‫الرئيسية‬ آخر الأخبار قريبا من السياسة: الاستاذ ابو الأمين والبحث عن التفوق و مأزق الاتقان و التجويد في بلاد السودان
آخر الأخبار - يوليو 16, 2022

قريبا من السياسة: الاستاذ ابو الأمين والبحث عن التفوق و مأزق الاتقان و التجويد في بلاد السودان

بكري الجاك:

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي و في عام 1982 بالتحديد نشر كل من Tom Peters و Robert Waterman JR ( توم بيتر و روبرت وترمان) كتابهما In Search for Excellence و الذي يمكن ترجمته ” في البحث عن التفوق” و في الفترة ما بين عامي 1989 و 2006 اعتبر هذا الكتاب الاكثر رواجا في الولايات المتحدة الامريكية. و الكتاب في جوهره هو عن علم الادارة، و علي النقيض من موضة الثمانينات حينما كانت الشركات الامريكية تعمل علي دراسة و تقليد نظم الادارة في الشركات اليابانية كوسيلة لتوطين الاتقان و التجويد في طرق عملها، ذهب الكاتبان منحي مغاير بالتركيز علي الشركات الاميريكية لاستخلاص العبر و الدروس من اسباب نجاحها و تفوقها. كتاب في البحث عن التفوق اصبح من الكلاسيكيات في مجال علم الادارة و الجودة بتقديمه وصفة سحرية يمكن تقليدها بواسطة كل الراغبين، و الكتاب مقسم الي عدة اقسام حيث شمل القسم الاول المدخل و المنهج، و القسم الثاني التوجه الفلسفي والفكري، و القسم الثالث احتوي علي ثمانية وصفات للتفوق شملت 1) الميول للفعل، 2) تقريب العملاء و الزبائن، 3) التميًز بالاستقلال و الريادة، 4) التركيز علي زيادة الانتاجية برفع كفاءة العمال، 5) خلق القيمة كأولوية للتنفيذيين، 6) الاستمرار فيما تجيده الشركة، 7) تبسيط نظم الادارة بتقصير الظل الاداري، 8) التوازن ما بين الصرامة و التساهل وسط العاملين من اجل خلق القيمة. في البحث عن التفوق صار هو الكتاب الذي اسس لما عرف لاحقا بال Best Practices اي الطرق المثلي في كل المجالات من تسويق و طرق ادارة المستشفيات حيث أصبح لكل مهنة كتاب عن ما يسمي بالطرق المثلي لممارسة المهنة.

هذه المقدمة مهمة لفهم أن الاشاء (كل الاشياء) في شتي مناحي الحياة من سياسة و اجتماع و اقتصاد يجب أن لا تؤتي أو توخذ كخبط عشواء و حسب مزاج الفاعل السياسي أو الاجتماعي في اي سياق كان سواء كان في صناعة الطعام او في الغناء او في ادارة الدولة او في اي جهاز من اجهزة الخدمة المدنية، بل الطبيعي ان يكون هنالك منهج قائم علي السعي الي تطبيق الطرق المثلي للتفوق و النجاح. من بعض ما يزعج و يخيف في بلادنا اليوم هو أننا تصالحنا مع القبح في كل شيء وبدأنا في توطين انفسنا علي القبول بالسوء، و لعمري هذا هو بالضبط ما يؤسس لنظام الرداءة و البؤس في كل منحي. تقليل سقف التوقعات في كل شيء من عمل جهاز الدولة و طريقة عمل البنوك و الي المطاعم واتساخها هو ما يقنن لاستمرار الرداءة و السوء اجتماعيا و يؤسس لمقبوليته و من ثم التعاطي معه كأمر عادي. هذه العادية في التعامل مع القبح تتسيد المشهد في السياسة و في الاجتماع والتجارة و الاقتصاد و كل مناحي الحياة، الأدهي و الأمر أن ابسط مبدأ في الاقتصاد “السعر” الذي هو الوسيلة التي تعكس وتنظم العلاقة بين العرض و الطلب لا يوجد له معني حقيقي في جل التعاملات الاقتصادية في السودان، عادة السعر يتم تحديدة بواسطة معادلة بسيطة تقوم علي اساس حساب الكلفة الكلية و اضافة هامش ربح و كلما زاد هامش الربح كلما زادت ربحية المنتج اذا توفرت له الاسواق و استمر الطلب علي السلعة، لا يوجد منطق للاسعار لجل السلع في بلادنا و ليس لهذا علاقة بتشوهات الاقتصاد الكلي فحسب بل هو انعكاس للتشوهات السياسواجتماعية التي ضربت الحياة في بلاد السودان.

اعلاه هو تمهيد للحديث أن اساس التفوق هو الاتقان و التجويد، وهذه لعمري من النوادر في حالنا الماثل المائل، و اذا اردنا ان نقدم نماذج عن هذه النوادر فبلا شك سيكون الاستاذ محمد الأمين في نظري نموذج لهذا الاتقان و التجويد في حرفته بغض النظر عن كيفية تقييم تجربته الثرة وزائقته الفنية وتأثيره الفني، فهذا مجال يمكن أن يتبحر فيه دارسي الموسيقي والصوت، اما انا فيعنيني في هذا المقام مبدأ الاتقان و التجويد. بالأمس حظيت ( و كم كنت أمني نفسي في سنوات الغربة بهذه اللحظة) بحضور حفل للاستاذ محمد الأمين بالمسرح القومي بأم درمان و برغم أن هذا ليس بالحفل الاول و لا الثاني الذي احضره للاستاذ، الا أن اكثر ما شد انتباهي بعد أن ذبت طربا و وصلت الي ذروة المتعة الفنية و بعد أن شكرت تعاون المطر بعدم الهطول كثيفا حتي لا يفسد علينا المشهد هو استمرار الاستاذ كعادته في تجويد صنعته بدربة و حرفة و دراية و حب بدءا من مظهره بكامل بهاءه من الحذاء الناصع الي ربطة العنق المميزة. هذا ليس بالأمر الهين يا سادتي أن تقوم بهذا العمل بهذه الدقة وبهذا التجويد و الاتقان و بهذا الحب لاكثر من نصف قرن، فالدارج عندنا أن المطعم عادة ما يقدم أكل جيد و يهتم بالنظافة لحين خلق اسم و بعدها ستتراجع الجودة وتتبعها معايير النظافة، و ربما هذا صحيح في الكثير من المناحي فكما قيل ربما من الممكن الوصول لي القمة و لكن من الصعب البقاء في القمة و هذا جوهر فكرة البحث عن التفوق لانه أمر يتطلب البحث علي الدوام و هذا ما لا تجيده الغالبية من الشركات و الاعمال من صناعة الدندرمة الي خطوط الطيران.

خلاصة القول أن البحث عن التفوق ليس له معادلة واحدة ثابتة كما يحاول البعض تبسيطه في كليشيهات التنمية البشرية و صناعة وهم النجاح و كما تتم محاولة اعادة انتاجه فيما يسمي بالطرق المثلي لممارسة المهن، لكنه أمر يتطلب التجويد و الاتقان و الاستمرار في التعلم و البقاء في حالة يقظة و استعداد للرؤية من زوايا مختلفة و من ثم القبول بفكرة أن اي شيء يمكن تطويره و تحسينه حتي في قمة نجاحه. في تقديري كل هذه الشروط هي بالفطرة لا تنسجم مع المخيال الاجتماعي السائد لانسان السودان و تصوراته الكثيرة الزائفة عن حكمته و براعته و اعتداده بذاته بل حتي في فهم ماهية النجاح في حد ذاته. و في بلد تراجع فيها كل شيء و اصبح تقليل سقف التوقعات هو الطريقة الوحيدة للحفاظ علي السلامة النفسية، اعتقد أنه من الصواب الاحتفاء بتجربة الاستاذ محمد الأمين، بل و ربما حتي النظر في شروط انتاجها في هذا الواقع الذي لا يجيد فيه السياسي حرفته و لا حتي اي مهنة يمكن ان يشار اليها بأنها من الاشياء التي يتقنها الناس في هذا البلد سوي كثير الكلام ان كانت هذه مهنة، فسوء التشطيب و قبح البناء و غيرها من اوجه الرداءة ماثلة امامنا صباح مساء. و في هذا المقام ليس لي الا أن اشكر الاستاذ محمد الأمين في استمراره للبحث عن التفوق متمنيا له مديد العمر و دوام الصحة، وربما هذه الثورة هي التي ستنهي علاقتنا بالقبول بالقبح و السوء و للاستاذ في ذلك باع طويل في تشكيل وجداننا الثوري،فهلا تدبرنا في كيفية اتقان و تجويد فعلنا الثوري و تنظيمه بعيدا عن الهتاف والشوفينيه و ادعاء امتلاك الحقيقة.

بكري الجاك
15 يوليو 2022

‫شاهد أيضًا‬

الاضية زكريا تنضم الى الميثاق الثوري لسلطة الشعب

الاضية زكريا – الشاهد: عن لجان مقاومة الاضية زكريا صدر بيان فيما يلي نصه : الظالمون …