آخر الأخبار - نصوص - أبريل 8, 2021

ذاكرة دامية

سرد
سيد أحمد إبراهيم

“نحن ذوات طافية، تهلكها نظرات الموت المحدق بها من كل صوب، وتجهز عليها إن لم تقاوم”.
حامد السّعيد

(1)
لم ينطق أيٌّ من سكان القرية الذين انتشلوا الجثمان من مياه النهر أثناء وقوفهم على الضفة، بكلمة واحدة، ظلَّلهم صمت مطبق، وكل منهم يهيم في وادٍ سحيق، جميعهم أدركوا أن الجثة التي شوَّه وجهها ماء النهر، تم التمثيل بها، فزعوا حينما رأوا جرحاً غائراً في منتصف رأس الغريق، ولم تك خافية، آثار سياط على صدره، وبقايا بقع دم وسط السروال، قطعة القماش الوحيدة على جسده المشوه، ولكن ما راعهم، أن عضوه الذكري مقطوع.
(2)
ترجّل عن عربة الكارو التي كانت تُقِلُّه برفقة آخرين، اتجه شرقًا وهو يدري أن هذه الطريق قادرة على إيصاله إلى ما يريد، سلك دربًا وعرًا مُتعرِّجَ المسارات، راجلاً يرتدي قميصًا فضفاضًا باهتَ الزُّرقة لم يخلعه منذ خمسة أيام، وبنطالَ جينز ممتلئاً ببقع الدماء المتناثرة على أطرافه والتي تصيب كل من يراها بالهلع. سار في الأوحال والتلال الرملية المرتفعة، وخاض بعض البرك في سكته للوصول، مُترنِّحًا كغصن شجرة تُداعبه رياحٌ صيفيّةٌ في مُنتصف نهارٍ شديد الحرارة، لم يكُ وهو يسير مُترنِّحًا يشعر ببرودة الجو، كان في رأسه شيء واحد فقط، لم يُفكِّر بغيره، وكان إحساسُه بالوقت مُنعدمًا، رغم أنه تجاوز الحادية عشرة ليلاً، ولم يكُ يخطئ في تخيله بعض الأضواء التي تلوح بعيدًا كمُحفِّزٍ على وصوله للمكان الذي يُريد، فرغبته غير محدودة في أن يكون هناك، على الشطِّ الآخر لنهرِ أوجاعِه التي سارت به ساعاتٍ طوالٍ بغية التخلُّص منها. الألم كان مُرشده للمسير في الطريق، والذكرى التي تدفعه دفعًا تشتد كلما خطى إلى الأمام، رأسه يضجُّ بالأصوات، بعضها يحثُّه على الركض، وبعضها يزجره ويأمره بأن يُطأطئ رأسه، والبعض الآخر، أصوات طلقات تملأ الأرجاء.
في كل حفرة يتعثر بحوافها، يرى وجهًا ساميًا لطالما سامره عن قرب، وقبل أن يخرج من الحفرة ليواصل طريقه، لم يك يفوت على نفسه أن يغرق للحظة ويدفن رأسه في صدر صاحبة الوجه، نادية التي كانت كل أحلامها أن تنجح في ضمه إليها في الليل بينما أطفالهما نائمون في وداعة على أسرتهم. تذكّر أنها قالت له مرة إنه من الممكن أن يتحقَّق حُلمهما، ولكن يجب عليه أن يتغيَّر في البداية، لم يعِ لحظتها ما عنته بأن يتغيَّر، لكنه أخفى ذلك واحتضنها ليُنهي حوارهما. تمرُّ مشاهد عديدة داخل رأسه، تتقافز أصوات، تبتسم نادية، تنطفئ أضواء، تصرخ أفواه، تجري أقدام، تتدفق دماء، تندلع نيران، وتصرخ نادية. يصحو مرة أخرى بتعثُّره بحجرٍ صغير، يعدل مشيته المترنحة لتزداد ترنُّحًا، أينما يضع قدميه هو المكان الصحيح. فقدماه تقودانه كأسير غريب عن الأرض.
بين الأصوات التي تتقاذف في رأسه، يظهر جليًّا صوتٌ يصرخ به أن: “تحرك يا نجس”، فيزيد من سرعة قدميه قليلاً، ولكنه يُفاجَأ بسوطٍ ينطبع على ظهره وركلةٍ أعلى مُؤخِّرته فيقعُ على وجهه ويرتطم ببعض الأجساد المُلقاة على الأرض، يفكر في الاسترخاء قليلاً إلا أن سوطًا ملتهبًا آخرَ يُجبِرُه على المشي بسرعةٍ وهو مُقيَّدُ اليدين، لا يرى أمامه جيِّدًا بسبب الدم الذي نزل على عينيه إثر ضربه بمؤخرة بندقية، كما أن دموعه تملأ عينيه، لا يدري هل يبكي من التعذيب أم ممَّا تعرضت له نادية قبل لحظات! يسير فقط برفقة الجنود الذين يقتادونه مع غيره بنفس الهيئة، وصلوا بهم إلى ساحة صغيرة، وأجبروهم على الاستلقاء على بطونهم وجباههم في صف طويل به مئات الراقدين، بعضهم أحياء، وبعضهم أموات، والبعض الآخر على شفا الموت، ترقص أجسادهم على لسان العذاب.
(3)
كان يضع رأسه على قدمي نادية، حينما سمع أصوات طلقات بالجوار، لم يكترث للأمر، رغم ذعر نادية الذي بدأ واضحًا وهي تسأله عما يجري في محيط المكان، لكنه حاول طمأنتها بكل الهدوء الموجود في العالم: “لا تقلقي، نحن بالقرب من بعضنا ولا شيء أجمل من ذلك”. ثم يحدث ذلك الشيء؛ ابتسامة نادية، “يا الله”، يقول العاشق، ويسحب ببطء قارورته من خلف نادية حيث خبأتها منه على مسافة قريبة، ويأخذ ثلاث رشفات ثم يعيد إغلاقها ويُرجعها حيث كانت، تزمُّ نادية شفتيها بطريقة تأنيب لطيفة، ثم تقول: “يكفي يا حامد”، يُقرِّب رأسه من بطنها ويُغمض عينيه بينما يحرك رأسه كطلب للصفح، كانت نادية دائمًا على خلاف معه بسبب الشرب المتواصل، يَذكر أنها صرخت في وجهه ذات مرة وغابت، مُضمرةً على ألا تعود ثانية، ويَذكر، كذلك، الدهشة التي علت وجهها، حينما قرع باب منزلها وبكى بين قدمي أبيها مُخبرًا إياه أنه يحبها وأنه سيقتل نفسه إذا تركته. تعلمت نادية منذ ذلك الحين، أن حامد السعيد يحيى بها وبالشرب، فأصبحت تحاول تقريبه إليها وإبعاده عن الشرب قدر ما تستطيع، لكنها، دومًا، تفشل، وتبتسم حين يغازلها وهو ثمل، تخفي ابتسامتها وتقول: “أنت سكران يا حامد”، فيقترب منها ويهمس: “عيناك هما الخمر”، تغيب الشمس فجأة، ويُلوِّن الأصيل خدي نادية المكتنزين، تقول له دائماً: “من يرى أفعالك يا حامد، لا يصدق أنك من قرية يلجأ إليها كل تائه. وأنت أكبر تائه”. لكنها لا تخفي إعجابها برقّة حامد ولطافته حين يكون ثملاً، ساعتها لا يميل إلى شيء سوى احتضانها وإغماض عينيه.
في تلك الليلة، تكرر سماع دوي طلقات عالية، وشاهد حامد ونادية، ذعر كل الموجودين بسبب استمرار صوت الرصاص في الأجواء، ضجَّت الساحة بأصوات الهتافات، واجتمع الحاضرون في جماعات تتزايد كل حين لطمأنة بعضهم البعض. انتفضت نادية من جلستها واحتضنت حامد السعيد الذي بدأ كذلك بالهتاف، وسار وفي يده نادية، برفقة الآلاف الموجودين في الساحة، يتعالى هتافهم، وتتزايد أصوات الطلقات التي تظهر لسامعها إصرارها على الاستمرار ووأد أي حياة في الصوت الذي ينادي بالحياة. شدت نادية يدها على ذراع حامد السعيد، وأخرجت صوتها من حنجرتها وشرعت تنادي بالعيش والحياة بين عيني حامد ليرعاها وترعى هي بذرات الحب في عيون أطفالهما، يعلو صوت حامد عندما يزيد التصاق نادية به، ويسير مُتقدِّمًا في كل خطوة يقترب من مصدر الطلقات ومن حلمه البعيد، يتحول الهتاف رويدًا رويدًا إلى صراخ، وتمسك النيران بأذيال الملابس، ويرى الجميع آلاف الجنود يدخلون من مختلف الجهات، بعضهم يُمسك بالبنادق وبعضهم يُمسك بالعصي، ونادية ممسكةٌ بذراع حامد. تفرَّق الجميع وركضوا في اتجاهات مختلفة، ما عدا حامد ونادية، ظلّا يمسكان ببعضهما ويركضان، رأيَا النيران ترتفع ألسنتها، وتأكل كل ما في طريقها، حرقت الخيام والملابس والأجساد. رأت نادية فتاةً تُفلت من يدي الجندي الذي كان مُمسكًا بها وتقفز في اللهب، ورأى حامد جنديًّا طويل القامة يفتح النيران في صدر كومة من الناس احتموا ببعضهم البعض، تتعالى أصوات الطلقات وينخفض صوت الحياة، ويقذف الجنود بالكلمات على آذان الموتى والأحياء، يذكرون أمهاتهم بأفظع الألفاظ، ويلكمونهم بأيديهم وبالعصي والأسلحة. والشمس لم تعانق الأفق بعد، علت ألسنة اللهب في المكان، وأضحى لون السماء رمادياً بالدخان، ولون الأرض أحمرَ بالدماء، تمسَّكت نادية بيد حامد ونظرت للسماء، سقطت منها دموع إلى الأرض، أحست بفوران الدماء التي سقطت عليها الدموع، وهوت ساقطة، أمسك بها حامد قبل أن تلامس الأرض وأجلسها برفق، نظر حوله فلم يرَ سوى الجثث والدماء والجنود العشرة الذين يُحيطون به وبنادية، قرَّبها إليه واحتضنها بشدَّة، اقترب منهما الجنود، وصرخ أحدهم بحامد: “قم يا ود الحايلة”، أمسك به جنديان وانهالا عليه ضربًا بكُلِّ الاتجاهات، بينما أمسك الآخرون بنادية غير بعيد من حامد وهي تصرخ بعلوِّ صوتها عندما ترى حامد يقذف الدم من فمه بعد كل لكمة. وعلى الرغم من الدم الذي نزل على عينيه بسبب ضربه على رأسه بمؤخرة البندقية، حرص على إبقائهما مفتوحتين ليرى أين نادية، ويراعيها من بعيد، لكنه لم يستطع رؤية الجنديين اللذين طرحَا نادية أرضًا واستلقى عليها أحدهما بعد أن مزَّق الآخر ملابسها، أغمض عينيه وسمع صوتها يصرخ باسمه، بينما كانت خائرة القوى تقاوم الجندي الذي يحاول إبعاد فخذيها عن بعضهما، وتركله بقدمها لكنها تفشل. ثبت الجندي الآخر يدي نادية على الأرض، وصعد فوقها رفيقه وهي تئن بصوت لا يكاد يخرج من حنجرتها، بصقت على وجه الجندي الذي بين فخذيها كآخر ما تملكه، فصفعها على وجهها قبل أن يقول: “تبكي يا بنت الغلفاء؟ ضكرك دا أخير مننا في شنو؟”. تملأ الدموع وجه نادية المتألم، وتنظر لحامد الغارق في دمه، ترى خداه اختلط فيهما الدم بالدموع، ترفع بصرها إلى السماء، وتصعد روحها هناك. لم يُفلتها الجندي وهو في غمرة انتشائه، حتى سمع صرخة حامد الباكية، جرى ناحيته بينما كان يُغلق سحَّاب بنطاله العسكري، ولكَمَه بشدَّةٍ رمته على الأرض بفمٍ يقذف دَمَا في الهواء. كان حامد مُتبلِّدَ الشعور، لم يعد يشعر بشيء، أو بالأحرى لم يعد يقوى على الشعور بأيِّ شيء. أخرج الجندي الغاضب نصلاً من جنبه، وبمساعدة الآخرين، أنزل بنطال حامد حتى ركبتيه، وأمسك به من المنتصف تمامًا بيده اليسرى، وباليمنى، بضربة واحدة، أحسَّ حامد كأنَّ شيئًا يسقط منه، وبشلال من الدم الساخن ينفتح في مُنتصفه، غامت بين عينيه الأرض ولم يعد يرى السماء، وفي طريقه للسقوط، سمع صرخة نادية الأخيرة تلك، وأظلمت عيناه.
(4)
استيقظ حامد السعيد، والشمس في منتصف السماء تمامًا، بالماء الذي سكبه على وجهه بعض الجنود، نهض مذعورًا يحمل آلام جسده كلها، مشى بصعوبة بين الحرائق وأكوام الأجساد، يُلهب ظهره الجنود بسياطهم حتى وصلوا بهم إلى ساحة، كانوا عددًا قليلاً، أكثرهم مصابون وبوجه من جوانبهم تبدو دماء، أمروهم بالخروج من الساحة في صفٍّ طويلٍ وسطَ وابلِ السياط وأصوات الطلقات العالية والسباب. كان حامد في تعثُّره يسمع أصوات الرصاص كأنها دويُّ نوْبة، ترنَّح في مشيته فبدا كأنه يرقص مع إيقاع النَّوبة، عرف وقتها أين سيذهب.
قضى حامد النهار بطوله سائرًا على قدميه، لم يك يحدد وجهته، قدماه تقودانه، يسمع بعيدًا أصوات النوبة ويشم رائحة الغبار التي تُثيرها أقدام الراكضين خلف النوبة، ركض متعرجاً، وسار بتؤدة، مشى دون توقف، غابت الشمس وهو ما زال سائرًا، قابل من يسَّروا له الطريق، ومن زجروه على أنه سكران تائه. وقبل منتصف الليل بقليل، نهض حامد من رقدته على تلة صغيرة بدا له أنها استمرَّت طويلاً، رأى الأضواء التي تُشعُّ ويتغيَّر اتجاهها مع الهواء، وسمع الأصوات التي شعر أنها قرَّبته من نهاية مسيره، سار بين الأجساد الراقصة، حتى وصل عند قدمي الشيخ، جلس مُنكبًّا على ركبتيه، فقابله صوت الشيخ من كل الاتجاهات: “حباب ود السعيد”، أجهش حامد بصوت مُتكسِّر وهو يضع رأسه على فخذيه: “قتلوا نادية يا سيدي الشيخ”، بدأت الأصوات تهدأ رويداً رويداً، ينخفض صوت النوبة ويقل ارتطام أقدام الراكضين خلفها بالأرض، تلفح نسمة هواء، رأسَ النار الموقدة في المنتصف. مدَّ الشيخ رأسه المتلفح بشال أبيض، إلى الأمام، وقال: “صلِّ عليها يا حامد، بعض الأرواح تُفلت من أجسادها حين تضيق بها”. أحسَّ حامد بكلمات الشيخ تُطوِّقه وتُنهِضُه بقوة، رنَّت في أُذنه، مرَّةً أُخرى، صرخة نادية الأخيرة، وانحدرت على خده المُمرَّغ بالتُّراب دمعة ساخنة، نظر في عيني الشيخ، وقال بصوت حزين هادئ: “وروحي يا سيدنا؟”، ثم صرخ: “من أنا بعد نادية؟”، رفع الشيخ يده وقال: “استغفر يا حامد، واذكر مع الناس”، وبدأت أصوات النوبة تعلو من جديد، ويرتفع الغبار عن صدر الأرض ليصل الأنوف، وتصدر الحلوق همهمات دافئة، وتدور الأجساد حول نفسها. دار حامد حول نفسه مرَّتين، وسمع الصراخ، يعلو هدير النوبة، يدخل في أذنيه كأصوات الطلقات، كل رنَّة طلقة، كلها تصيب حامد، صرخ بعلو صوته وركض، تلاحقه أصوات الطلقات، وصرخات الموتى، يرى أمامه الجثث تصحو مذعورة وتصرخ، يزيد سرعة ركضه، جرى حتى تعثَّر بتلَّةٍ صغيرة، وعندما نهض لم يرَ سوى الخواء والظلام، أدرك أنه ما زال يسير في الطريق، تقدَّم بخطوه المتعثر، فرأى من بعيد، والقمر لم يكتمل بعد انعكاس الضوء على صفحة متموجة، اقترب فوجد نفسه أمام النهر، أنفاسه تتلاحق وكأنها تهرب من الأصوات في رأسه، وقف في الضفة، سمع بوضوح أصوات الجنود، ارتطام أقدامهم بالأرض، كلماتهم البذيئة، وصوت النار يلتهم جسد الفتاة التي قفزت فيها، ورأى، أمام وجهه تمامًا، وجه نادية يبتسم، وبصوت عالٍ، صرخ صرخة لا عنوان لها، أدرك حينها أن روحه ضاقت بجسده، خلع ملابسه المليئة بالدماء، ثم قفز في النهر.
:::

‫شاهد أيضًا‬

حكومة تكيل الثناء علي عراب تفكك في ميراثه

د. معتصم اقرع : عبدالرحيم حمدي عراب الإنقاذ الاقتصادي ومؤسس رب رب كتوجه رسمي للدولة حتى ان…