‫الرئيسية‬ آخر الأخبار الثورة ما بين الافتراضات والواقعية
آخر الأخبار - سبتمبر 28, 2022

الثورة ما بين الافتراضات والواقعية

أحمد الفاضل أحمد هلال:

هنالك بعض المسلمات عن الثورة كعلم إبداعي وتجارب سابقه معاصرة، يجب التوقف عندها لادراك ومعرفة التعقيدات التي قد تنتج عن الدنياميكية ولحظة المباغتة التي تفرضها حالة نضوج كل العوامل في موضوعيتها وذاتيتها، في تردد او إقدام أقسام من قواها الاجتماعية، او تأثير ظروفها الاقليميه والدولية علي مجمل الحصيله الكلية لعملية التغيير.

الثورة علي الرغم من طابعها العفوي الا انها ليست معطى جاهزاً من الارقام الرياضية والمعادلات الكيميائية او مباراة واحدة تنتهي بالنصر او الهزيمة، فهي ليست خطاً متصلاً من عبير الانتصارات، ولكنها سلسلة من جولات التقدم والتراجع ، من الهبوط والصعود، الانحسار والتفاؤل، والقلق و الوجل. هذه كلها وغيرها أعراض ومظاهر مصاحبة للثورة في تطورها، عبر مسارات وأزقة تبدو احياناً ضيقة ومخيفة ومرعبة لقطاعات من الجمهور.

القلق ظاهرة لا يمكن تجاوزها او نفيها من القاموس الثوري، وقد يكون في بعض الاحيان عاملاً مخلخلاً للايمان واليقين؛ ولكن القلق الثوري لا يخرج من كونه عزيمة وطاقه متجددة في مواجهة التحديات و المنزلقات فى الطرق الوعرة والمنعطفات الحادة علي طريق انجاز المهام الثورية. وسيبقى القلق احساس طبيعي لان كل ظاهرة من وجهة النظر الفلسفيه تحمل تناقضاتها، وأن القلق الثوري عابر لأنه يعبر عن حالة بحث عن أليات ووسائل للاجابة علي الاسئلة المستجدة، و بالتالي فان القلق علي عكس اليأس الذي لا يعني الا الاستسلام للامر الواقع والانكسار امام الصعوبات، وفي الحصيلة النهائية فان اليأس يعني تجنب المواجهات وتجميد الصراع الاجتماعي والسعي لايجاد مخارج سهلة من التسويات لإضعاف التغيير، ولكن الصراع لا يمكن شطبه او تجميده بناء علي رغبات ذاتيه وإن حسنت النوايا.

من الاستنتاج يمكن القول ان اليأس هو موقف سياسي وايديولوجية و خط مكشوف بقواه الاجتماعيه السياسيه؛ ولا شك من ان داخل بناء مؤسسة اليأس هناك مجموعه لهارؤى ومواقف وطنية وثورية وليست مكان شكوك حول نواياها وإحترام تقديراتها، ولكن عدم إدراكها للتحديات التي تواجه عملية التغيير يجعل منها قوة سلبية ورصيداً في حسابات الثورة المضادة ورأسمالا رمزياً في يدها للابتزاز السياسي. و هذه المواقف السلبيه تجعلها تجنح دائماً الي حلول التسويات التي تكون خصماً علي التغيير، وهنا تستخدم حجج فزاعات الخوف علي الوحدة والوسطيه وحفظ الدماء وأن الناس جاعت وأن المجتمع الدولي لا يريد هذا ليتمدد الانقلاب إلخ .

هذا التيار قد يكون برئياً في منطلقاته ولكنه متعجل ويريد أنصاف الحلول التي تعيد الصراع، ولا يريد ان يمضي بعملية التغيير الي مرحلة اخرى متقدمه ولا يدري ان الحياة في ذاتها صراع تاريخي وهي شكل من اشكال الصراع الدائم القديم والمتجدد، لذا ترى المزاج متذبذب و المواقف متغلبة وتهول عملية الاختلاف والنقد.

اما المجموعه الثانية داخل هذه المجموعات فهي تخفي نفسها تحت مظلة الحفاظ علي القيم، والحديث المتكرر عن المحرمات وانتشار الرزيلة ومفارقة الطريق القويم للدين أو التدين، والخوف علي السلم الاجتماعي الموروث وتدهور الامن ودعوة الأيادي الباطشة للتدخل؛ و تتحدث عن الماضي الجميل…الخ

إن هذا التيار مؤدلج ويعمل بوعي سياسي ويستغل الصعوبات و حالات السخط والتضجر والمقارنات البائسة لحشد اصطفافات جديدة من الساخطين الذين لا تجمعهم بهم أية مصالح اجتماعيه او طبقية. و لكن هجومها الاعلامي الدعائي الممنهج والمبني علي التخويف و الفبركات والتضليل؛ لا شك من انه يؤثر علي قطاع من الغافلين، الذين لديهم ايضاً حساباتهم العمليه في جرد مظاهر التحسن النسبي في الحياة اليومية المعاشة. هذا تساؤل مشروع ولكن الطبيعي الا يبقى هذا السؤال معزولا عن الصراع السياسي والمشاركه فيه ، ومن الممكن طرح العديد من الاسئلة التعجيزيه عندما يفضل الانسان حجز مقعداً مريحاً علي كنبة العجز والانتظار .وليس مهماً دائما مجرد ابداء الملاحظات الصائبة عندما يتم انتزاعها من السياق المحتدم في الصراع.

هذه المجموعه تجهل ان مصالحها ترتبط عضوياً بالتغيير الجذري في البنى الاقتصاديه والاجتماعيه السائدة بسبب الظلم والاجحاف؛ و التي تعمل قوى الثوره الحية علي إحداثها بشكل عام امام الحسابات الانيه والفرديه. صحيح لا يمكن ايضاً تجاهل تلك الاسئلة، و لكن طبيعة الصراع المعقد تدفع احياناً بالاسئلة والقضايا الاكثر حساسيه الي قاع سلم الاولويات والاهتمامات. وهذا لا يعفي بالضرورة من ربط التحول الديمقراطي بالجوانب الأقتصاديه والاجتماعيه. ويصبح من المهم التمييز بين توأم اليأس غير المتطابق من حيث النوايا والاهداف و المصالح.

هنالك معادله وصفيه متداوله من منظور بعض الجماعات قياسا مع الرأي العام للصراع العالمي، اذ ترى ان هناك ١% من البشر يحكمون وان ٤% هم نخبة من المسهلين يتم تحريكهم كالدمى وان ٥ % يعرفون الحقائق و ان ٩٠ % هم في الغالب غافلون ومغيبون. هذا مجرد تصور و يمكن لتحول هذه الأرقام الي اسماء حقيقيه، في واقعنا المعاصر علي مستوى العالم، ومما لا شك فيه ان ١ % من الذين يحكمون العالم هم الرأسماليون واصحاب الشركات الضخمه والعابره للحدود، اصحاب مجمعات الصناعات العسكريه، اصحاب البنوك وشركات الاتصالات العملاقه ، و اما ٤ % فهم نخب من المنظرين، المسهلين، اجهزة الاستخبارات، بعض الاعلاميين و المنظمات غير الحكوميه. اما ٥ % فهم الشرفاء واصحاب الضمائر الحيه الذين لا يمكن شراءهم او اغراءهم بالاموال والوظائف، اما ٩٠ % “الغافلون” فهم عامة الناس من منتجي القيم الماديه وغير الماديه، وفي البطاله واللجؤ والتشريد. و اذا ما اخضعنا هذه المعادله الافتراضية علي واقعنا، نجد ان ١ % هم امتداد لدوائر النفوذ الامريكي والغربي وادواتهم الاقليمية؛ وهم الرأسماليه الطفيليه، المجموعات المنتفعة من الاقتصادي الريعي و البيوتات الطائفيه. وان ٤ % هم من البيروقراطيين ومجموعات من التكنوقراطيين والنخب المعولمه من الطبقه العالميه الجديدة “من بعض موظفي المنظمات غير الحكوميه” التي باتت مهمتها الاساسيه الغسيل الاخلاقي للاعمال الاجراميه لمجموعة ال١ % وهنالك ايضاً اقسام من الادارات الاهليه والطائفيه واجهزة الدوله العنيفه. اما ٥ % فهم يعرفون التأمر وانواع غسيل الاستبداد، ويعملون علي نشر الوعي وثقافة التنظيم ومعرفة الحقوق؛ وهم القوى المصادمه من لجان المقاومه والمهنيين والكوادر النقابيه والقوى السياسيه التي لديها رؤيه واضحة وموقف من حتمية التغيير الجذري لمصلحة الاغلبيه، و اما ٩٠ % فهم قطاع عريض من الذين لا ينتمون الي اي كيانات صلبة كالنقابات والاحزاب؛ لكي تدافع عنهم. وهم المنتجون في القطاعات غير المنظمه والعماله الموسميه والمقيمون في البطاله المزمنه، وهم قطاعات متعددة وشديدة التباين والمنطلقات، لذا يصبحون ضحايا عدم القدرة علي التنظيم والوعي الحقوقي؛ وهم ضحايا تعدد الهويات واختلاف القضايا والمصالح.

ان إيراد هذا النموذج الافتراضي لخريطة صراع المصالح يجئ للتدليل علي ان هناك رقعه إجتماعيه بها ٩٠ % من المواطنين الذين يشكلون مادة حيويه للتضليل والتعرض للخداع والاستهبال السياسي بحكم اوضاعهم الاجتماعيه الهشة وابعادها التاريخي عن المشاركه الحقيقيه في المؤسسات التمثيليه والاقتسام العادل للثروة وصناعة القرارات و تنفيذها، وهم ضحايا الزرائع الدينيه والذعر فوق الاخلاقي وضحايا القبليه و الجهويه؛ وهم ايضاً ضحايا من القوى الحيه، وضحايا للجهل بالحقوق وثقافة الاحتجاج، وضحايا النفس القصير امام التحديات و ضحايا عدم الانتماء للمؤسسات المدنيه الحديثه حيث التنظيم و الوعي الحقوقي.

ان معسكر اليأس يضم قوى اجتماعيه متباينه، واذا ما استثنينا القوى التي تعمل بوعي سياسي لفرملة عملية التغيير، نجد ايضاً هناك مجموعات مستنيره “علمانيه” تفصل العيش في نمط حداثي ومدني في مكان اخر ولكن تناضل مع القوى الحيه التي تعمل علي ذلك. ولعل وضعها الاجتماعي والوظيفي الجديد ومصالحها الاجتماعيه والطبقيه يجعلها الاقرب لتبني منطلقات السلطه الاقصائيه والسلطويه، والتي تستهدف القوى الحيه المؤمنه بسيرورة الثوره.

هذه المجموعات ايضاً لها متاريسها من زرع الشكوك وعدم الايمان بقدرة الجماهير وهي مترددة ومتذبذبة المواقف وتتعامل بحساسيه مفرطه وروح عدائيه من النقد البناء؛ وترى في النقد تخويناً؛ وأن اتخاذ اي موقف مستقل خيانة باعتبار اننا مجتمعات صممت على عدم الاختلاف. وهي تستورد إجاباتها من قصص مبتورة ومأخوذة من الماضي بشكل انتقائي لقمع الحيويه الاجتماعيه وعمومية الحوار و قمع الاخرين، من ادواتها المستخدمه في قهر الاخر تشعر بان عدوها الشكلي هو النظام وان العدو الحقيقي بالنسبة اليها هي القوى المؤمنه بالثوره وغير المساومة. إنهم يسعون دائماً لشغل الحيز العام بالقضايا و المواضيع الانصرافيه لتمرير مشاريع انصاف الحلول وراحة البال و عدم الثقه في قدرات الجماهير في اجتراح مسارات غير مطروقه وصولا للتغيير .

في مسعاهم هذا يتهمون الاخرين بالجمود والتلكؤ ولكنهم هم في الواقع ماضويين ويجترون الاقوال القديمه ويختلسون من قصص الماضي وكأن تاريخ التجارب قد توقف عندهم، هي في شموليتها تدعي امتلاك الصوابيه والمعرفه؛ في اطار التغبيش تطرح القضايا منزوعة من قشطتها السياسيه لانها ضد السياسه.

علي العموم ان الثورة لكي تمضي للامام لانجاز اهدافها التكتيكيه والاستراتيجيه فلن يقودها المشفقون والمترددون والمساومون، لان الخيانه وليس التخوين يبدا في اللحظه التي تمتطي فيها هذه المجموعات النخبويه والنرجسيه قيادة سيارة تاريخ الثورة والتي لا تؤمن بسلطة وارادة الشعب. وهي تتحدث زوراً عن التوافق علي الطريقه السلطويه في الاقصاء والهيمنه وتتجاهل بان الاختلافات في المشاريع والمضامين؛ وفي الاهداف وفي الموقف من التغيير الحقيقي الذي يعيد انتاج الازمه السودانيه مجدداً؛ والذي يفضي الي التغيير الجذري البنيوي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وليس إعادة نخبه مترفه مهوؤسه بتفاصيل حياتها الخاصه في الخطابه الجوفاء والاسفار واوهام الزعامه.

ان الثورى الحقيقي لا يزعجه النقد البناء وثقل اللحظه ومواقف المنتظرين والمتفرجين، ولكن علي المنتظر والمتفرج ان يختار المكان الصحيح للوقوف. سيظل المهم بل الأهم هو سلامة الخط والرؤية والقدرة علي النقد الذاتي واختيار البدائل التي تستجيب لاحتياجات الحاضر والاستعداد الجيد والمدروس لمآلات المستقبل.

‫شاهد أيضًا‬

الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش

كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …