‫الرئيسية‬ آخر الأخبار مقاطعة امتحانات جهاز الأمن بجامعة الخرطوم 1992 … الطريق إلى رد اعتبار الجامعة !
آخر الأخبار - تحقيقات - سبتمبر 3, 2021

مقاطعة امتحانات جهاز الأمن بجامعة الخرطوم 1992 … الطريق إلى رد اعتبار الجامعة !

عبد الفتاح الحبيب : أرغم طلاب جامعة الخرطوم في 1992 على أداء الامتحانات تحت تهديد السلاح
الدكتور محمد حمدنا الله عبد الحافظ : كثير من المتضررين لا يرجون إنصافا أكثر من الاعتراف بما تعرضوا له من سحل أكاديمي حينها

تحقيق : فتحي البحيري

1
يرى الاستاذ الجامعي الدكتور محمد حمدنا الله عبد الجليل والذي كان حينها (1992) رئيسا لرابطة طلاب كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية أن النظر إلى مبادرة رد الاعتبار للجامعة بخصوص هذه القضية يتعين عليه أن يكون في إطار معركة محاربة الفساد والاستبداد وهو المنظور الأصلح لفهمها وفهم أبعادها دون طيرة أو عمى بصيرة، ودون تشويه للمراد بحسن نية أو بقصد وكيد يكاد. ونأمل ان يتفاعل شعبنا وشبابنا مع مقاصد المبادرة في رد الاعتبار لمن ظلم وتصحيح المسار لمن اعتبر وندم والبدء في الإعمار لما هدم. وليعلم الجميع ان الكثير من المتضررين لا يرجون إنصافا أكثر من الاعتراف بما تعرضوا له من سحل أكاديمي، ومحاسبة من تولى كبره ومن سعى للاستنفاع من أثره. والتاريخ مدرسة يدخلها الجميع، ويتخرجون منها بكسب متغاير. فهلا استفدنا من دروس الماضي لإصلاح وإصحاح الحاضر؟
ومن جهته يروى عبد الفتاح الحبيب سكرتير العلاقات الخارجية باتحاد طلاب جامعة الخرطوم في ذلك الوقت جوانبا من الرعب والفظاظة التي تعاملت بها أجهزة النظام الأمنية مع تلك المقاطعة فيقول : الأجهزة الأمنية كانت علي أهبة الاستعداد تتابع الموقف داخل الجامعة عن كثب. عقب تمزيق الإمتحان بكلية الآداب مباشرة داهمت الحرم الجامعي و بدأت سلسلة من الإجراءات القمعية المرتبة في مواجهة الطلاب. الجامعة أخليت من الطلاب في فترة وجيزة و لم تكن هناك مقاومة من الطلاب الذين تفاجأوا بالأحداث. قيادة الطلاب بكلية الهندسة كانت مراقبة و تم إعتقالهم جميعاً عصر ذلك اليوم بشارع الجامعة. لم يقف الأمر عند ذلك. بالليل داهمت الأجهزة الأمنية داخليات الطلاب بأعداد كبيرة جداً و أوسعتهم ضرباً. تمّ إعتقال أعداد كبيرة جداً من الطلاب. وفي نفس الليلة تمّ إعتقال رئيس لجنة التسيير

2
تروى الاستاذة نفيسة لصحيفة الجريدة بعض تفاصيل تلك الأحداث فتقول أنه وحسب متابعاتها اللصيقة آنذاك قرر طلاب جامعة الخرطوم في بواكير العام 1992 مقاطعة امتحانات نهاية السنة بسبب مطالب واضحة وعادلة في سلسلة صراعهم مع السلطة والذي احتدم منذ اليوم الاول لانقلاب الثلاثين من يونيو 1989 واستخدمت السلطة الانقلابية المرعوبة من أي بادرة مقاومة حينها كل أجهزة الدولة من أمن وإعلام وكل شيء لإفشال تلك المقاطعة فتم طرد الطلاب من داخلياتهم ليجدوا أنفسهم في العراء تماما وكانت هي المرة الأولى وربما الأخيرة في تاريخ العالم التي يتم فيها إعلان جدول الامتحانات في التلفزيون القومي والإذاعة والصحف .. وقد صرح مصدر مقرب من الشرطة الأمنية أنهم توقعوا أن جون قرنق قد دخل الخرطوم من فرط الاستعدادات التي أمرونا بها .
يواصل عبد الفتاح الحبيب حديثه فيقول : وجد طلاب جامعة الخرطوم أنفسهم في معركة لم يستعدو لها جيداً ضد الآلة الحربية و الإعلامية للدولة الكيزانية. إدارة الجامعة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية اتخذت تدابير متطرفة جداً لم تحدث في تاريخ جامعة الخرطوم لإرغام الطلاب علي دخول الإمتحانات. بعض مراكز الإمتحانات نُقلت خارج الجامعة إلي كلية الشرطة و جامعة إفريقيا العالمية. أرغم الطلاب علي الجلوس للإمتحانات تحت تهديد السلاح. بإختصار تم تجاوز كل الأعراف و اللوائح الأكاديمية المتبعة لإدارة الإمتحانات بالجامعة.
رغم ذلك أعداد كبيرة من طلاب السنة الأولي الذين ابتدروا الإمتحانات قاطعت إحتجاجاً علي الأوضاع الإستثنائية داخل الجامعة و لكن نسبة الطلاب المقاطعين في الفصول الدراسية اللاحقة كانت أقل. أعداد مقدرة من الطلاب واصلت المقاطعة حتي بعد أن تضاءلت فرص نجاح المقاطعة مسجلين موقف أخلاقي في غاية النبل. حرصت الأجهزة الأمنية خلال تلك الفترة علي عزل قيادات الطلاب الفاعلة من المحايدين . استمر اعتقال بعض تلك القيادات لمدة زادت علي الشهرين.
3
ويأمل الدكتور محمد حمدنا الله عبد الحافظ أن يتكامل ويتناغم الجهد القاصد لتحقيق الإنصاف ضمن إجراءات العدالة الانتقالية في التعليم العالي بين إدارات الجامعات التي أتت بها ثورة الشباب والطلاب وشعبنا المفطوم عن ما حام حوله الذباب، وبين لجنة إزالة التمكين في التعليم العالي، ولجنة إزالة التمكين المركزية. لأنه وفي ظل هذه المذبحة، والمذابح المشابهة في الجامعات الأخرى، كان يتم سحل الكثيرين من الطلاب والعديد من المتميزين منهم كان يتم سحلهم أكاديميا ونفسيا على حد تعبيره لمنعهم من مجرد التفكير في العمل في المجال الأكاديمي والبحثي الذي بالمقابل أزالوا عنه قيود الجدارة والتنافسية وشروط المؤهل الجامعي ليدخل فيه من يسبح بحمد سلطة الوثن البائد وجهاز أمنها الفاسد. وكانت النتيجة ما ترون سادتي من تدهور مريع في مستوى الطالب الجامعي ونواتج التعلم المستهدفة ومواصفات الخريج، نتيجة تراجع مستوى الأستاذ الجامعي نفسه.
وحتى حين يستعصي إقصاء الطالب المعارض للنظام أكاديميا – والحديث لا يزال للدكتور حمدنا الله – فإنه يتم إقصاءه عن التوظيف بسبل أدناها أداء الخدمة الوطنية تحت إدارة منسقين من تنظيمهم المفتقر أصلا للوطنية والذي بدد مواردنا على الحركات المارقة في مؤتمره الشعبي العالمي الذي زعم زعيمهم وأمينه العام الترابي انه بديل الأمم المتحدة ونصير الشعوب المضطهدة وفي غيره. وتتضمن تلك السبل الاعتقال والمضايقة في عالم العمل والأعمال والتنكيل بالأهل والأصدقاء والإذلال، حتى يكون الخيار الوحيد هو مغادرة البلاد لإتاحة المجال، لمن يراد بهم الإحلال والإبدال. وهذا أمر حدث من بين ما حدث، في الجامعات وفي الوزارات والمؤسسات. حتى صار جهاز الدولة يكاد ينحصر على الكوادر المقربة وأصحاب القرابات
وتقول نفيسة : الجريمة التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية وإدارة جامعة الخرطوم حينها متمثلة في الساقط مأمون حميدة وجانب من الأساتذة المحسوبين على الجامعة والذين هم في واقع الأمر يدينون بالولاء للسلطة الجديدة المريضة نفسيا ولأجهزتها الأمنية وسياساتها المختلة والمعتلة هي جريمة مكتملة الأركان ولا تسقط أبدا بالتقادم ويتعين فتح التحقيق الجنائي والإداري بشأنها ومحاسبة كل من تورط متعمدا أو ” متماشيا” وإيقاع العقوبة التي تناسب فداحة الجرم وتداعياته عليه .. ومن تداعيات هذه الجريمة النكراء أن جامعة الخرطوم العريقة والتي كانت تحتل مكانة مرموقة على المستوى العالمي فقدت تلك المكانة تمام الفقدان بعد أن قامت فيها امتحانات “سياسية” و”أمنية” وليست أكاديمية ولا علمية بأي حال من الأحوال. امتحانات يقوم بالمراقبة والتصحيح فيها أفراد أميون وجهلاء من جهاز الأمن وليس أساتذة الجامعة ويؤدي الطلاب امتحاناتهم تحديد تهديد السلاح الناري ويدخلها الفاشلون منهم بكتبهم ودفاترهم وبخراتهم على عينك يا تاجر على حد تعبيرها

4
يرى الدكتور والاستاذ الجامعي محمد حمدنا الله عبد القادر أن المبادرة التي قدمت الآن من نفر من طلاب الجامعة، بعضهم كانوا من الذين عصفت في وجوههم رياح تلك الشتاءات القاسية وذاقوا مرارة الفصل والإعتقال والتعذيب، والتي استجابت لها مشكورة مأجورة إدارة الجامعة وعلى رأسها سعادة المديرة بروفسور فدوى عبد الرحمن على طه، فشكلت لجنة لدراسة ما جرى في تلك المذبحة الأكاديمية، لعله هو مدخل المعالجة الإبتدائي. ولعل الحملة التي شنت من قبل الفلول وأشباههم فور صدور القرار هي خير تبيان لمخاوف من أداروا تلك المذبحة الأكاديمية ومن استفادوا من نتائجها فأخذوا المناصب الأكاديمية والوظائف المفصلية كغنيمة باردة بين لصبي الظلم والإرهاب، وبنوا سيرتهم الذاتية من تفوق مضلل كذاب. وهم يعلمون، ويعلم قادتهم أي نوع كانوا من الطلاب، وكلنا نعلم كيف إنتهى تمكينهم بجنة الوطن إلى جحيم الخراب.
وربما تبادر لذهن البعض – والحديث لا يزال لدكتور حمدنا الله – أننا نريد أن نشوه صورة الثورة التي بهرت العالم، بمنح الموالين لها ما لا يستحقون كما كان يفعل النظام في القبول للجامعات والدراسة فيها لمن كانوا يسمون أنفسهم بالدبابين ويندغمون في وحداته التي يزعم أنها ترعى شئون المجاهدين. وما رأي شيخهم الترابي في جهادهم ببعيد، وهو قتل لشركاء الوطن لم يأمرهم به إلا شيطانهم المارد المريد. ولكن هذا لم يكن أبدا مقصود شرفاء ضحوا بمستقبلهم للوطن، وناضلوا طيلة هذه السنين لتحريره من نخبة الفساد والاستبداد وعبادة الوثن، ولعل بعض الطلاب الذين راسلوا من هم في فرق العمل الأولية، والتي تتوسع الآن لتشمل كل من تضرر من تلكم القرارات غير السوية، والتي كان مخططا لها لإقصاء الأكفاء الشرفاء رغبة في الإستئثار بالسلطة والثروة وحبا في الأذية. ومعروف القول بأن أبناء شجرة الحرام والإظلام يفوقون سوء الظن فيهم بسنين ضوئية.

5
من هذه الزاوية ترى الأستاذة نفيسة أن المقصود الجوهري من إعادة فتح ملف تلك القضية هو رد الاعتبار للجامعة ولتاريخها وتطهيره من دنس الكيزان واتباعهم الانتهازيين المفارقين لكل شرف علمي أو أكاديمي أكثر من كونه رد الاعتبار للأفراد الذين تضرروا من تلك الجريمة البشعة النكراء. والذين تضرروا فعليا هم الشعب السوداني كله .. هم الطلاب الذين حكمت سلطة البغي الانقاذي عليهم أن يكون من ضمن ذكرياتهم امتحانات أكاديمية تحت تهديد السلاح ووممزوجة برائحة الدم والدموع أيا كان موقفهم السلوكي منها .. وهم أساتذة الجامعة الشرفاء الذين وقفوا ضد هذه الجريمة النكراء فكان نصيبهم قوائم الفصل التعسفي عقب تلك الامتحانات .. قائمة تلو أخرى … وهم كل الطلاب من الأجيال والحقب اللاحقة .. الذين حكمت عليهم سلطة الانقاذ الغاشمة .. أن تكون جامعتهم الحلم ملطخة بالعار والفضيحة … خالية من كل شرف وكل محتوى علمي وأكاديمي رصين نزيه .. جامعة كتبت علامة الرسوب المزيفة الكذوبة الجبانة على أميز من مروا بها من طلاب وكتبت علامة النجاح الأشد زيفا وجبنا أمام أسماء دبابين معادين لأهلهم وشعبهم لا حظ لهم من العلم والمعرفة سوى التهليل والتكبير الكذوب خلف حاج نور والترابي والطيب سيخة على حد تعبيرها.

‫شاهد أيضًا‬

لو عثرت بغلة في القيادة..

عمر عثمان : طبيعي جدا أن يقوم البرهان وحميدتي ومن في نفسه خوف على مستقبله في ظل تسارع الخط…