‫الرئيسية‬ آخر الأخبار “النص الفائز بالمركز الأول في مسابقة مدونة 29، حياة أخرى”
آخر الأخبار - ثقاقة - يونيو 26, 2021

“النص الفائز بالمركز الأول في مسابقة مدونة 29، حياة أخرى”

قصة قصيرة بعنوان “قرية الفراشات”
غفران محمد التوم

“الخوف أمام الصمت الأول لن يغادرنا”
أسامة غاوجي

“واستيقظت في صباح ذلك اليوم من كوابيسي ووجدت نفسي تحولت إلى فراشة”.

هي أيام متفرقة من السنة تكسو سماء القرية عدد من فراشات زرقاءَ بأحجامٍ مختلفة، تدور حول منطقة معينة على مرأًى من السكان ثم تختفي. كان جميع من في القرية يقف شاهدًا مشدوهًا بوجوه متأسفة ودمعٍ حارق. بعض النساء يبكين بحرقة وكأنَّ قريبًا لهنَّ مات للتو. يُسدل الرجال عممهم على وجوههم وهم ينشجون. كنت أراقب هذا الحدث للمرة الخامسة خلال عمري؛ وفي كل مرة أسأل أمي عن السبب، كان ترد باقتضاب بـ”لاشيء” وتنهي كلامها بـ”فقط لا تبتعدي كثيرًا”.
منظر الفراشات يرقى بالخيال. أتمنَّى في كل مرة أن ألمس واحدة منهن على الأقل. ما كان يدفعني للسؤال – في الحقيقة – هو أنَّه في كل مرة تظهر الفراشات تختفي واحدة من فتيات القرية..
لم تكن القرية كبيرة للحد الذي لا نتعارف فيه على بعضنا. ولأنَّه كان يحظر علينا الخروج من دون رُفقة وبتشدد دائمًا، لي صديقة واحدة وهي ذاتها اختفت بعد أن قتل أبوها رجلًا كان بالقرب منها وعلى وشك أن يقتلها؛ كما قالت أمي، ولكن أنقذها أبوها في آخر لحظة و زُج به في سجن القرية بعد محاكمات طويلة وأعذار بأنَّه إنما كان يدافع عن ابنته. قرر القاضي سجنه بدل عن إعدامه؛ ثم ارتحلت وعائلتها إلى قرية أخرى بعيدة جدًّا؛ قالت أمي إلى ديار جدَّيْها.
حين كنت مع أمي في طريقنا لحقل القمح كان جمع من النسوة حول أم الفتاة التي اختفت في الأسبوع الماضي بعد أن حومت الفراشات حول منزلها. خطفت الفراشات فتاة العاشرة، لعقن شذى دمها ورششن عبيرها عزاءً وهربن. كانت المرأة لا تزال تبكي ويُهادن النسوة دمعها بخوف وبين كل فترة وأخرى يلتفتن نحو بناتهن؛ انضمت أمي لهن وطبطبت على ظهرها وهي صامتة. يبدو أن لا كلام سيبني فجوة فقدها. سمعتُ النساء يصفن كيف تحولت تلك الفتاة لفراشة وتركت وراءها ملابسها المُدماة وطارت. قلت لأمي – في طريق عودتنا نحو القرية – أريد أن أكون فراشة أنا أيضًا. صرخت أمي بأنَّها لا تريد أن تسمع هذا الكلام مني مرة أخرى، وحين هدأت قالت إنَّه ليس بشيءٍ جيد أن تتحول فتاة لفراشة؛ وأنَّه على العكس سيِّءٌ جدًّا وأنني لن أعود الفتاة ذاتها التي كانت من قبل؛ لن أكبر، لن أتزوج وفي أفضل الحالات أموت. ومنذ ذلك اليوم وأنا تراودني كوابيس كلها عني وأنا أصرخ والفراشات بعيدة جدًّا وأمي تبكي ذات بكاء المرأة في الحقل والنساء حولها…
في صباح يوم مُشع وهادئ، انتشرت الفراشات مرة ثانية. هذه المرة فوق سماء بيتنا كم تبدو رائعة عن قرب؛ يتوشمن بالورود ويفُحن بعطر بنات القرية. لا يدُرن بل يرقصن، هُلعت أمي وأبي من هول المنظر وبات خروجي من المنزل محرمًا. كل تحركاتي محسوبة ومع كل ضيف أُقفل داخل غرفة ولا يقربني أحد.
مرَّ أسبوع وأنا سجينة ضقت ذرعًا واشتقت لرائحة التراب وقناديل القمح. تسللت ببطء، تسلقت حائط المنزل وعدوت نحو الحقل. أردتُ الإطلال سريعًا والعودة قبل أن تدرك أمي غيابي. طلَّ من بين قناديل القمح رجل يعرج؛ أومأ لي أن يا فتاة هل لي بكوب من الماء تذكرت كلام أمي بأن الكلام ممنوع مع الغرباء، كرر مرة أخرى أريد ماء، قيل إنَّ هناك بئرًا بالقرب من هنا. رددت بصمت كل ما في الأمر كوب من الماء. أشرت بيدي نحو بئر مشيت بحذر كان الدلو على الجانب ملأت الكوب. شرب بنهم خمسة أكواب على الأقل وجلس؛ اختلق الكثير من الكلام ما اسمي، أين أسكن، ثم فجأة مكان ما من جسدي آلمني بشدة وتقاطرت نقاط دم، لا أبكي ولكن أصرخ بشدة. شعرت بكف تقتل صرختي؛ ومن شدة الألم نِمت دون أن أعي، وحين استيقظت من كوابيسي وجدتُ نفسي تحولت إلى فراشة..
هنا السماء قريبة؛ مشمسة، حارة، المكان جميعه باللون الأزرق حولي ذات الفراشات بوجوه فتيات أعرفهن واحدة واحدة، مملوءة بدمع لا يُذرف ورعب يدق جدار قلبي الصامت..

‫شاهد أيضًا‬

65.8% نسبة النجاح في نتيجة امتحانات الأساس بالنيل الأزرق

الدمازين – الشاهد : أعلن الفريق أحمد العمدة بادي حاكم إقليم النيل الأزرق بقاعة المجل…