‫الرئيسية‬ آخر الأخبار الذهب ولعنة المحصول النقدي في السودان (2-2)
آخر الأخبار - سبتمبر 9, 2022

الذهب ولعنة المحصول النقدي في السودان (2-2)

عبد الله علي إبراهيم:

استكمل هنا الحديث عن كيف جرت المحصولات النقدية مثل القطن والنفط ويلات آثارها الجانبية على “الأهالي” (natives). وقصدت بقولي “الأهالي”، وهي تسمية المستعمرين لسكان مستعمرتهم، أن الصفوة الحاكمة، وغلبت الحركة الإسلامية في الحكم، كانت استعمارية بمعنى أنها أرادت تعمير الأرض لصالحها والأهالي “تقرض”. بل ربما كانت الصفوة السودانية الحاكمة أكثر شراً وشرهاً من الإنجليز الذين تداركوا البلهارسيا الناجمة عن القطن بمصلحة طبية تداركت آثارها نوعاً ما. فالمستعمر، في قول سيسل رودس الذي تسمت به روديسيا الشمالية والجنوبية، يريد أرضاً يعمرها ويشتهي أن يخلو منها السكان بالمرة. فصفوتنا في الحكم سعت لتعمير بائس لمواردنا بغير تدارك لنازلات هذا التعمير على الناس. فهم زائدة ديمغرافية لا غير
وحديثنا الأخير عن التعدين للذهب. وأزكي للقارئ أن يطلع على تحقيق لاحق لبهاء الدين عيسى في هذه الجريدة (7 سبتمبر الجاري) عن سلطان شركات تعدين الذهب في صواردة ودار المحس وطأطأة سلطات التعدين الحكومية لها.

وجاء الذهب كمحصول نقدي بعد انفصال جنوب السودان في 2011 انفصالاً ذهبت به جل صناعة النفط للدولة الوليدة. واستشرى التعدين الأهلي منه والرأسمالي استشراء عمت أخطار صناعته البلد. فالتعدين قائم في 13 ولاية من أصل 16 ولاية. وتعمل فيه 60 شركة منها 15 في جنوب كردفان وحده حسب إحصائيات 2017، ونحو 10 مليون معدن أهلي معروفين ب”الدهابة” في 40 ألف موقع في أنحاء القطر. وربما كان إحصاء المعدنيين الأهليين مجازفاً. ولكن جاء عن تجمع المعدنيين الأهليين بالولاية الشمالية أن عددهم بالولاية وحدها مليون معدن من كافة أرجاء القطر.
التعدين في السودان حالة وبائية مكتملة الأركان، أو “قنبلة موقوتة” كما وصفها أحدهم.
فلاستخلاص الذهب من الحجر يستخدمون الزئبق والساينايد والثيوريا. وكلها معادن عالية السمية. ويحصل المعدن باستخدام الزئبق على أربعين في المية من الذهب من عروقه في الحجر. ويبيع الدهابي النفايات التي حصل منها على ذهبه، وتعرف ب”الكرتة”، مشبعة بالزئبق لشركة لتستخلص الستين في المية باستعمال مزيد من الزئبق والسانيايد. ويستعملون في هذا الاستخلاص آلة تعرف ب”الغسالة” تدور بالكهرباء والمياه. ويدلق الدهابة ماء غسالاتهم حيث هم مع أطنان من الكرتة. وليس صعباً بالطبع تصور المسارب التي تتخذها هذه السميات في البيئة من حولها.
لم يتأخر المجتمع المدني عن الوقوف ضد شركات الذهب للأضرار التي أصابت الناس من مخلفاتها. ففي عام 2017 وحده احتجت جماعة في ولاية جنوب كردفان على إخفاء شركة ذهب بالمنطقة نتائج الفحص المعملي لنفوق حيواناتهم، وتسمم التربة تسمماَ يضر باقتصادهم في الثروة الحيوانية والصمغ العربي. وتلقت لجنة مناصرة البيئة في الخرطوم شكاوى من بلدتي سودري في ولاية شمال كردفان وصواردة في الولاية الشمالية عن بلوى شركات للذهب بمناطقهم. وفي نفس العام رفض شباب قرية إنشاء مصنع لاستخلاص الذهب وطالبوا بتفكيكه. وامتد الخلاف حول قيام هذه الشركات لأهل المناطق نفسهم. فوقع إطلاق نار في بلدة أبو جبيهة بجنوب كردفان بين معارضين لمصنع ذهب ومؤيدين له انتهى بمقتل اثنين وجرح آخرين. ووقفت بادية الكبابيش بشمال كردفان ضد مصنع آخر للذهب حرصاً ألا يستهلك مخزون ماء آبارهم السطحية علاوة على تسميم أنعامهم. وأوقف جماعة في شمال دارفور في 2018 قيام مصنع قريب من مورد ماء رئيسي لست عشر قرية خشيت من حجم استخدامه للماء. وبلغ الخلاف حوله المجلس النيابي الإقليمي. وظلت وتيرة الاحتجاجات على شركات تعدين الذهب في تصاعد منذها. فأصدرت لجنة أبناء أبو جبيهة في الخرطوم والمهجر بياناً في يونيو 2022 تحتج على تسرب مواد الزئبق والساينايد لمياه المدينة. وأحتج أهل مدينة أبو حمد بولاية نهر النيل على وجود عشرين شركة بينهم. واعتصموا مطالبين بإبعادها بعد اكتشاف حالات تشوه في الأجنة وارتفاع المصابين بسرطانات الدم وتزايد حالات الإجهاض.
ولن تقتصر أضرار التعدين الذهب واستخلاصه على مجتمعات محلية هنا وهناك. فدق الصحافي علي ميرغني في جريدة “التيار” جرس الخطر منذ أيام من أن الكارثة بسبيلها أن تصبح وطنية بل إقليمية. فوقف على تسرب مادة الزئبق والساينايد إلى مياه نهر عطبرة في ولاية النيل. وهو النهر الذي يصب في نهر النيل على مسافة خمسين كيلومتر منه. فزار وادي الحلقي بأعلى النهر الذي لم يعد أهلها يشربون من ماء النهر مطلقاً من فرط اختلاطه بمخلفات تعدين الذهب. وكان الدهابة لاذوا بالوادي بعد أن لاحقتهم سلطات الولاية ومنعتهم من استخدام “الغسالات” في أحياء المدن والقرى بضغط من اللجنة السودانية لحماية البيئة. ولما اشتد الحصار عليهم لجأوا إلى وادي الحلقي بنهر عطبرة لبعده ولتوفر الماء والكهرباء به.
وتلقى معارضة التعدين مقاومة من الدهابة أكثر من الدولة. فرأينا كيف انفجر خلاف بين مؤيد لشركة تعدين ومعارض راح ضحايا بأثره. وبلغ الدهابة في وادي الحلقي من القوة نجحوا بها من استبعاد عناصر من قيادة جمعية حماية البيئة. ولا يصدر الدهابة عن جهل بأخطار صناعتهم عليهم وعلى غيرهم ولكن لسان حالهم “نموت نموت شبعانين خير من الموت جوعى”.
غير خاف أن لعنة المحصول النقدي مزدوجة على المواطنين. فعائد هذا المحصول مثل الذهب مهدر بالتهريب والفساد كما بين تقرير السي إن إن. ومن جهة أخرى، فآثاره، التي لا تتلافاها حكومة ساهرة على وظائفها، مدمرة لبيئتهم فصحتهم.

‫شاهد أيضًا‬

49 إصابة في مليونية 29 سبتمبر من بينها 29 إصابة مباشرة بالغاز المسيل للدموع

الخرطوم – الشاهد: عن رابطة الأطباء الإشتراكيين صدر تقرير ميداني فيما يلي نصه: سجلت م…