشاركة الفعالة في الفضاء العام وفي مجال العمل مدفوع الأجر تكون محدودة جدا، ويجعلها هذا الوضع لأن تكون أسيرة لسلسلة من القهر الذكوري الذي يجبرها للإعتماد المالي والإجتماعي علي الزوج.

هذا التقسيم النوعي المستقي من النظرة المجتمعية والثقافية السائدة التي تضع المرأة في منزلة أدني من منزلة الرجل تجد الدعم والسند والغطاء القانوني من جهاز الدولة الذي يحمي ممارسات العنف القائم علي النوع، سواء عن طريق توفير الغطاء القانوني والمؤسسي لبقاءها والحفاظ عليها أو عن طريق التطبيق الإنتقائي وغير المنصف للقوانين والسياسات.

إن التشريعات الوطنية مثل قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام 1991، تسلب النساء حقوقهن المتساوية كمواطنات وتفرض على المرأة أن تكون تابع غير مستقل وليس لديها القدرة علي إتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها.

يعمل زواج القاصرات علي سبيل المثال علي حرمان الفتيات من حقهن في التعليم والحد من آفاق مشاركتهن الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي يجبر المرأة علي البقاء داخل علاقات مسيئة، تنطوي علي العنف وعلي إنتهاك حقوقها. علاوة على ذلك، يعمل الزواج المبكر والزواج القسري للفتيات علي تعزيز وديمومة الأدوار الأبوية من خلال التنشئة الإجتماعية غير المتكافئة بين الولد والبنت، ويرسخ الإعتقاد بأن الفتيات إنما يمثلن تهديدات محتملة لشرف الأسرة.

إن زواج الأطفال جريمة صامتة ولها عواقب وخيمة، وفي الغالب الأعم يكون الضحايا من الفتيات، اللاتي يفقدن الفرصة في التمتع بحياة كريمة في كثير من الأحيان بسبب القوانين القمعية ضد النساء وبسبب التقاليد والأعراف الرجعية والأبوية. كما يؤكد الغطاء المؤسسي والتشريعي المحمي بقوة الدولة لزواج القاصرات، على تقاعس جهود الدولة لرفع الظلم عن المرأة وتحقيق المساواة بين الجنسين.

‫شاهد أيضًا‬

حكومة تكيل الثناء علي عراب تفكك في ميراثه

د. معتصم اقرع : عبدالرحيم حمدي عراب الإنقاذ الاقتصادي ومؤسس رب رب كتوجه رسمي للدولة حتى ان…