
سوداني أولا وثانيا وسابعا
جعفر عباس:
إعلاني المتكرر أنني نوبي، أعني به انني أنتمي الى السودان عبر القرون، وأنه لا تناقض بين انتمائي للنوبة وانتمائي للوطن الأم، ولكن الانتماء الى الوطن يأتي عندي أولا ولهذا، فإنني أنتمي أيضا وبكل فخر الى الكواهلة والبطحانيين والأنقسنا والبجة والميدوب والدينكا والجعليين وكل قبائل السودان الحالي، بل ان انتمائي للنوبة يعزز ذلك باعتبار الإرث النوبي ملكا للجميع، ومن منطلق ان النوبيين ليسوا قبيلة بل من اقدم شعوب الأرض، حيث أسهمت عبقرية المكان في عبقرية الحضارة النوبية، كما فعلت مع الحضارات الأشورية والبابلية والفرعونية والهندية والصينينة والآزتكية والإنكا (أمريكا الجنوبية) التي قامت جميعا على ضفاف أنهار
وقد أسهمت ملابسات معينة في تعزيز إحساسي بالانتماء للوطن الكبير، فجدي لوالدي ينتمي الى جزيرة سمت الواقعة الى الشمال من كرمة، ثم انتمى الى جزيرة بدين بعد ان تزوج بإحدى حسناواتها (جدتي لأبي “حفصة فقير” كانت جميلة وقوية الشخصية بشهادة من عاصروها)، وأهل بدين لهم امتدادات عائلية في أكد وسروج وكرمة وتمبس وموقة وأبو فاطمة واشكان وفريق وأردوان وأرقو ودار العوضة وحفير مشو وغيرها، ولهذا فإن ارتباطي ببدين عابر للحدود جنوبا الى ديار الدناقلة وشمالا الى قلب ديار المحس وحلفا، ثم صارت مدينة كوستي وطنا ثانيا لي، وكوستي سودان مصغر فيه عديد الأجناس تعيش في تجانس، وكان جيراننا في الحلة الجديدة شايقية وبقارة وجعليين وكان لي في حي الرديف أصدقاء من كردفان ودارفور (رديف اصلها RDF redeployed defence force أي قوة دفاع السودان التي تم تسريحها والحي كان مخصصا للجنود الذين تم تسريحهم من الخدمة العسكرية)، وكان ابي يصلي المغرب والعشاء خلف عم حسين الفلاتي الذي كان يملك محلا لغسل الملابس في الحي، وقبل ان يبتني ابي بيتا في الحلة الجديدة في كوستي كنا نسكن في بيت ايجار في حي المرابيع قبالة حي السكة حديد الذي كان أوروبي الطابع، ثم رحلنا الى حي النصر، ورغم انني كنت اعرف المئات من اهل كوستي إلا أنني لم اكن اعرف الانتماء القبلي لأي واحد منهم، تماما كما كنت أجهل الانتماء القبلي لزملاء الدراسة في مختلف المراحل الدراسية (فقط في مدرسة البرقيق الوسطى كنا نعرف من هو الشايقي لأنه لا يتفاهم معنا الا بالعربية)
ومنذ المرحلة الثانوية ارتبطت بالخرطوم بحري التي هي مسقط رأسي وعندما جار الزمان والحكام على كوستي انتقل جميع افراد عائلتي منها الى بحري، ولكن حبي الشديد لبحري عبَر النهر واحتضن ام درمان والخرطوم وتمدد منهما في كل الاتجاهات، وانطلاقا من كوستي غزوت كردفان حيث أجمل أهل السودان روحا وأشكالا، وعشقت الغناء الكردفاني بنفس درجة عشقي للغناء النوبي، أما شعر وغناء الشايقية فإنه يسكن مجرى الدم عندي، منذ عبد الرحمن بلاص والنعام آدم وليس انتهاء بمحمد النصري، ولموسيقى شرق السودان ميلودية ناعمة ولا استمع لسيدي دوشكا إلا ممدا على كرسي او سرير، وأشعر بالفخر لأنني زرت شمال دارفور ووضعت الدراسة اللازمة لإنشاء تلفزيون دارفور الإقليمي، وفي الفاشر أكلت لأول مرة ما يسمى بالدجاج المسحب (الخالي من العظام) ورأيت ما صار يسمى “هوت بوت” أي وعاء الاحتفاظ بالطعام ساخنا (وعاء فخاري محلي الصنع)، وعرفت الكثير عن القواسم المشتركة بين لغات النوبة والميدوب والزغاوة
وفي جامعة الخرطوم كان ابن النوير مناسا ابراهام يار أقرب الأصدقاء الى قلبي، وهو من صحوت في داخلية بحر الزراف التي أسكنها ذات فجر على أصوات عالية ومشروع اشتباك بين حاج نور من تنظيم الاخوان المسلمين ومناسا، حيث شكا حاج نور من انه كان يؤذن لصلاة الصبح وجاءه مناسا متسائلا: why are you shouting loud بالعربي السوداني “بتكورك مالك”، وكنت ومناسا في سنتنا الأولى في الجامعة وكانت تلك أول مرة يسمع فيها مناسا الآذان، واستطعت ان اقنع حاج نور بأنه وبالنسبة لمناسا الذي لم يكن يعرف كنه الآذان كان فعلا “يكورك” وانتهى الأمر بالتصالح بينهما
باختصار نشأت كامل وشديد الانتماء لكل السودان، وترجمت حبي له الى أفعال ولن أخوض في تفاصيل ما قدمته لوطني خلال سنوات اغترابي لأني لو فعلت ذلك أكون كمن يذكر والديه بما قدمه لهم من عون وخدمات
الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش
كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …












