آخر الأخبار - مايو 4, 2021

قحت !!!

محمد فاروق سلمان

حدثان وقفت عندهما كثيرا في هذا الاسبوع، الأول اعادة تشكيل المجلس المركزي للحرية والتغيير (او الدعوة لهذا)، وهو امر وان كان قد بُح صوتنا في الدعوة اليه الا ان السيف قد سبق العذل، ولَم بعد من جدوى في الاستجابة لهذه الدعوة الان. بعد ان عاث من اعاق هذه الدعوة في وقتها واعني هنا الاحزاب الاربعة (الامة، الموتمر، البعث، والتجمع الاتحادي) التي اجهضت البناء المؤسسي لنواة تمثيل الثورة، ومن تبعهم باذعان في السوء.

منذ التفاوض بدأ واضحا قصور حراكنا المدني عن طموح هذه الثورة وتهديده لكسبها، وقد تجلى إختطاف قوى الحرية والتغيير منذ تحول وفد الاتصال لوفد مفاوض عبر سياسة فرض الامر الواقع التي غذاها طموح الافراد، وقد كان تشكيل هذا الوفد هو بذرة المحاصصة التي صبغت عملية المشاركة السياسية (الاقصائية) بعد الحادي عشر من ابريل، كما صبغ اداءها الضعف جراء التناحر والاعتداد بخطاب الادانة واعتزال واجبات التغيير ومهامه، وفي مقدمة هذا تطوير البناء المؤسسي لقوى الحرية والتغيير لتحقيق شرعية تمثيلها للثورة، وتطوير رؤية مشتركة تأسيسا على الاعلان لاستحقاق مشروعية القيادة.

الحدث الثاني الذي وقفت عنده وهو غير مركزي وبعيدا عن المركز، ولكنه مثال جيد لما سردته اعلاه، هو البيان الذي اصدره حزب التحالف الوطني السوداني/ قطاع الولاية الشمالية حول فصل مدير التلفزيون في الولاية الشمالية، الاستاذ محمد احمد يسن، وان كان ينتمي للتحالف الوطني لكني لم التقيه ابدا، وكان الدفع به نتاج علاقات حيز المؤسسية فيها هش وفق فوضى الحرية والتغيير في المركز والاقاليم. لتطال الفوضى التعيينات والاعفاء أيضا في اغلب المناصب القيادية وغير القيادية بعد الثورة، ولَم اعرف شخصيا وانا في موقعي التنفيذي كنائب لرئيس الحزب قبل استقالتي وقتها بتعيينه، وان كان هذا الامر يخص هيئة اقليمية، الا انه ومن خلال اتصالات من اشخاص اعرفهم في الولاية كانوا يشتكون من التعيينات في الاذاعة والتلفزيون بالولاية التي تتم بأمره واداءه بشكلٍ عام، ولَما لم اكن اعرف بتعيينه الا منهم، فقد سألت داخليا عن هذا الموضوع، لان من بين من اتصل بي من الولاية الشمالية اصدقاء لا يمكن اغفال رايهم لدورهم ومواقفهم، وقد عرفت ان التعيين اولا مهني وانه انضم للتحالف الوطني قريباً، وترشيحه تم بناءا على مؤهلاته اكثر منه تعيين سياسي، وان اغلب الذين يشتكون منه (شيوعيين)! ولا يشكلون رأي عام!! رجعت لمن اتصل بي ونصحته من الافضل ان يتم التعامل مع مدير الاذاعة والتلفزيون عبر القنوات الرسمية، وان التحالف لا يملك شيء اكثر من الاخرين في توجيهه او التدخل في سياساته بخلاف الاخرين في قوى الحرية والتغيير.

ليس هذا ما اوقفني في بيان التحالف فعلاً، فوالية الولاية نفسها لم تحمل رصيد لدفعها في منصبها غير انتماءها الحزبي، ولَم اعرف ابدا ان تعيين مدير التلفزيون والإذاعة رصيده يجب ان يكون لونه السياسي باكثر من اهليته فعلا للمنصب. ولكن ما استغربته فعلا اذا كان تعيينه تم بناءا على ترشيح اي حزب او مكون من مكونات قحت في الولاية له، وقبول الاخرين بهذا الترشيح. فاعفاءه يجب ايضا ان يمر بنفس النهج، اذا تم تقييم اداءه ولم يكن وفق المطلوب. وبالتالي يكون من الطبيعي ان يكون الحزب او المكون الذي دفع بترشيحه من بين المشاركين في التقييم واكثر حرجا من الدفاع عنه بحكم القبيلة السياسية! ناهيك عن كونه قد يكون مطالب باعتذار حتى!!

هذه القضية في الولاية تعكس الفوضى التي تم دفع الحركة المدنية اليها: والي او مسؤول يمتلك سلطة مطلقة وبلا اي مرجعية مؤسسية غير بطانته الخاصة، وهذا ليس تقييم لاداء والية من خلال هذه الحادثة بشكل منفصل، ولكنه وضع عام لكل الولاة وفي كل الولايات، ويتجاوز الولاة للسادة الوزراء، وهو نتاج طبيعي لصيغة (الحاضنة) السياسية المختطفة للمشهد وهوانها (اي هذه الصيغة). وهو وضع سيشيع فساد سياسي لا قبل حتى لـ(الإنقاذ) به، واكثر ما يربك في هذا المشهد بيان التحالف الوطني نفسه، والذي بدأ فيه معنيا بـ(الظلم!) الذي حاق بـ(زوله) اكثر من فساد المنهج الذي صارت اليه قحت، وقد كنت قبل فترة ضمن دعوة كريمة وسط عدد من وكلاء الوزارات الذين تم تعيينهم واعفائهم في الفترة الاخيرة! وقد تجلت لي الكارثة بكل معانيها: فبعيدا عن معرفتي ببعضهم ولكن بالتأكيد الأولى بمراجعة الاداء والاعفاء والتغيير هو النظام الذي سمح بتعيينهم اذا سلمنا بسوء الاختيار الذي طال ثمانية ووزارات وقتها (قبل ان يزداد العدد في ايام منذ الدعوة باستقالة م خيري والذي كان سيتم اعفاءه بالمناسبة، واعفاء د. اسامة وكيل وزارة الصحة والاثنين كانا مكلفين باعباء الوزارة!)، فهو داء عند القيادة السياسية باقٍ ولا شفاء منه طالما وفق التعديل الاخير او التنكيل الوزاري الذي تم مازالت فرصة العبث بالبناء المؤسسي متاحة!، وتتم مكافاءة العابثين بتقليدهم مناصب رسمية اكثر تقدما!!

من كبائر الامور في العمل السياسي المدني غياب المراجعة والتقييم للاداء والتجربة ومحاكمتها لتجنب محاكاتها اذا كان حصادها الفشل، وبالتالي لا تحمل هذه الاستجابة للاصلاح المؤسسي للحرية والتغيير وتوسيع المجلس المركزي (الشائه أيضا) بعد ان انفضاض السامر وفقدان شرعية تمثيل قوى الثورة ومشروعية قيادتها أكثر من اقرار الاربعة الذين اختطفوا قحت بالفشل. ووعي تاخر كثيرًا وبدلا من بحث الخطأ نفسه وتقويمه والمحاسبة عليه، تاتي هذه الدعوة للتعامل مع نتائج الأخطاء والمشاركة فيها، لتكون برأيي محاولة اكثر بؤسا من سيل الاخطاء السابقة والمستمرة لإعطاء هذه الاخطاء شرعية تتجاوز المختطفين لتشمل الذين تم اقصاءهم من قبل الاربعة، ومازلت أذكر في فبراير العام الماضي كيف وقف هؤلاء الاربعة ضد تمثيل الجبهة الثورية في مجلس قحت، حتى اقتصت الجبهة الثورية لنفسها بانتزاع تمثيل قحت الحصري للثورة وتدخل كشريك ثالث! ولا اظن ان استجابة اي كان لدعوة توسيع المجلس المركزي ستكون مخرجا من الفشل الذي دفعت اليه قحت الانتقال الحالي، وفي شراكة الجبهة الثورية مثال جيد لكون هذا الطريق لن يكون حصاده غير الفشل، وان اي تأسيس للنجاح لن يمر عبر قحت بصورتها التي إنتهت اليها الان.

‫شاهد أيضًا‬

كتابات حرة : الأخطاء المبررة

ريم عثمان : المبادئ لا تتجزأ، مقولة يستخدمها الكثيرون لتثبيت مواقف معينة تحسب لصالحهم في ح…