‫الرئيسية‬ آخر الأخبار اقرأوا محمد نوري الأمين عن الحزب الشيوعي: قُر ينفخكم
آخر الأخبار - رأي - أغسطس 28, 2021

اقرأوا محمد نوري الأمين عن الحزب الشيوعي: قُر ينفخكم

عبد الله علي إبراهيم :

قلت إن من غضب الله علي الحزب الشيوعي أن خصومه هم من كتب تاريخ. وأشد خصومه نكاية به في كتابة تاريخه هم من خرجوا عليه بغصة بعد أن سرهم أحياناً: الشيوعي والمعاطف السابقان. وبلغوا في النكاية بالحزب حداً زفراً من ذلك قولهم إن ماركسي الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) التي أنشأها الدكتور عبد الوهاب زين العابدين ( -١٩٨٥) في ١٩٤٦، قد كرهو أن يكون عليهم رجلاً مثل عبد الوهاب فيه “عرق” فخلعوه ونصبوا عوض عبد الرازق عليهم في ١٩٤٧ بدلاً عنه. وحجتهم على هذا الخبط شمارات وهراء وضغن.
وترهات مثل شوقي بدري وعادل عبد العاطي ومحمد جلال هاشم غير مغفورة لأنه توافرت منذ آخر السبعينات رسالة جامعية عن تاريخ الحزب الشيوعي في سنواته الباكرة للدكتور محمد نوري الأمين. وتحرت الرسالة هذا التاريخ من خشم “لاعبيه” أنفسهم. ومع أن الرسالة لم تنشر بكاملها (ولم تعرب) إلا أن نوري نشر قسماً كبيراً منها منجماً في مجلة دراسات الشرق الأوسط في ١٩٩٩.
تناول نوري قيادة عبد الوهاب لحستو وخروجه منها في مقاله الثاني بالمجلة (مجلد 32، العدد الرابع، أكتوبر 1999)، صفحات 251-263. وعرض فيه لحسابات النجاح والإخفاق في سجل الرجل. وليس من نجاح يضاهي إنشاءه للحركة نفسها جمع فيها إليه نخبة صالحة من الخريجين والطلبة مثل خضر عمر، وحسن ابو جبل، وميرغني على مصطفى، وعبد القادر حسن أسحاق، وقاسم أمين، والشفيع أحمد الشيخ، وعوض عبد الرازق، وطه بعشر، ومصطفي السيد طالب كلية الطب العجيب. بل نوه نوري بنجاح الحركة في احتلال ثلاثة مواقع في انتخابات مؤتمر الخريحين في نوفمبر 1945. وصار عبد الوهاب عضواً في اللجنة الستيينة بأصوات 1082 من جملة 3338 صوت ليأتي الثامن والعشرين في اللجنة. وتأخر عنه رفيقاه قليلاً في أصواتهما. وفي انتخاب اللجنة التنفيذية جاء عبد الوهاب الثاني في الاحتياط. ولكن سرعان ما خلت خانة له في اللجنة في سبتمبر 1944. وتم انتخابه في نفس الشهر سكرتيراً للجنة التنفيذية التي ترأسها الزعيم الأزهري. واستقال من موقعه بعد أقل من شهرين من توليه. وذكر نوري أن خطاب استقالته ورد على الصفحة 424 من وقائع اجتماع اللحنة التنفيذية الخام التي نشرها المعتصم أحمد الحاج تباعاً لاحقاً. وبرجوعي لكتاب معتصم وجدت عبدالوهاب عضواً نشطاً باللجنة الستينية حتى صار سكرتيراً للجنة التنفيذية موقعاً على محضرها في 20 إبريل 1946. ووالى السكرتارية بتوقيعه بالاسم على المحضر حتى جلسة 13 أبريل 1947. ثم صار يأتي توقيع السكرتير بدون اسم حتى نهاية السجل في19 أكتوبر 1947. ولكنه كان بالمؤتمر، وربما في منصبه ذاته. وأختاروه عضواً بلجنة إعداد خطاب الاجتماع العام مع مبارك زروق ومحمود الفضلي وعلي حامد في نفس الجلسة (محاضر المؤتمر الجزء الأول 1939-1947).
وتجد نوري رد خلع عبدالوهاب من قيادة حستو إلى منعطف سياسي في 1947 لم يحسن الرجل تقديره مما جعل أيامه في القيادة معدودة. فقد تركزت ممارسة عبد الوهاب في النضال ضد الاستعمار على التقية. وهي في إخفاء وجه الحركة الماركسي وأن يستثمر بدلاً عن ذلك، ومن وراء حجاب، مساحات العمل السياسي التي تسنح في مؤتمر الخريجين والأحزاب الوطنية مثل الأشقاء. وأن تكتفي حستو بالسهر على تربية عضويتها خِفية ليوم النزال الاشتراكي. ومن طريف ذلك أنه نفسه كان يلبس طربوشاً ليصرف النظر بلبسة محافظة عن جذريته.
وتناصرت عوامل وطنية ثورية استجدت مثل بروز كادر جذري التوجه في سياق هبات شعبية لم تعد تجدي معها تقية عبد الوهاب. فنضجت ثورية طلاب اليسار في الجامعات المصرية خلال عطلاتهم في السودان في وقت بدأت القوات المتظرة للثورة في الماركسية تمردها. فعمال السكة حديد نازعوا بقوة وبوسائل الإضراب والتظاهرة في 1947 للحصول على هيئة نقابية لهم. كما أضرب مزارعو الجزيرة (25 ألف مزارع) احتجاجاً على تضعضع معاشهم بعد الحرب في 1946. ومن أظهر مظاهر جذرية الطلاب تظاهرتهم “ليلة ستالنقراد” (كناية عن صمود تلك المدينة الروسية في وجه النازية) التي اقتحموا فيها نادي الخريجين بأمدرمان وحملوا الزعيم الأزهري على أكتافهم وهتفوا. وقال نوري إن الطلبة ربما أقبل بعضهم على بعضهم مهنئاً لاعتقال الشرطة للزعيم فمحاكمته وسجنه.
وقال نوري في خاتمة مقاله إن علينا أن ننظر إلى ذلك الانبعاث الجذري في أي محاولة لفهم الحملة الشعواء التي قادها الثوريون الجدد ضد تقية عبد الوهاب. وبلغ بهم الضيق بتقيته أن طلبوا منه أن يخرج منها ليوزع معهم منشورات الحركة جنباً إلى جنب. ومالبث أن خلعوه من قيادة الحركة لإصراره على التقية. وهكذا كان قمره إلي محاق. فقال لنوري في لقاء معه إنه عرف يومها أن أيامه إلى أفول فترك الحركة خياراً. ومن هنا تبدأ فترة قيادة عوض عبد الرازق.
ونرى في حلقة قادمة تقييم نوري لفترة قيادة عوض لحستو حتى أدركها أستاذنا عبد الخالق محجوب في ١٩٤٩.

‫شاهد أيضًا‬

ليلة القبض على مُتاجر مع البرتغال (1964): هويتنا

عبد الله علي إبراهيم : كان نقاش هويتنا من جهة انتماء السودان إلى العرب أو الأفارقة (علاوة …