‫الرئيسية‬ آخر الأخبار مقيل سبت: في محبة محمد ميرغني.. يجده بخير
آخر الأخبار - سبتمبر 11, 2022

مقيل سبت: في محبة محمد ميرغني.. يجده بخير

البراق النذير:

إذا كانت الحقيبة هي مخزن الأناتيك العتيقة وصندوق الجواهر ذات الأثمان الباهظة، فمحمد ميرغني (ميرغني محمد ابن عوف مجدوب) هو الواهب الأعظم والمانح المجواد للأغنيات المستفة بالبوح الجريء واللحون الشجية والكلمات المشحونة بالزمكان بقيمتهما المتصلة لا المنفصلة.
أنظر للشوق في أغنيات محمد ميرغني الذي يتبدى ليس في الكلمات فحسب، بل في حركة الجسد لديه وعند وقوفه في المسرح، خاصة في إغماض العيون وحركة الأصابع المضمومة بلا تكلف مع بعضها، وفي حركة اليدين حيث تنحوان بتواتر محموم تجاه الصدر مرة وتجاه الميكرفون مرة أخرى:
اشتقت ليك ساعة المسا
فرد الجناح ولملم مصابيح النهار
فالكاتب هنا (اسماعيل حسن) أشار للوقت الذي ثار فيه الشوق (ساعة المسا) لكنه لم يغفل المكان لا في صورته المستترة:
والكون شرب لون الجراح
والعتمة نامت في الدروب
والليل لبس أجمل وشاح
في اللحظة ديك
اشتقت ليك
واحتجت ليك

كما لم يغفله كذلك في صورته المحسوسة:

كايس مجيك وداير أجيك

أنظر إليه كذلك، أي الشوق، في أغنية (أنا والأشواق) للسر دوليب:
في بعدك بقينا اكتر من قرايب
ما بنغيب عن بعض أبداً
زي أعز اتنين حبايب
هنا يستثير الكاتب غيرة المحبوب بأسلوب بديع لم يسبق أن ورد على هذه الشاكلة في شعر متاح حسبما أظن، فلولا كلمة(زي) التي ترد هنا بمعنى التشبيه لا التماثل، لأصبحت رسالة الكاتب للمحبوب بلا جدوى، إذ ستبدو وكأنها خطاب عبور لضفة أخرى غير ضفة المحبوب، خاصة عندما تسرح في نواحي القصيدة فتجد الشوق يُخاطب كاتب الرسالة وكأنه هو ذاته- الشوق- منافس مهيأ ليصبح بديلاً يحاول دق إسفين بينه وبين المحبوب:
وشوقي قال لي مستحيل
مرة يتحقق مرادي
وبرغم أن الشاعر ألمح إلى أن الشوق هو الأوفر حظاً في نيل المراد في المقطع: وشوقي أبلغ من غناي.. إلا أنه بما أكده في الختام أفشى للمحبوب (المرسل إليه) سر الرسالة، كونه لا يزال على العهد بالمحبة فها هو ينتظر منه الرد على مكتوبه:
وقبل ما أختم سلامى
بتمنى لو ردك يجيني
وهنا يصبح توخي الرد، المطوي في ظرف الزمان، مظهر من مظاهر هزيمة الشوق الذي لن يفتأ يصارع كي يحل في مكانٍ تقديره التمني المستحيل لا الرجاء الممكن، ما يفتح الباب أمام معركة أخرى قادمة ساحتها الانتظار.
ذات أمر الشوق المنطبق على التخيُّل لدى محمد ميرغني، يظهر بشدة في تباريح الهوى لتجاني حاج موسى:
وتبقى صورتك هي الرؤى الحلوة البعيشا
في صحوتي أو حتى في عز المنام
ففي بادرة المقطع الذي سبقه يؤكد النص أن البعد المكاني لم يكن هو العامل الوحيد في استحالة ترك المحبوب، بل طول النوى كان هو العامل الأكثر مضاء، أي البعد الزماني، ورغم أن العبارة (طال بي النوى) في أصلها تغمز للتباعد المكاني، إلا أنها بتركيبتها تلك ويا لبلاغتها، عنت الأمد الزماني:
وبعدت عنك ولما طال بي النوى بقا لي أسيبك مستحيل
ذات الارتباط بين الزمان والمكان تجده في أغنية (عاطفة وحنان يا ناس)، فالشاعر محمد عبد القادر ابو شورة كتب:
ضمتنا جلسة ريد
نستنا دنيا الناس
ما شفنا فيها ملل
ولا طاف علينا نعاس
فهنا ضم المكان المحبوب ومحبوبه، حتى أنهما لم يشعرا بالوقت/الزمان، وبذات النمط تسير القصيدة في تأرجح بين الزمان والمكان في تبادل عجيب.. حتى تصل في ذروتها إلى:
أدينا حق العين
وشوق السنين ارتاح..
شوف كيف؟!
على أننا لو واصلنا في متابعة خيوط اختيارات محمد ميرغني، سنجدها بتلاوينها وتداخلاتها المتينة، وبفرط ما تصنعه من حُلل، ستستر الكثير من العوار الفني والغنائي، ليس بالشوق وحده، بل بالتخيل والتذكر والرجاء والشكوى والصبر والحنين… الخ.
محمد ميرغني لم يقف عند شاعر أو ملحن واحد بل صال وجال بين إسماعيل حسن وتجاني حاج موسى والسر دوليب وقدور وآخرين، كما غنى من ألحان حسن بابكر والسني الضوي ومحمد سراج والعاقب محمد الحسن وغيرهم.
علاوة على ذلك فإن محمد ميرغني حسب زعمي الخاص، هو من الفنانين القلائل الذين تستلف الحناجر أغنياتهم بدون محاذير، وقد بدأ ذلك منذ مصطفى سيد أحمد وعبوراً بعصام محمد نور وشمت محمد نور ومحمود عبد العزيز وغيرهم من الفنانين الذين رغم انتاجهم الخاص والغزير في بعض الأحيان، لم يستنكفوا الرشف من معين محمد ميرغني المنساح.
محمد ميرغني ملك الشوق بلا منازع، فهو باختياراته الباذخة، منح هذه المفردة ألقاً والعبارات المتصلة بها توهجاً، وهو بتنويعه الفريد بين الشعراء وبانتقائه الذكي اللماح للألحان، وبصوته الشجي المتفرد الذي يطلقه بلا تصنُّع استطاع تجذير المعنوي في قلب المحسوس بلا مواربة.

‫شاهد أيضًا‬

49 إصابة في مليونية 29 سبتمبر من بينها 29 إصابة مباشرة بالغاز المسيل للدموع

الخرطوم – الشاهد: عن رابطة الأطباء الإشتراكيين صدر تقرير ميداني فيما يلي نصه: سجلت م…