‫الرئيسية‬ آخر الأخبار ملاحظات أولية حول مشروع الدستور الإنتقالي المنسوب للجنة تسيير نقابة المحامين
آخر الأخبار - سبتمبر 18, 2022

ملاحظات أولية حول مشروع الدستور الإنتقالي المنسوب للجنة تسيير نقابة المحامين

أحمد عثمان عمر:

يحاول البعض فصل مشروع الدستور الإنتقالي المنسوب للجنة تسيير نقابة المحامين والمثار حوله الكثير من اللغط، عن سياقه السياسي، والزعم بأنه مشروع صادر عن جهة مهنية محايدة. وأنه قد تضمن كل المبادئ والأحكام التي تخدم أهداف ثورة ديسمبر المجيدة و تسعى إلى تحقيقها. وهذا الأمر غير صحيح و مناف للحقيقة، لأن هذا المشروع أتى في سياق مشروع للتسوية السياسية له أنصاره و دعمه الدولي و الإقليمي، و هو يترجم موقفاً سياسياً معلناً لقوى الحرية و التغيير (قحت) في نفس الوقت، كما أنه يتلاقى و مسار نشاطات اللجنة الثلاثية للمجتمع الدولي ، و يلاقي قبولاً من زعيم الجنجويد كما نشر في الأسافير. و حتى لا نتهم بإطلاق القول على عواهنه، ننوه إلى ما توصلنا إليه حوله من ملاحظات فيما يلي:
من المعلوم أن ديباجة الدستور التوجيهية تكرس المبادئ العامة الأساسية للدستور و لصنع السياسات، و أنها أصبحت تلعب دوراً رئيسياً في تفسير الدستور ، و دوراً كاشفاً لطبيعة الموقف السياسي لمن يتصدى لمهمة صناعة الدستور. و بالنظر لديباجة المشروع ، نجد أنها نصت على أنها إستفادت من تجربة الفترة الإنتقالية التي أعقبت سقوط نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م! و هذا يفضح فهم من صاغ الوثيقة لماهية الفترة الإنتقالية التي لم يعرفها المشروع، و أيضاً لماهية السقوط. فإعتبار ما تم فترة إنتقالية، يعني أن سيطرة اللجنة الأمنية في وجود واجهة مدنية يعني سقوطاً ، كما يعني إنتقالاً في نفس الوقت. و الواقع هو أن سلطة اللجنة الأمنية كانت إمتداداً لسلطة إنقلاب القصر، و إستمراراً لنظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م، كرست لإحتواء الثورة بهدف تصفيتها. و تسمية هذه الفترة بالإنتقالية، هو إخفاء لشروط الإنتقال ، الذي يجب أن يكون مدنياً خالصاً، و لا يمكن أن يتم بالتحالف مع الذراع الأمني و العسكري الضارب للدولة الإستبدادية التي يزعم إسقاطها. و لهذا الإشارة إلي الفترة السابقة على أنها فترة إنتقالية، يعني تهديم مفهوم الإنتقال وهزيمته منذ مرحلة الديباجة، و إنتصار لقوى الحرية و التغيير (قحت) التي شاركت في هذه الفترة، و ساهمت في إحتواء الثورة، و التمهيد لتصفيتها، مما يكذب إدعاء مهنية هذا المشروع و حياديته، و يؤكد صدوره من قوى سياسية بعينها.
نصت الديباجة على أنها قد إستلهمت مواثيق لجان المقاومة التي بنيت على مشاورات قاعدية واسعة في كافة بقاع السودان، و استصحبت كافة المبادرات التي تقدمت بها قوى الثورة بمختلف فصائلها. و بما أنها لم تعرف قوى الثورة، و بما أن القوى التي تعتبرها (قحت) وفقاً لتصريحات قياداتها التي أسست لشراكة الدم تشمل عسكريي و أمنيي نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م، و بما أن تصورات هذه القوى متعارضة، و حتى مواثيق لجان المقاومة بها إختلافات كبيرة، يصبح هذا الادعاء في أحسن أحواله غير صحيح. فالديباجة – برغم أنها طويلة و لم تأخذ بنهج الديباجات القصيرة كالدستور الفرنسي مثلاً- نأت عن تعريف المصطلح السياسي و تحديد ملامح الموقف السياسي و الحديث عن شرعية ثورية و شرعية ديمقراطية متلازمتان هما عماد الفترة الإنتقالية، هرباً من إتخاذ موقف ثوري جذري يتناقض مع الموقف السياسي لقوى الحرية و التغيير (قحت).
الديباجة نصت على أنها تسعى لإرساء دعائم حكم مدني ديمقراطي يرسخ دولة المؤسسات و القانون، دون أن تميز مرحلة الإنتقال التي تشتمل على مرحلة هدم بالشرعية الثورية، تمهد للبناء بشرعية ديمقراطية، و دون أن تؤكد بأن دولة المؤسسات لا يمكن بناءها قبل تصفية مؤسسات نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م الأمنية و العسكرية و الاقتصادية و الإعلامية. و لا تكفي الإشارة إلى تفكيك دولة التمكين عن هذا الوضوح و المباشرة، لأن الوثيقة الدستورية المعيبة السابقة التي باعتها لنا نفس هذه القوى، كانت تشتمل على مبدأ التفكيك، و بقى النظام عبر قواه الأمنية و العسكرية المتمكنة و الحامية للتمكين. فعدم الوضوح منذ الديباجة، يعنى إمكانية للعودة إلى المربع السابق بكل تأكيد.
تنص الديباجة على إنفاذ القرارات المضمنة في سلام جوبا للسلام، و العمل على مراجعته بمشاركة حركات الكفاح المسلح!! و لا ندري كيف ستراجعه و هي قدمت إنفاذ قراراته. و ما فائدة المراجعة بعد إنفاذ القرارات؟ و لماذا إعترف المشروع أصلاً بسلام جوبا المزعوم الذي اتضحت نتائجه و تبين أنه مجرد محاصصة سلطة إنتهت بتأييد الحركات المسلحة لإنقلاب اللجنة الأمنية للإنقاذ ضد الشعب السوداني؟
الإعتراف بهذا الاتفاق الجريمة، هو مواصلة لنهج قوى الحرية و التغيير التي كانت واجهة لسلطة اللجنة الأمنية حين إبرام الاتفاق الذي تم باسم حكومتها، و وقعه حميدتي بإسمها و هو ليس عضواً في تلك الحكومة!! و هو إستمرار للسير في نهج تمكين الحركات المسلحة و تقاسم السلطة معها، و إعفائها من المحاسبة عن جريمة مشاركتها في الإنقلاب الأخير و الإنخراط في مؤسساته.
تتحدث الديباجة عن عملية شاملة للعدالة الإنتقالية تحقق المساءلة و المحاسبة و تنهي ثقافة الإفلات من العقوبة. و هذا النص قد يتراءى للناظر من الوهلة الأولى بأنه جيد، و لكن في الحقيقة لا يحدد من إرتكب الإنتهاكات، و لا يحملها لنظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م و الإنقلاب الحالي للجنة الأمنية. و دون القيام بذلك، يصبح مجرد لغو لا طائل من ورائه، يقود للجان تخضع للتوازنات السياسية مثل لجنة التحقيق في فض الإعتصام.
بالرغم من أن الديباجة تنص في البداية على أنها صادرة عن الشعب السوداني، و تنتهي بالعزم أن يكون هذا الدستور ملزماً للشعب في الفترة الإنتقالية، إلا أنها لا تعرف هذا الشعب ، مما يشي بأنه يشمل حتى اللجنة الأمنية للإنقاذ و الجنجويد و الحركات المسلحة المتحالفة مع اللجنة الأمنية، و يؤسس لشراكة دم جديدة. كذلك لا تنص الديباجة على سريان هذا الدستور بأمر الشعب بمجرد سقوط الإنقلاب الحالي، مما يجعل الخوف من أن نجد في الجريدة الرسمية هذا الدستور موقعاً من (برهان) بصفته قائد الإنقلاب الحالي، مثلما وقع الوثيقة الدستورية المعيبة بصفته قائد الإنقلاب السابق. و بذلك تستمد الفترة الإنتقالية الجديدة مشروعيتها الدستورية من الإنقلاب الحالي، كما إستمدت الفترة الإنتقالية المزعومة السابقة مشروعيتها من إنقلاب القصر.
ألغى المشروع الوثيقة الدستورية لسنة ٢٠١٩م، كما ألغى القرارات التي صدرت في أو بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م، و لكنه لم يلغ التشريعات و المراسيم التي صدرت بعد إنقلاب القصر في أبريل ٢٠١٩م، مما يعني أنها سارية المفعول خصوصاً بعد إلغاء الوثيقة الدستورية التي ألغت ما يتعارض من هذه التشريعات و المراسيم مع نصوصها . و هذا يعني أن المشروع قد شرعن كامل الفترة الإنقلابية الأولى و كل ما صدر عنها من تشريعات، بالمخالفة للوثيقة الدستورية المعيبة التي شرعنتها جزئياً.
إعتبر المشروع إتفاقية جوبا للسلام جزءاً لا يتجزأ من الدستور، و هو بذلك صحح الوضع المعيب لها في الوثيقة الدستورية الملغاة، و لكنه لم يعالج وضعية التعارض في حال تعارض نصوصها مع نصوص المشروع. و في كل الأحوال هو شرعن هذه الإتفاقية المرفوضة شعبياً، و التي لم تجلب سلاماً، و أسست لوضع محاصصة بين الإنقلابيين و الحركات المسلحة، مما يستلزم إلغائها جملة و تفصيلاً، و الإنخراط في مفاوضات سلام جدية مع القوى الفعلية الحاملة للسلاح، لا مع الحركات المسلحة الداعمة للإنقلاب و المعادية للثورة، لإنجاز إتفاق سلام حقيقي يخاطب جذور الأزمة و يقدم معالجات لها.
أعطى المشروع الدولة (٦) شهور كاملة للقيام بمراجعة كافة القوانين السارية وإلغاء أو تعديل كل ما يتعارض مع الحقوق والحريات الواردة فيه. والواضح أن هذه الفترة طويلة جداً، خصوصاً وأن القوانين المقيدة للحريات والمخالفة لها واضحة ومعلومة للكافة، وكان يجب أن تقصر الفترة لشهر على الأكثر، وأن تعتبر كل القوانين المعروفة غير دستورية بنص هذه المادة في حال عدم القيام بإلغائها خلال الشهر المحدد. كذلك كان يجب أن تحدد السلطة المخول لها الإلغاء، بدلاً من الحديث عن الدولة بصفة عامة بحيث لا يتم تحديد الجهة المسئولة والخاضعة للمحاسبة بموجب تلك المسئولية.
أبقى المشروع على عقوبة الإعدام على من بلغ عمره السبعين في جرائم القصاص والحدود والجرائم ضد الإنسانية وتقويض النظام الدستوري و جرائم الحرب، و كرس وجود هذه العقوبة بالمطلق في حق من هم بين الثامنة عشر و السبعين من العمر، في مخالفة بينة للإتجاه العام الرامي للتخلص من هذه العقوبة، و تكريس لنهج القوانين الدينية التي سنها نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م، و بالمحافظة على نهجه التمييزي القائم على الفقه و التقسيم التاريخي للجريمة.
نص المشروع على حرية العقيدة و العبادة ، و لكنه قيدها بما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي . و لا ندري لماذا تم التقييد و ما المقصود بالمجتمع الديمقراطي هنا. فوق ذلك ، لم يشتمل النص على الحق في ترك المعتقد و الخروج منه كجزء أصيل من هذه الحرية، يجب النص عليه في الدستور لإغلاق الطريق بشكل واضح في وجه التشريع لجريمة الردة المزعوم أنها حد في الشريعة الإسلامية، وفقاً للإجتهاد التاريخي للمذاهب الفقهية المعلومة. ذكر هذا الأمر نصاً ضروري، حتى لا يتكرر تشريع مادة مثل المادة (١٢٦) من القانون الجنائي سيئة الذكر.
النص على تقييد حرية وإستقلالية الصحافة والحق في التعبير و الوصول للمعلومات بضمان حقوق الآخرين و حرياتهم وفقاً لما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي، يؤسس للتقييد المرفوض من حيث المبدأ، و يفتح المجال أمام تأويلات متعددة للمفاهيم. الأفضل كان ترك هذه الحقوق بدون قيود، حتى لا يتمكن المشرع العادي من تقييدها وفقاً لفهمه لطبيعة التقييد.
تقييد وسائل الإعلام بعدم نشر خطاب التمييز و الإزدراء على أساس النوع أو الدين أو الإثنية، يعني فتح الباب أمام تجريم هذه الوسائل بتهمة الإزدراء التي لا تعريف منضبط لها، و التي تسمح بحشر أي تصرف نقدي تحتها طالما لم يرق إلى الجهة التي تدعى الضرر. و هذا يكرس لإستمرار الحال كما هو عليه، و منع أي مساهمات جديدة أو ناقدة. و الأصح بالطبع ، هو عدم الإعتماد على هذا المصطلح الفضفاض، و البحث عن مصطلح منضبط يجمع بين الإساءة مع وجود القصد الجنائي للتحقير، مع التفريق بين النقد – بما فيه النقد الساخر- و الهجوم غير المؤسس بقصد جنائي. بغير ذلك سيظل النص تفويضاً للمشرع العادي للإعتداء على حرية التعبير.
ترك المجال للقانون لتنظيم تسجيل الجمعيات المنظمات و النقابات و الإتحادات المهنية وفقاً لما يتطلبه المجتمع الديمقراطي، أمر خطير و سلبي على الحق في التجمع و التنظيم. وذلك لأن القيد الوارد على حق التسجيل مبهم، لأنه يفترض وجود مجتمع ديمقراطي معرف ومثالي يرتكن إليه عند تطبيق القيد. والصحيح كان هو أن يتم النص على أن هذا التسجيل “كاشف” و ليس “مؤسس” لوجود التنظيم، و أنه لا يؤثر بأية حال على مشروعيته و حقه في ممارسة نشاطه.
حظر المشاركة السياسية على قيادات و أعضاء حزب المؤتمر الوطني المحلول و جمعياته و منظماته و واجهاته فقط، أمر غير جدي و غير موفق. و الصحيح هو حظر ممارسة النشاط السياسي على العسكريين في الخدمة، و منسوبي الأجهزة الأمنية، و الجنجويد إبتداءاً، بإعتبارهم أسباب الأزمة و الإنسداد السياسي الراهن، و من ثم التأكيد على حظر المؤتمر الوطني لأنهم بقاياه الفاعلة و المؤثرة في المناخ السياسي. أو على أقل تقدير، إلحاقهم بحظر هذا الحزب كشرط مكمل للحظر.
إجازة إكتساب السوداني جنسية بلد آخر، تم تقييدها بالتنظيم القانوني لها. و هذا يعطي المشرع العادي سلطة واسعة في التقييد إستناداً لدعاوى التنظيم، و يمكنه من إقصاء و إستبعاد الكثير من المواطنين الحاصلين على جنسيات أخرى ألجأتهم لها دولة الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م، و إسقاط جنسياتهم. كان الأفضل هو أن يتم التقييد بنص صريح على اكتساب جنسيات الدول التي في حالة حرب مع السودان، أو التي تم الإعلان بأنها عدو للبلاد.
لم تعرف المادة (٣٤) الفترة الإنتقالية، ونظمت فقط مهامها، و نسبتها لأجهزة و مؤسسات الفترة الإنتقالية، دون تحديد واجبات كل جهاز و طبيعة دوره. وفي هذا تعميم مخل، و تغييب لطبيعة المرحلة الإنتقالية و إخفاء لطابعها الثوري و شرعيتها الثورية. كذلك ترك النص تفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م للقانون لتنظيمها، و في هذا قصور كبير. و المفروض هو أن يحدد النص آلية التفكيك (لجنة أو هيئة تفكيك مثلاً)، و يحمي سلطاتها في متابعة الأموال و مصادرتها، مع منح الحق في إستئنافات قراراتها، و إستثنائىها من النظام العام للقرارات الإدارية، و قصر التظلم من قراراتها على النظام الذي ينص عليه قانونها، و يمنع السلطة التنفيذية من حلها، و يخضعها للرقابة التشريعية فقط، بالإضافة للمراجعة القضائية لقراراتها. كذلك كان يجب النص على أن عبء إثبات نظافة الأموال يقع على الشخص المعني، طالما ثبت إنتمائه للجهات المتمكنة. أيضاً لا بد من تمكين الآلية من النظر للتمكين في جميع الأجهزة بما فيها القضائية التابعة للإنقاذ صراحةً لا إشارةً، حتى لا نسمع مزاعم الفلول المبنية على إستقلال القضاء في الدفاع عن القضاء غير المستقل. كل ذلك يجب أن يكون دستورياً، وألا يترك للقانون، حتى تتم حمايته و تحصينه. و بالطبع لم تقم المادة (63) بتغطية كل ما هو مطلوب و إن تصدت لبعضه.
لم يحدد المشروع من سيقوم بإصلاح أجهزة القوات المسلحة و الشرطة و المخابرات العامة، و لم ينص على حل جهاز المخابرات التابع لإنقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م، كما لم يعط السلطة التنفيذية التي يجب أن تتبع لها هذه الأجهزة هذه السلطة صراحةً، و يمكنها من القيام بعملية إصلاح ثورية، و لم ينص على إعادة المفصولين من الخدمة في هذه المؤسسات الهامة، الذين بدون عودتهم و قيادتهم لعملية الإصلاح هذه، يستحيل أن يكون هناك إصلاح.
لم ينص المشروع في التنمية الاقتصادية على الإعتماد على الذات و الموارد الاقتصادية ، بل نص فقط على وضعها ضمن إطار خطة إسعافية، كما لم ينص على رفض التبعية الاقتصادية ، و إكتفى بنص مبهم عن وضع خطط و آليات لضمان كفالة العدالة الاجتماعية، دون أن يكلف نفسه بتوضيح كيفية إمكانية فعل ذلك في ظل تبعية مطلقة للمؤسسات المالية الدولية، و للدول الإقليمية النافذة.
في العدالة الإنتقالية أحالنا المشروع لمفوضية تكون و لقانون يصدر لوضع خطة قومية لتنفيذ العدالة، كما أوكل أمرنا لقرار من مجلس الوزراء لدعم أو إعادة تشكيل اللجنة القومية للتحقيق في الإنتهاكات التي ارتكبت في ٣ يونيو ٢٠١٩م. و هذا وضع يجعل إحتمال إستمرار اللجنة العاجزة الحالية كما هي، أو إضفاء مسحة من التجميل عليها لا يغير طبيعتها، و كل هذا لن يقود إلا لإهدار العدالة و الإفلات من العقاب. فلا تكوين المفوضية و لا إعادة تشكيل اللجنة، يكفي لجلب المجرمين المتنفذين للعدالة. لا بد من العمل على نص يلزم الدولة بالركون إلى التحقيق الدولي و القضاء الجنائي الدولي، بوصفها عاجزة عن تحقيق العدالة في ظل الأوضاع السائدة، من أجهزة عسكرية و أمنية متنفذة، و قضاء غير مستقل تابع لها. هذا الأمر ينسحب على اللجان الأخرى المزمع تكوينها أيضاً.
نص المشروع مجدداً في المادة034-5) على الإلتزام بإنفاذ إتفاقية جوبا للسلام، و هو إلتزام لا يخفف من وطأته الحديث عن تأسيس لجنة لتقييم و تقويم الإتفاقية، لأنه يكرس مبدأ المحاصصة و يقرر صحة النهج الذي قامت عليه الإتفاقية، و يمنع من تحقيق سلام حقيقي يعالج مشكلة مواطن دارفور المتضرر بدلاً من تمكين الحركات المعادية للشعب السوداني. و هذا الإلتزام وحده يكفي لتحديد طبيعة القوى التي تقف خلف هذا المشروع، كما يكفي لرفضه بإعتباره يقنن إستمرارية الحركات المسلحة المتحالفة مع اللجنة الأمنية الإنقلابية في السلطة الإنتقالية القادمة.
تكوين المجلس البتشريعي في المادة (39)، يعكس توجهاً واضحاً للتسوية مع نظام الثلاثين من يونيو 1989م و يؤسس لشراكة على المستوى التشريعي. فهو ينص على تمثيل واسع لمكونات الشعب السوداني بما فيها القوى السياسية و المدنية و المهنية و لجان المقاومة و الطرق الصوفية و الإدارات الأهلية و أطراف العملية السلمية الموقعة على الإعلان السياسي، و يستثني فقط أعضاء المؤتمر الوطني المحلول. و هو بهذا يشمل كل القوى الداعمة للإنقلاب الحالي، و كل القوى المصطفة خلف مبادرة اللجنة الأمنية التي تسمى مبادرة الجد، بل حتى الأحزاب الشريكة في حكومة إنقلاب الثلاثين من يونيو 1989م لحين سقوطها، طالما أنها موقعة على الإعلان السياسي الذي لم يعرف في هذا المشروع. و لا نظن بأن هناك نص فاضح لعملية التسوية و مؤسس لشراكة دم جديدة أكثر من هذا النص. فبدلاً من أن توزع مقاعد المجلس التشريعي على قوى الثورة، يتكرم النص بحشر القوى المضادة للثورة بينها غير هياب و لا وجل!!
أيضاً لم يوضح المشروع مآل السلطة التشريعية في حال لم يكون المجلس التشريعي في خلال الشهر المنصوص عليه ، و لا من سيختار أعضاؤه خلال تلك الفترة الدستورية، و في هذا مرونة واسعة نسمح بتمرير التسوية و الشراكة، و تؤسس لتغييب المجلس التشريعي كما حدث سابقاً.
النص على إستقلال السلطة القضائية قبل تثبيت عدم إستقلالية السلطة القضائية الحالية و ضرورة إعادة هيكلتها ضمن إجراءات إزالة التمكين، يعني منح هذه السلطة سلاحاً تدافع به عن عدم إستقلاليتها. و بدون النص صراحةً على مراعاة عدم إستقلال السلطة القضائية الحالية و وجوب إعادة هيكلتها لتصبح مستقلة ضمن إجراءات تفكيك التمكين و تحصين تلك الإجراءات دستورياً، يحصن النص الهيئة الحالية ضد إجراءات التفكيك و يمنع من بناء قضاء مستقل.
واصل المشروع تبني بدعة المحكمة الدستورية المستقلة المنفصلة عن السلطة القضائية التي سنتها الإنقاذ لتسييس القضاء الدستوري، دون أن يبين ما هو الخلل في وجود دائرة دستورية في المحكمة العليا تختص بالنظر في دستورية القوانين، مثلما كان العمل عليه قبل إنقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، و مثلما هو الحال في اليمن و الإمارات و ليبيا و دول أخرى. علماً بأن وجود الدائرة الدستورية سابقاً ضمن إستقلالها وفقاً لإستقلال الهيئة القضائية، و أن التجربة القصيرة بعد سقوط نظام المخلوع البشير، أثبتت تعقيدات تعيين المحكمة المستقلة المزعومة و لا جدواها. و السؤال هو: لماذا يصر المشروع علآ وجود محكمة دستورية مستقلة بعد كل ذلك؟.
النص على تبعية القوات المسلحة للقائد الأعلى ، يحتم النص على أن يكون هذا القائد الأعلى هو رئيس الوزراء، حتى لا يتم التحايل على هذا الأمر و إخراج القوات المسلحة من سلطة الحكومة و الجهاز التنفيذي. و سكوت نص المشروع عن ذلك، يشي بتسوية ما مع العسكريين لجعلهم فوق سلطة الحكومة و خارج إدارتها. النص العام على خضوعها لقيادة السلطة المدنية غير كاف لعموميته، و يجب إخضاعها لرئيس السلطة المدنية صراحةً و دون لبس.
الإعتراف بقوات الدعم السريع (الجنجويد) و النص على دمجها في الجيش، يخالف الإرادة الشعبية التي تنادي بحلها، بوصفها مليشيا تابعة لنظام الثلاثين من يونيو 1989م، و إدماجها في القوات المسلحة مخالف للأسس الدولية في التعامل مع المليشيات من نوعها، و هو يؤدي إلى و يتعارض مع قومية القوات المسلحة المنصوص عليها في المادة (69) من المشروع نفسها، بإعتبار لأن هذه المليشيا قبلية و تخل بالتوازن المطلوب في تكوين القوات المسلحة وفقاً للنص نفسه!! و بالطبع وجود مثل هذا النص المعيب بالإضافة إلى حقيقة أن المشروع كله في جوهره تسووي، يفسر ما ورد بالأسافير من تأييد زعيم الجنجويد له.
النص في المادة (73) على إنشاء مجلس للأمن و الدفاع في الدستور مع ترك تحديد تكوينه و مهامه و اختصاصاته للقانون، مع النص في المادة (69) على وجود ممثل للقوات المسلحة في هذا المجلس الذي يرأسه رئيس الوزراء، يشي بممارسة لا أصل لها في دساتير الدول المعتبرة سياسياً ديمقراطية. ففي كل الدول المذكورة لا توجد مثل هذه البدعة، حيث يتبع مجلس الأمن و الدفاع للرئيس في النظم الرئاسية، و لرئيس الوزراء في النظم البرلمانية، كإدارة حكومية، لا ذكر لها على مستوى دستوري. و ظهوره على مستوى الدستور، أسس له دستور مصر في الخمسينات من القرن الماضي، في إطار دولة إستبدادية معلومة. كذلك ماورد بالمادة (69)، يؤكد أن التكوين لم يترك للقانون كله كما تقول مادة الإنشاء، بل تم إستباق هذه المادة بتعيين ممثل للقوات المسلحة!! و بما أن مهام و تكوين و إختصاص هذا المجلس مجهولة و متروكة للقانون الذي سوف يسنه المجلس التشريعي الهجين أو ربما يسن قبل ذلك بواسطة السلطة الإنقلابية الحالية تحت مسمى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي إقترحه البرهان، فمن المرجح أن تكون مهام و صلاحيات و إختصاصات هذا المجلس فوق السلطة التنفيذية نفسها، و رئاسة رئيس مجلس الوزراء لن تكون أكثر من واجهة للسلطة الفعلية التي سكت المشروع عن تحديدها، و نص على القوات المسلحة فقط من ضمن مكوناتها.
الصحيح طبعاً هو حذف هذا النص جملةً و تفصيلاً، و ترك أمر تكوين مثل هذا المجلس لرئيس مجلس الوزراء، بإعتباره هيئة إستشارية تنفيذية تابعة له، تعينه في المسائل التي يستشيرها فيها و تنفذ تعليماته. فوجود مثل هذا النص مقروءاً مع مشروع الإنقلاب في إيجاد جسم فوق السلطة التنفيذية، يجعل من هذا المشروع وثيقة تمهد لمفاوضات تسوية قادمة، تؤسس لشراكة دم جديدة منكورة بشدة، و لكن مقوماتها موجودة في هذه الوثيقة المباركة من المجتمع الدولي، و التي تمثل أقصى درجات الخداع براعة، و لكنها لن تنطل على أحد.
بقي أن ننوه إلى أن المشروع أكثر من تكرار ضابط المجتمع الديمقراطي ، متوهماً أن هذا الضابط أو القيد كاف لحماية الحقوق و الحريات. و هذا الوهم لا أساس له من الصحة، حيث أن إسرائيل دولة الفصل العنصري تدعي أنها مجتمع ديمقراطي، و دولة ولاية الفقيه أيضاً تدعي ذلك. الصحيح هو أن القيد – إن وجد- يجب أن يكون دولة سيادة حكم القانون في ظل وجود ضماناتها الأربع، من إستقلال قضاء و حق تقاضي و دستورية قوانين و تنفيذ أحكام.
ما تقدم هو مجرد ملاحظات أولية على مشروع الدستور المنسوب للجنة تسيير نقابة المحامين، لحين توفر الوقت لتقديم دراسة علمية تفصيلية حوله، توضح عواره و إتصاله الوثيق بمشروع التسوية السياسية لقوى الحرية و التغيير (قحت)، المدعوم دولياً و المرحب به من الإنقلاب المتهالك المعزول.
و قوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!

أحمد عثمان عمر 17/9/2022م

‫شاهد أيضًا‬

49 إصابة في مليونية 29 سبتمبر من بينها 29 إصابة مباشرة بالغاز المسيل للدموع

الخرطوم – الشاهد: عن رابطة الأطباء الإشتراكيين صدر تقرير ميداني فيما يلي نصه: سجلت م…