‫الرئيسية‬ آخر الأخبار اذهبوا فانتم الطلقاء ١-٣
آخر الأخبار - رأي - أبريل 7, 2021

اذهبوا فانتم الطلقاء ١-٣

محمد فاروق سلمان :

لم يُتح لعبارة العبور عبر التاريخ كما حدث مع كلمة فتح مكة الرسولية : إذهبوا فأنتم الطلقا، ولو تيسر لعلم الاجتماع السياسي البحث في التاريخ الانساني واثر الاسلام بعيدا عن التعاطي مع الامبراطوريات التي لم تكن ابدا في صدره ولا في حياة الرسول. ، فقد تقبل النبي في صلح الحديبية استبدال عبارة: من محمد رسول الله الى محمد بن عبد الله، بشرط موضوعي ووفق منطق للحقيقة خلاف حق النبوة، وكانت قريش قد بعثت الي المسلمين في الحديبية سهيل بن عمرو وقد استبشر به الرسول (ص) وقال: “قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل” ، وعندما قال الرسول اكتب باسم الله الرحمن الرحيم اجابه سهيل بان الرحمن لا ندري به فاكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، وعندما قال اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قال سهيل لو كنّا نعلم انك رسول ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. وتم اتفاق الحديبية على ما هو معروف وعودة المسلمين في ذلك العام على ان يعتمروا في العام المقبل. ولو اهتم علم الاجتماع ومنذ ابن خلدون وعلى نسقه لكانت هذه العبارة التي قالها النبي محمد (ص) عند دخوله مكة فاتحا: “اذهبو وانتم الطلقاء” فتحا جديداً في التاريخ الانساني الذي لم تشهد انتصاراته وحتى ذلك التاريخ غير غشامة المنتصر وكسر المهزوم، زمان شهد سبي النساء واسترقاق الرجال متى ما انتهت حربا فيه، لا يحول دون هذا قانون الانسانية او ضميرها وقتها حتى القى النبي محمد هذه المقولة.

لم يكن صدر الاسلام غير ثورة اجتماعية انتصرت للمغبونين والمستضعفين وفق النظام السائد، وكان اهل قريش يرددون “ما تبعه الا ارازلنا”، وعلك تجد فيمن تبعوه من الموالي والرقيق من كان في اتباعهم للرسالة تمردًا على سادتهم وعلى النظام الاجتماعي والسياسي السائد، وبالنظر لوضع النساء وحقوقهن فقد كان الاسلام ثورة على ثقافة سائدة كانت تستبيح حياتهم خشية إملاق، قبل الشرف، وبعد ان كانت النساء تُورَث، صار لهن نصيب في الميراث، وللدكتور نصر حامد ابوزيد بحث جيد عن تاويل النص القرآني، ووفق تطبيق السيموطيقيا بمعنى اخذ دلالات التشريعات وفق سياقها الزمكاني كاشارة لوجهة، يمكن عند تحريرها من ظرفي الزمان والمكان ان تقود لفهم يتجاوز الاشارة للوجهة نفسها، فيكون عنده الاسلام اول من سد الزرائع امام الرق وازدهار تجارته، وبالتالي محاربة الرق وليس اباحته هي الوجهة، وتكون حقوق المرأة في غاية التشريع مساوية للرجل في الميراث، وقد ذهب د. نصر حامد ابوزيد لاكثر من ذلك لضرورة ترتيب آيات القران وفق تراتبية نزولها حتى يتم تأويلها وفق تتبع الاشارة فيه، وتوقف كثيراً في النسخ في الايات والتي هي كلام الله، ولا يجب ان تكون باطلاً في اية حال، ولكنها تدليلا على طاقة الاشارة نفسها للوصول بدلالات العبارة لغاياتها عند تأويل النصوص المقدسة، وقد سبقه الاستاذ محمود محمد طه وفق منحى اكثر استغراقا في العقيدة في تقسيم القران المكي والمدني لتصنيف ايات الحقيقة والشريعة، وقد قرات للكاتبة والباحثة التونسية د. الفة يوسف Olfa Youssef وهي اكاديمية مختصة في اللسانيات تطرقت فيه لـ”ناقصات عقل ودين”، وهذا كان عنوان كتابها الذي قدمت فيه منظور مختلف يحتفي بتناول المقولة.

اعتقد ان ظهور الاسلام السياسي كمفهوم ودلالة ظهر مع دولة معاوية بن ابي سفيان، والتي اتت كأول انقلاب سياسي في تاريخ الدولة بعد الرسالة (أي أول انقلاب في تاريخ المسلمين)، وقد ذهب ابن خلدون لاكثر من ذلك في اعتبار صعود دولة بني امية، مقابل بيت النبوة هو تعبير عن السياق الاجتماعي للجزيرة العربية قبل النبوة (أي عودة للدولة العميقة) والذي يضع بنو هاشم والمعروفين بسقاية الحجيج في مكة اقل علاقة بالسلطة مقارنة ببني أمية والذين كانوا يقودون تجارة قريش في رحلتي الشتاء والصيف ويقودون جيشها في الحروب، وقد سأل علي ابن ابي طالب الرسول يوم فتح مكة وهو ياتي اليه بمفتاح الكعبة: “يا رسول الله اجعل لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك”، فاذا الرسول يبسط اليه يمينه ويأخذ من المفتاح وينادي: “اين عثمان بن طلحة” وقد كانت حجابة الكعبة في بيته وبيت اسرته من قبل الاسلام وقبل فتح مكة، وعندما قام أدناه الرسول منه واعطاه مفتاح الكعبة وقال: “هاك مفتاحك يا عثمان اليوم برٌ ووفاء..” والتفت الى ابن عمه علي وقال “انما اعطيكم ما تُرزَؤون لا ما تَرزؤون” اي المسؤولية التي توجب المشقة لا التي تجلب الجاه. وقد قاد هذا الانقلاب السياسي الى ظهور فقه سياسي في الاسلام وفق الصراع السياسي والذي كان طابعه دموي في كثير من ملامح تلك الفترة، وقد فرض معاوية على الناس مبايعته قبل ان يفرضها لابنه يزيد والذي عهد بها لابنه معاوية الثاني ولكنه كان تقياً زاهداً في ارث ابوه وجده وناغم عليه، فاعتزلها وابى ان يوصي بخليفته من آل بيته فقال: “واللّه ما ذُقْتُ حلاوة خلافتكم فكيف أتقلّد وزرَهَا. وتتعجلون أنتم حلاوتها، وأتعجل مرارتها، اللهم إني بريء منها متخل عنها، اللهم إني لا أجد نفراً كأهل الشورى فأجعلها إليهم ينصبون لها من يرونه أهلاً لها”، وقد أتى قيس بن سعد بن عبادة، معاوية عندما اراد اخذ البيعة لنفسه، وهو من قال له الطليق ابن الطليق (اي اسلمت بعد الفتح) ولم تكن قبل طلب معاوية للخلافة هذه بسبة، وعلّ اكثر ما عرف به الفقه ابان حكم بنو امية كان الكلاميين او المتكلمة وهي مدارس اقرب للفلسفة، فقد اتاح النص القرآني والتاريخ الاجتماعي والسياسي للجزيرة العربية وانفتاحها مع انتشار الاسلام على حضارات اخرى ثورة عقلية هائلة، وكان من الطبيعي ان تذدهر في عهد بني امية وتنتشر مذاهب مثل الجبرية والمرجئة، فيجد الناس فيها عزاءا قبل من تولوا امرهم من هول ما كان في تاريخ تلك الحقبة بعد احداث ما عرف بالفتنة الكبرى، وان كان علم الكلام نفسه قد فتح افاق المسلمين على الجدال فظهرت مدارس مختلفة كالمعتزلة في اواخر الدولة الاموية، وقد ظلت المنابر تسب الامام علي وتنغم عليه طوال حكم بنو امية حتى حكم عمر بن عبد العزيز، وظهور فقيه كالحسن البصري اعتزل الخوض في الشأن السياسي الا ناصحاً، فأمر بان تكون الدعوة في المنابر بالدعاء للمسلمين الاحياء منهم والاموات على نحو ما يتم الى الان.

‫شاهد أيضًا‬

الزميل منصور محمد خير في ذمة الله: عبد الخالق محجوب الذي عرفه (١-٢)

عبد الله علي إبراهيم : رحل عنا أمس الأول زميلنا منصور محمد خير من قادة الحزب الشيوعي بحي ا…