‫الرئيسية‬ آخر الأخبار مفاكرات عن الثورة السودانية و قضايا الحكم المحلي
آخر الأخبار - سبتمبر 11, 2022

مفاكرات عن الثورة السودانية و قضايا الحكم المحلي

بكري الجاك:

اليوم و في أبهي ما يكون و في صباح ماطر هنا في ضاحية صغيرة في ولاية نيويوك بالولايات المتحدة الامريكية، مثلما في مناطق اخري كثيرة من العالم في مثل هذا التوقيت من كل عام، اتاح لي الزمن مرة أخري أن اشهد عمليا احدي اجمل تجليات التطبيق العملي لفكرة الحكم المحلي. الذاتي في القصة انني و بعد أن اكرمني الخالق بنعمة الابوة فقد سعدت اليوم و انا انظر الي ابني ايلاي يخطو اولي خطواته في السلم التعليمي و يعتلي بص الترحيل لوحده تحفه دعواتنا و امنياتنا بمسيرة عامرة في الحياة، و لكل أب و أم بيولوحيا كان او بالرعاية أن تري صغيرك او صغيرتك لاول مرة ذاهب او ذاهبة لمقابلة الكون لوحده لهو أمر عظيم علي النفس. الشاهد أن تجمع الاسر وهي في انتظار بص الترحيل شكل اعظم مقاربة في ذهني و اكثر تطبيق عملي لكل الكتب و المقالات التي قرأتها و التي كتبتها من قبل، فقضايا الحكم المحلي ليست قضايا نظرية او قضايا مجردة و حكر للطبقة السياسية لتتجادل حول الدستور و كيفية تنظيم المجتمع. في المخيال الشعبي الامريكي هنالك مقولة رائجة لكنها ذات دلالة معرفية و رجاحة عملية بالغة و هي All Politics are local اي ان كل قضايا السياسة هي قضايا محلية، و المعني هنا أن أهم ما يحتاجه الانسان في حركته اليومية و امور حياته من شاكلة: سلامة الطرقات العامة، جودة شبكات الصرف الصحي، طرق تصريف مياه الامطار، صلاحية مياه الشرب، الأمن و السلامة العامة، المدارس و جودة التعليم، و غيرها الكثير هي قضايا محلية بامتياز تتداخل و تتقاطع مع قضايا سياساتية عامة لكنها بالاساس ما يهتم به الناس اولا. فما ما علاقة ما شهدت اليوم بالثورة السودانية؟

منذ اكثر من عامين و ابان الحكومة الانتقالية لاحظت اهتمام وسط الفاعلين السياسيين خصوصا من الشباب غير مسبوق بقضايا الحكم المحلي و تتبعت الكثير من الحوارات و الكتابات حول هذا الموضوع، و كانت ملاحظاتي و مازالت في بعض جوانبها انني اري قصورا نظريا و معرفيا في كيفية تعاطي الناس مع قضايا الحكم المحلي و الحديث حولها، هذا من واقع تدريسي لمادة الحكومات المحلية في السابق في برنامج الماجستير لطلاب السياسة العامة و الادراة. هذه الملاحظات يمكن أن الخصها في شقين.

الشق الاول هو الكتابات التي حاولت أن تجنح الي توصيف الحكم المحلي في السودان من منظور تاريخي، و للعلم السودان حكم بقوانين حكم محلي حديثة يمكن ارجاعها لقانون 1910 و قانون 1937 و قانون 1951 و من ثم قانون ابورنات عام 1961 و بعده قانون 1971 و لاحقا الانقاذ أتت بقوانين و تغييرات اصبح من الصعب حتي فهم كيفية تنظيمها و اشتغالها لما خلقته و تخلقه من تضارب الصلاحيات و المهام بين مستويات الحكم المختلفة. الشاهد أن الكتابات الجادة و النقاش الذي يدور حول هذه القوانين لم يغادر محطة التفاصيل عن أن قانون 1937 اعطي الادارات الاهلية صلاحيات حكم و تدخل قضايا الاراضي أو ان قانون 1951 انشأ المجالس البلدية و الريفية و قانون ابورنات سمح للبلديات و حكومات الاقاليم أن تتمتع بصلاحيات أوسع بما في ذلك التفكير في موارد مستقلة، و علي ذلك المنوال تسير النقاشات.

الغائب في مثل هذه الحوارات هو الحديث عن اصل السلطة. فالدولة السودانية الحديثة منذ بدايات تشكلها في عام 1821 كانت و مازالت مركزية في عقلها السياسي و في طريقة تنظيمها و ادراتها، و حتي المحاولات التي طرح فيها سؤال مركزية الدولة كما في مؤتمر جوبا في يوينو من عام 1947 أو في مؤتمر المائدة المستديرة في عام 1965 او في تجربة الحكم الاقليمي الخاص بجنوب السودان في اعقاب توقيع اتفاقية اديس ابابا للسلام في عام 1972 ، لم تقدم اجابات حقيقية و موضوعية عن طبيعة الدولة اللامركزية التي يسعي اليها الناس. فحتي هذه اللحظة يتحدث الناس عن دولة لا مركزية و لكنهم يقفون عند هذا الحد في التوصيف، هذا مع العلم أن اللامركزية تشمل في اقصي نظمها الكونفدرالية كنظام لا يعطي الاقاليم الحق فقط في تحديد نظم الحكم و الادارة وحصر صلاحيات الحكومة المركزية فقط في الامن و الدفاع، العملة و البنك المركزي، العلاقات الخارجية، و الاتفاقيات الدولية، و لاحقا قضايا الهجرة و التجنيس، بل يعطي اي من الاقاليم حق الانفصال متي ما قرر مواطنو الاقليم ذلك دون حاجة الي استفتاء بقية الاقاليم. كما تشمل اللامركزية ايضا النظام الفيدرالي الذي يحلم به الناس في السودان نظريا، و لكن كل التطبيقات لم تقترب باي حال من طبيعة النظم الفيدارالية التي مثلها و الكونفدرالية تضع اصل السلطة عند الناس وفي اقاليمهم و هذا يعني انه باستثناء المهام الخمسة (الامن و الدفاع، العملة الوطنية و البنك المركزي، العلاقات خارجية، الاتفاقيات الدولية، الهجرة و التجنيس) الموكلة للحكومة الفيدرالية تصبح كل قضايا الحكم الاخري من تعليم و صحة و شرطة و زراعة و رعي و خلافه قضايا متروكة للحكم المحلي، و المشترك بين الكونفيدرالية و الفيدرالية أن اصل السلطة هو في الاقاليم و أن الاقاليم ليس لها صلاحيات و حسب بل لها الحق في خلق الموارد عبر الاقتراض و الاستثمار و سلطة فرض الضرائب و الحصول علي نصيب مقدر في الكثير من الموارد المحلية حسب الترتيبات مع الحكومة المركزية. ما كان يحدث في السودان في كل محاولات الحكم اللامركزي هو ما يعرف ب decentralization by devolving of powers اي نظام لامركزي قائم علي توزيع القوة و الصلاحيات التي في الاصل هي في يد حكومة مركزية و تتنازل عن بعض من هذه الصلاحيات لصالح حكومة الولاية التي بدورها تتنازل عن بعض الصلاحيات لحكومة المحلية و هكذا الي اللجنة الشعبية، الا أن اصل السلطة في يد الحكومة المركزية و بامكانها استرجاع هذه السلطة متي رغبت. الأدهي و الأمر أن هذا النظام المسمي لا مركزي حتي في تطبيقه كان عبارة عن فوضي و لم يتم تفصيل المهام و الصلاحيات فيه و ربط المسؤوليات بالتمويل فاصبحت المدارس بلا صيانة لانها مسؤولية المحليات و ليست وزارة التربية و التعليم و ظلت خزانة القروش في شارع النيل.

الشق الثاني من هذه الملاحظات هو التصورات المثالية عن أن مجرد معرفة الناس بانهم اصحاب السلطة و أن قضايا الحكم المحلي هي قضاياهم سيقومون بعمليات البناء القاعدي الذي سيكون بامكانه انهاء وضعية مركزية الدولة، و مشكلة هذه التصورات هي انها لا تأخذ في الاعتبار مستوي التعقيد الذي سيلازم عملية تركيب و بناء النظام الفيدرالي الذي سيناسب الدولة السودانية بعد تجربة حكم مركزية طويلة، فالدول التي نجحت في بناء انظمة فيدرالية فعالة مثل المانيا و امريكا واستراليا فعلت ذلك لانها بدأت كدويلات و اقاليم، كل حسب تطوره التاريخي، و لكن الذي حدث هو تنازل الولايات او الاقاليم عن جزء من سلطاتها لصالح سلطة مركزية. ما اسعدني في هذه الحوارات هو الجدية و المثابرة و الورش التي تقام في كل اسبوع بواسطة فاعلين في المجتمع المدني حول قضايا الحكم المحلي و مشاركة النساء و عن المشاركة السياسية بشكل عام، و قد سمح لي الوقت بالاسهام في العديد من هذه الفعاليات، و لعمري هذه بداية عظيمة للحوار و الحديث حول هذه القضايا لأننا لا محالة سنحتاج الي هذه المعارف و هذه المداخل في عمليات بناء الجمهورية الثانية و في اجازة الدستور الدائم وفي تخليق عقد اجتماعي يعطي فرصة لكل مكونات الدولة المنشودة ان تري نفسها في مشروع وطني.

خلاصة القول أننا في حاجة الي استعدال الحوار حول قضايا الحكم المحلي، و لا غضاضة في استصحاب التاريخ و القوانين التي لعبت دور في تشكيل ما نحن عليه الآن و لكننا يجب أن ننأي عن الانغماس في هذه القوانين او افتراض أن فهمها و المعرفة بها ستكون خير معين في التعاطي مع قضايا الحكم المحلي في سودان الراهن. الأهم من كل ذلك هو الوصول الي الناس في احياءهم ربوعهم و قراهم و حواكيرهم و التفاكر معهم عن الكيفية المثلي لادراة انفسهم و توظيف مورادهم و الطريقة التي يريدون بها أن تكون علاقتهم بالحكومة المركزية، و التفاكر معهم حول مهام الحكومة المركزية و كيفية تصويبها حين تخرج عن جادة الطريق، مثل هذه المفاكرات ستقودنا الي تجنب الوقوع في شراك العقل المركزي الذي يري انه يجب أن يكون لكل السودان منهج تعليمي واحد و امتحان شهادة سودانية واحد و اول شهادة سودانية واحد و غيرها من مخلفات العقل المركزي الذي ما زال يري ان اصل السلطة في الخرطوم و هي التي تمنح، هذا العقل يحتاج الي تفكيك و هدم معرفي.

‫شاهد أيضًا‬

49 إصابة في مليونية 29 سبتمبر من بينها 29 إصابة مباشرة بالغاز المسيل للدموع

الخرطوم – الشاهد: عن رابطة الأطباء الإشتراكيين صدر تقرير ميداني فيما يلي نصه: سجلت م…