‫الرئيسية‬ آخر الأخبار مجانية التعليم: هل بدأنا بها أم انتهينا إليها؟
آخر الأخبار - أكتوبر 19, 2022

مجانية التعليم: هل بدأنا بها أم انتهينا إليها؟

عبد الله علي إبراهيم:

لو كانت مجانية التعليم في عهد الإنجليز “حقيقة” كما يعتقد المروجون لها لقبلت النقض بالدليل. وهذا ما حاولته مرات حتى قلت أن الزعيم الأزهري، الذي فرضت عليه الإدارة تلقي العلم بالمصاريف الكاملة في مرحلة ما، كاد يفقد فرصة دخول المدرسة لولا تداركته فرصة المجانية الممنوحة للحالات الخاصة. وكانت تقرر تلك الحالات لجنة من الأعيان مع مفتش التعليم وناظر المدرسة. وكيف نال الأزهري تلك الفرصة وجده مفتي السودان ووالده من علماء السودان ينتظر التحقيق.

ولكن مجانية ذلك التعليم في ظل الإنجليز عقيدة صماء لن تجد الحجة عليها. هي في أسطورة منشأ البرجوازية الصغيرة المتعلمة. إنها هم. إنها ميلادهم. إنها ذكرى عذبة عن الوالد الذي خرجوا من معطفه. وهي امتنان أبدي له لنعمه عليهم وتكفير لأنهم عضوا يد إحسانه إليهم بالحركة الوطنية: يلا لبلدك يا غريب بلدك.

وصدئت العقيدة فصارت نوستالجيا (حنين للماضي). وككل نوستالجيا فهي تشوف لشيء لم يحصل، أو لم يحصل كما يروج له أهلها. وهي، من جهة أخرى، حالة إضراب عن التفكير في المستقبل لأنه، أي المستقبل، حصل في الماضي. وحين كنت أسمع معارضة الإنقاذ تُلَوح لها، لتنصلها عن مجانية التعليم، بمجانيته على عهد الإنجليز كنت أرى في ذلك استثماراً في الماضي لا المستقبل. ولذا ترى معارضي الإنقاذ يريدون العودة، برنامجياً، بالتعليم إلى المجانية بإطلاق. ليس لأن هذه العودة واقعية من فوق دراسة لواقع المجتمع اليوم وحظوظ الناس فيه بل لأنها ذكرى من “الزمن الجميل”.

هذه واقعة أخرى فقد فيها المرحوم محمد السيد سلام، رئيس اتحاد نقابات العمال في الخمسينات وعضو مركزية الحزب الشيوعي، فرصة دخول المدرسة الوسطى لأن أسرته لم تحتمل مصاريفها. لو كانت تجدي واقعة أخرى دليلاً على أن تعليم الاستعمار لم يكن مجانياً! لا أعتقد.

لم أكد أعلم أن بمكتبة جامعة الخرطوم التي دخلتها في خريف 1960 قسماً للسودان حتى هرعت إليه. ودفنت نفسي في ديوان “قصائد من السودان” لجيلي عبد الرحمن وتاج السر الحسن. وقد تعلقت به منذ أن أملى علينا شيخ أبو زيد الجعلي قصيدة “عبري” لجيلي في حصة المطالعة. ومنذ نظرت في الديوان بمكتبة دبورة بعطبرة أعجبت بصفحاته ذات اللون الأخضر “صر” كما لم نجده في غيره. وتصفحت الديوان في قسم السودان بالجامعة. أقلب وأقرأ مقطعاً هنا وهناك. وتوقفت عند قصيدة تحية لقادة العمال في الأربعينات والخمسينات. فجاء فيها:

سلام والشفيع

ووجدت من سبقني إلى القصيدة وشطب اسم سلام. وسلام هو محمد السيد سلام خراط بمصلحة النقل الميكانيكي، ومؤسس لنقابتها حتى صار رئيساً لاتحاد نقابات عمال السودان من 1950 إلى 1958، عام حله بعد انقلاب 1958. وكان عضواً بمركزية الحزب الشيوعي كذلك. وعرفت لأول وهلة سبب من شطب اسم سلام دون اسم الشفيع. فقد كنا عرفنا أن سلام من بين رفاق قياديين مهمين توقفوا لسبب آو آخر عن مهامهم الحزبية والعامة بعد الانقلاب. وأعمل الرفيق القارئ قلم التصحيح الشيوعي على قصيدة لا يملك حق التطفل عليها.

أقرأ هذه الأيام بعض مقالات وذكريات أدلى بها سلام للصحف في التسعينات. وأعجب لمن أعتقد أن بوسعه أن يستغني عن حياة لا مهرب منها لتاريخ التقدم مثل حياة سلام. من ظن أنه لا يحتاج إلى مأثرته قبل 1958 صعب أن تثق في أنه يعرف ما يطلبه في الدنيا وسبب التضحيات الضخام التي قد يبذلها في طريق مطلوبه. سأترك الحديث عن مأثرة سلام العمالية إلى يوم آخر. ولكن سأتوقف عند منعطف في تعليمه لأعرض لخرافة شاعت وهي أن التعليم في السودان كان مجانياً حتى جاءت الإنقاذ ففرضت الفروض المالية المعروفة. وكنت استنكر هذا لمن يهرف به. فقد قرأت أكثر تعليمي تحت ظل الاستعمار وبعض الحكم الوطني حتى عهد عبود. ودفعت المصاريف عن كل مرحلة من هذه المراحل: من ريال الشهر في الأولية، و12 جنيه ونصف للوسطى، و30 جنيه للثانوية، وفوق الثلاثمائة جنيه للجامعة.

وقصة سلّام دليل على أن مجانية التعليم الأزلية خرافة. فقال إنه امتحن للوسطى من مدرسة العزبة 1 بالخرطوم بحري. ونجح في العشرة الأوائل. وكان العرف أن يقبل هؤلاء العشرة مجاناً بالوسطى. ولكن الإنجليز لم يلتزموا بالعرف في ذلك العام فحسب، بل زادوا المصاريف من 8 جنيهات إلى 12 جنيه. وهذا ما وجدنا عليه حال المصاريف بالوسطى في أوائل الخمسينات. وهناك نصف المصاريف وربعها ومجاناً حسب دخل الوالد الذي تقرره لجنة أعيان المدينة. ول”تقع” ليك ضخامة الاثني عشر جنيه يكفي أن تعلم أن سلام اشتغل، بعد أن أغلق التعليم بابه في وجهه، بالري المصري. وكان أجره خمسة قروش (أكرر خمسة قروش) في الشهر.

أسئلة وأجوبة:

لماذا زاد الإنجليز المصاريف لدخول الوسطى في ذلك العام؟ “حراق روح” وردة فعل لإضراب طلاب كلية غردون في 1931 احتجاجاً على تخفيض مرتباتهم داخلين على وظيفة الحكومة.

من جاء بمجانية التعليم؟ بعد ثورة أكتوبر في ملابسات أتحقق منها حالياً.

الخرافة هي حصاد من يعمل قلم التصحيح في التاريخ لمآرب قصيرة النظر.

‫شاهد أيضًا‬

الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش

كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …