‫الرئيسية‬ آخر الأخبار الاقتصاد السوداني في حالة تفكك
آخر الأخبار - سبتمبر 18, 2022

الاقتصاد السوداني في حالة تفكك

معتصم اقرع:

منذ عام 1979، تولى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي السيطرة الكاملة على صنع سياسة الاقتصاد الكلي في السودان واستمرت هذه السيطرة خلال الديمقراطية الثانية 1985-1989، وعصر الإنقاذ 1989-2019، وسودان ما بعد الإنقاذ 2019- حتى الان.

إذا كنت مهتمًا بمعرفة ثمار هذا التحكم في السياسات، عليك بفحص الظروف المعيشية السائدة الآن ومقارنتها بسودان سبعينات القرن السابق بما في ذلك الأسعار، والدخول، ومعدلات البطالة، وجودة الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة وإمكانية الوصول اليها، والقدرة على تحمل تكاليفها.

في أوائل الثمانينيات، كتب مجموعة من الاقتصاديين السودانيين الأكاديميين البارزين أوراقًا جادلت انه بينما احتاج الاقتصاد السوداني إلى إصلاحات، فإن وصفة التكيف الهيكلي التي يفرضها البنك وصندوق النقد الدولي عبارة عن دواء من شأنه أن يزيد المرض سوءًا. قام علي عبد القادر بتحرير هذه الأوراق ونشرها في كتاب بعنوان “اقتصاد السودان في حالة تفكك: مقالات عن نموذج صندوق النقد الدولي.” ومن حسن الحظ ان البحث الاقتصادي الجاد لم يكن يوصف في ثمانينات القرن الماضي بالتنطع أو التحجر الأيديولوجي.

أثبت الوقت أن التحليلات والتنبؤات الواردة في الكتاب صحيحة ليس فقط في السودان، ولكن في كل إفريقيا حيث اثبتت التجارب أن نتائج برامج التكيف الهيكلي كانت كارثة في كل مكان تم تطبيقها فيه.

بعد انهيار الشيوعية، تم تنفيذ سياسات مماثلة للتكيف الهيكلي “لإصلاح” الاقتصاد الروسي. وكانت النتائج عبارة عن كوارث مكتملة الاركان، تدهور الاقتصاد بشكل كبير وانهار الإنتاج بأكثر من الثلث، وتدهورت الخدمات الصحية وانخفض متوسط العمر المتوقع، وارتفع الفقر، وبيعت أصول الدولة المربحة ببخس وفساد انتشر وتعاظم هروب رأس المال وحدث كل هذا تحت مظلة وبسبب برامج البنك والصندوق كما بين كبير اقتصاديين البنك الدولي حينها، جوزيف استغليتز.

باختصار، في التسعينيات، تم تقليص روسيا من قوة عظمي الي مستوي فقر وتبعية العالم الثالث. ولكن افاقت روسيا من هذا التراجع مع عودة القومية الروسية ورجوع الدولة إلى لعب دور فاعل في إدارة الاقتصاد بدلاً من ترك كل شيء للسوق ورأس المال الخاص، سواء أكان روسيًا أم أجنبيا.

عندما قررت الصين تجديد شباب اقتصادها، تعلمت الكثير من التجربة الروسية واختارت تجنب ما فعلته روسيا وبدأت بتطوير بديل وطني صاغته مستقلة عن التبعية لحكمة المؤسسات المالية الدولية ومشورة الخارج. وبدلاً من العلاج بالصدمة الصندوقية كما حدث في روسيا، اختارت الصين نهجًا تدريجيًا، وشجعت الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي، لكنها أبقت الدولة كلاعب اقتصادي قوي ومنظم وقائد للأسواق والاستثمارات.

الان نتائج الصين تتحدث عن نفسها كما تحدثت نتائج التكيف الهيكلي في إفريقيا وروسيا التسعينيات قبل رفضها للنموذج القائم على إجماع واشنطن.

الأغرب كان إصرار الحكومة الانتقالية في فترة ما بعد الإنقاذ على تطبيق نفس وصفة التكيف الهيكلي الاقتصادية كما هي رغم انها فشلت بشكل مذهل في السودان وإفريقيا وروسيا في التسعينيات، وعلى الرغم من أن البنك الدولي وصندوق النقد اعترفا بأن سياساتهما فشلت وكانت خاطئة في جوانب مهمة. والغريب أيضا كان تبني الحكومة لفقه الصدمة رغم ان البنك والدولي كانا علي استعداد للقبول بتدرج في الاصلاحات.

يبدو أن معظم صانعي السياسات والسياسيين والصحفيين لم يقرؤوا كتاب على أو لم يفهموه أو لم يأخذوه على محمل الجد وهذا هو السبب في أن السياسة الاقتصادية ظلت مثل الثور الهائج الذي لا يتغير جنونه، حتى لو تغيرت الحكومات ألف مرة.

‫شاهد أيضًا‬

49 إصابة في مليونية 29 سبتمبر من بينها 29 إصابة مباشرة بالغاز المسيل للدموع

الخرطوم – الشاهد: عن رابطة الأطباء الإشتراكيين صدر تقرير ميداني فيما يلي نصه: سجلت م…