‫الرئيسية‬ آخر الأخبار الثورة وصناعة المعاني : تباين طرائق التفكير في فهم الواقع و تغييره
آخر الأخبار - يونيو 11, 2022

الثورة وصناعة المعاني : تباين طرائق التفكير في فهم الواقع و تغييره

بكري الجاك:

في سنوات خلت و ابان مشاركتي في دراسة مهارات البقاء في الشارع وسط المراهقين أو ال Street Resilience Among Teens and Young Adults في حي فقير بمدينة ويلمنغتون يسمي Southbridge بولاية ديلاور، حينها اكتشفنا أن هذا الحي لم يتخرج فيه اي طالب من المرحلة الثانوية خلال أربعة اعوام توصلت وقتها الي حقيقة واحدة مذهلة و صادمة في ذهني مفادها “أن لا احد يستطيع أن ينقذ اي انسان من حياته”، و المدخل الي هذا المبحث أتي من كون أن لا يتخرج اي طالب من المرحلة الثانوية هو نموذج مثالي لما يعرف بالنشاذ الاحصائي Statistical anomaly حيث أنه من غير المنطقي أو المعقول أن تحدث مثل هذه الظاهرة حتي و بمحض الصدفة خلال اربعة اعوام. الحي يعاني من فقر وعزلة وانتشار الحانات ونشاط مكثف لعصابات المخدرات و العنف و غالبية سكانه ينحدرون من اصول افريقية الا أن هذا لم يكن حال ذاك الحي وحده في المدينة وهذا ما جعل الأمر نشاز احصائي.

المرجعية المعرفية للخلاصة التي توصلت اليها يمكن شرحها في قصة حقيقية لشاب تخرج من الجامعة و بينما كان يتجاذب اطراف الحديث مع جدته اخبرها بأنه ينوي الذهاب الي امريكا للدراسات العليا، و لم تكترث الجدة الي ماذا تعني الدراسات العليا بل سألت ماهي امريكا؟ فبدأ الشاب في شرح انها بلد بعيد و يجب أن يقطع محيطات للوصول اليه، فسألت الجدة ماهو المحيط؟، فشرح الشاب أن المحيط هو فضاء واسع يمتد علي مد البصر و يتمليء بالماء المالح، فتساءلت الجدة و ماهو الماء المالح؟ و تمضي القصة هكذا دون الاجابة علي سؤال ماهي امريكا و السبب في ذلك أنه ليس بوسع الجدة، التي لا تعلم شيء عن العالم فيما خلف الجبلين الذين يحيطان بالسهل الذي تقع فيه القرية، تخيلها حيث لا توجد صورة ذهنية لها لمقاربة هذه المعاني حتي و ان ارادت، و كما يقال ليس بوسع المرء وصف طعام لم يتذوقه، فلابد للحواس من ذاكرة و معاني.

في ذاك الحي كان جل المراهقين ينتهون الي نهاية واحدة بوصولهم الي سن الخامسة عشرة، فحتما سيكون للطفل عدة اشكالات مع محاكم الاحداث و تقاطعات مع عصابات المخدرات و يكون الذكر منهم ابا و البنت منهم اما و ليس هنالك اي شخص ذو تأثير أو سلطة يتطلعون اليه لا تنطبق عليه هذه المواصفات، و عندما كنت احاول أن احدثهم عن من انا و كيف وصلت الي أن اكون طالب دكتوراة ادركت حينها انني كنت اتحرك في فضاء مفاهيمي مغاير تماما من حيث معني و مفهوم القيمة في مسيرة حياتي مقارنة بهؤلاء المراهقين. الأهم هو أن جل التدخلات التي كانت تصمم بواسطة برامج حكومية و منظمات غير حكومية لمعالجة مشاكل الاحداث من الهروب و الادمان و التسرب من التعليم و الحمل المبكر كانت لا تستوعب الفضاء الاجتماعي الذي يتحرك فيه المراهقين حيث تتم صناعة المعاني و من ثم فكرة القيمة او ما يعرف بالصناعة الاجتماعية للمعاني Social Construction of Meaning و لذلك كانت هذه التدخلات دائما ما تنتهي بتأثيرات محدودة و توصم بانها عقدة الرجل الابيض الذي يرغب في لعب دور المنقذ او الmessiah و ربما تكفيرا عن ذنوب العبودية ونظام السيادة للبيض و امتيازاته او توصم بانها دليل علي ادعاء الرجل الابيض علي فهم مشاكل المجتمعات الاخري اكثر من اهلها، و في كل الاحوال يكون عائد التدخلات محدود لاسباب تتعلق بسوء تعريف المشكلة و فرض قوالب مفاهيمية علي الفضاء الذي تتخلق فيه.

الثورة السودانية الآن في عامها الرابع مازالت تتخلق و تنضج في خطابها و تصوراتها عن العالم الا أن الأمر الذي لا لبس فيه هو دور الحراك الثوري في اعادة صناعة المعاني و تغيير معني و مفهوم القيمة الاجتماعية، ففكرة ان يولد الطفل و ان يكون صالحا و نبيها و يجيد التحصيل في المدرسة وصولا الي الجامعة و من ثم البحث عن وظيفة بعائد جيد و من ثم تكوين اسرة و بعدها الحج و الصلاح و الي آخر السردية الاجتماعية لفكرة القيمة لم تعد محل تحد و حسب بل أن الفعل الثوري قلبها راسا علي عقب و بمبررات مادية موضوعية و اخري ميثولوجية، اذ لابد لأي ثورة بعض من الاسطرة. الموضوعي يكمن في أن لا التعليم و لا العمل و لا غيرها من تمظهرات الحياة المدنية (الغائبة) في السودان عادت تعني ما كانت تعنيه، فغالبية خريجي الجامعات لا يحملون مهارات يمكن وصفها بشكل محدد، بل من الصعب القول بأنهم يجيدون مهارات محددة لها قيمة في سوق العمل الزابل، هذه النتيجة تقود الي محصلة واحدة أن فائدة التعليم الجامعي ليس في تحسين فرص الترقي الاجتماعي و العبور الطبقي بل في أن للعلم قيمة في حد ذاته وهذه الخلاصات النبيلة عادة ما تتراجع أمام دحر الواقع المادي. الجانب الاسطوري لفكرة القيمة هي الاعتقاد و اليقين في أن هنالك فعل ثوري خارق سيمكّن من تغيير هذا الوقع الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي هكذا و بضربة قاضية في احدي جولات الثورة و أن هذه الضربة موجودة و ما علينا الا العمل المستمر حتي نجدها.

الشاهد أن ردم الهوة بين تصورات من يسمون انفسهم بالعقلانيين المعتدلين الذي يصرون علي ربط اي فعل بنتيجة ومن ثم يخلصون الي أن الفعل الثوي وحده سوف لن يحدث التغيير و لابد من عمل سياسي، بما قد يشمل تفاوص و مساومة و ربما شراكة بصيغة جديدة، و هو افتراض سليم في الفضاء المعرفي الذي تتحرك فيه هذه القوي، أما الفضاء الآخر الذي تتحرك فيه قطاعات كبيرة من قوي الثورة ( جذرية و غير جذرية) يكاد يكون في حالة تضاد مع تصورات من يوصفون بالعقلانيين المعتدلين، ففي فضاء هؤلاء تمت صناعة معاني جديدة للحياة و للقيمة، و الفرضيات التي تنطلق منها سردية المعتدليين، من أنه لا يمكن هزيمة انقلاب مسلح بحراك سلمي و أن الدولة هشة و ايلة للانهيار و ان انسداد الافق حتما سيقود الي تغيرات لا يمكن السيطرة علي نتائجها اذ ليس من المنطق بقاء الاشياء علي ما هي عليه، لا تعني نفس الاشياء للقوي الثورية الاخري الرافضة للحوار و التفاوض، ففي تصور بعضها أن القبول بالحوار هو اعطاء شرعية من قوي الثورة لمن يضع يده علي السلطة بقوة السلاح و أن التفاوض هو لا محالة سينتج حلول وسطي ستعتمد درجة جودتها علي شروط التفاوض و آلياته و مخرجاته و مدي قدرة كل طرف في حشد و حصد العوامل الحاسمة في تغيير معادلة توازن الضعف الحاكمة.

الخلاصة أن ردم الهوة بين هذين المعسكرين في قوي الثورة تماثل فكرة التدخلات التي كانت تقوم بها بعض الحكومات و المنظمات و هي اشبه بمحاولة انقاذ الانسان من حياته، في تقديري المدخل الصحيح هو فهم الشروط الموضوعية التي جعلت بعض قوي الثورة تعيد صناعة المعاني في فضاء معرفي آخر و بالضرورة القيمة، الي درجة أن فرضيات الطرف الآخر لا تكاد تعني شيء في ظل حالة اسطرة الثورة و ضربتها القاضية القادمة، الدخول في مثل هذه الحوارات بعمق و موضوعية و حسن نية هو ما سيمكننا من ردم الهوة في فهم و توصيف الواقع ليس الصراخ و الاحكام المستعجلة.

اهدي هذا المقال الي روح الصديق نصر الدين الرشيد فاليوم يعادل الذكري الرابعة و العشرين علي استشهاده ابان حقبة التجمع الوطني الديمقراطي و مازالت روحه تحلق فوقنا و احلامه تمشي بيننا في ثنايا هتافاتنا.

بكري الجاك
10 يونيو 2022

‫شاهد أيضًا‬

موجهات لمليونية 30 يونيو

الخرطوم – الشاهد: تداول ناشطون ما سموه بديهيّات للأغلبية ” بس لتنبيه من يحتاج،…