آخر الأخبار - أكتوبر 28, 2022

عبد الله علي ابراهيم:

قلت أقص عليكم هنا واقعتي مع المرحومين أستاذنا عبد الخالق محجوب والشاعر صلاح أحمد إبراهيم وجريدة “الميدان” طالما كنا آخذين في حديثنا هذا منذ حين عن صلاح الشاعر وتبخيس جريدة “الميدان” لأدبه وشخصه في عهد “إدارة” الأستاذ أحمد علي بقادي للثقافة على صفحاتها في آخر الخمسينات. وهي واقعة اسْتَمِتُّ فيها دفاعاً عن حرية التعبير أصالة عن نفسي ونيابة عن صلاح. ونعوذ بالله من تزكية النفس وإن بدت أحياناً أنها شر لابد منه.
وكان صلاح قد نشر ديوانه “غضبة الهبباي” عقب ثورة أكتوبر 1964 وهو الديوان الذي نكأ حفيظة الشيوعيين عليه. فلم يقبل الشيوعيون بالطبع أن يشبه أستاذنا عبد الخالق، راشد، “أنانسي” وهو من أحاديث خرافة أهل غانا عن وطواط ذكي، ولبق، ومخاتل، ومتآمر، وانتهازي. ولم يسعد الشيوعيون أيضاً لوصفه للمرحوم عمر مصطفى المكي بـ “الانتهازية” التي قال إنها متمكنة منه تمكن شلوخه. وكانت شلوخ المرحوم عمر مطارق تؤطر بأناقة لوجهه الذي قل أن لا يكون منفعلاً.
كان للشيوعيين بعد أكتوبر مهابة وصولة وسلطان. ولذا سرعان ما تجمعت سُحب الهجمة على صلاح بمقالة كتبها المرحوم عبد الرحمن عبد الرحيم الوسيلة رحمه الله وأحسن إليه وإلى ذريته بقدر شدوه للوطنية والعدل والحرية على منابر الجبهة المعادية للاستعمار، وبقدر ذوقه في تعريب شكسبير. ومع ذلك كانت مقالته جافية لا موضوع لها غير التريقة وجر الشكل لا غير. وكان عنوانها ” الهايكو السوداني” سخرية من مقاطع شعرية في الديوان رتبها صلاح على تفاصيل ” الهايكو الياباني” الذي هو بحر من بحور الشعر الياباني، أو هو جنس من أجناسه.
ورأيت أن كلمة المرحوم الوسيلة كانت محض تحامل، وأنها أثر من إحن خصومات مضت. ولم تكن تلك الخصومة هي شاغل جيلنا من شباب الستينات. وكان جيلنا يحب صلاحاً جداً فوق حاجز البغضاء المتبادلة الذي ترسب عن حالة فصله عن الحزب في 1958 وحملات جريدة “الميدان”. وأذكر أن صلاحاً كان يأتي من غانا، التي درَّس فيها اللغة العربية في المعهد اليساري للدراسات الأفريقية الذي أنشأه الرئيس كوامي نكروما، في العطلات فنغشى داره، وندعوه إلى الحديث من على منبر جمعية الثقافة الوطنية: منبر الجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم. وكان لا يتلعثم في قبول المجيء إلى الجامعة تلعثم آخرين ممن لم يرغبوا أن يُشاهدوا في وكر لمعارضة النظام الحاكم. وكان صلاح – “دقر يا عين” يشرفنا جداً نحن معشر اليساريين. إذا تحدث في الثقافة السودانية كان حديثه حديث العارف ذي النسب فيها من لدن جده المؤرخ محمد عبد الرحيم مؤلف “نفثات اليراع”. وإذا تحدث عن ثقافة العالم شفى العطاش منا يومذاك وله نسب فيها من لدن ” قمة الأولمب”. وكانت أكثر سعادتنا به أنه يُخزي الإخوان المسلمين لأنه يجمع بين الأصالة والحداثة، كما كان يقال، بلباقة، وقوة عارضة، ونفاذ يفسد كل حجةٍ عن ريفية الأصالة التي كانت صورتها عند الإخوان على شاكلة “تموت تخليه”. وكان صلاح عُودنا الذي نعجمه نرمي به الخصم، فنصيبه في مقتل. كان مثقفاً بمعنى جهادي: من ثَقَّفَ العود، أي براه، أي جعله سنيناً كالنصل.
ولم نكن نستشعر حرجاً من هذا الود لصلاح. فمن جهة لم يكن من الشيوعيين من يسد مسده في حاجتنا له في محافل الجامعة ومعركة الثقافة فيها. ومن جهة أخرى كانت وثيقة “إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير”، التي خطها أستاذنا عبد الخالق محجوب في تلك الأيام، قد “حللت” لنا مواددة أمثال صلاح وغيرهم ممن كان الشيوعيون في فقه اعتدالهم قد وصفوهم بـ “المنْفَنْسين” أي الذين تراخت ظهورهم وأصلابهم من حمل المبادئ والرسالة.
كنت أشرف على صفحة “الميدان” الأدبية حين نشر المرحوم الوسيلة كلمته الهازئة. وأحسبها إما نشرت في غير الصفحة أو بغير أذني لأنني لم أرها إلا وهي مطبوعة. ورأيت بسالفة صلاح علينا في رطش (رابطة الطلبة الشيوعيين) وجمعية الثقافة الوطنية، ومهراً لإعجابي العظيم بديوانه “غضبة الهبباي”، واحتراماً لذهني وإنسانيتي أن أكتب عن الديوان بما يرضي هذه الخاطرات والالتزامات جميعاً.
وكتبت مقالة من ثلاث حلقات استسخفت فيها، مع تفهمي للدوافع، ثأرية صلاح الناشزة وجفاء عبارته بحق أستاذنا عبد الخالق والمرحوم عمر غير أني أعلنت الحب على صلاح بغير مواربة وعلناً، وفي “الميدان”، حباً لبطره السمح بالشعب ولخاطره السمح بفقراء الشعب، وحباً لفيض سحره وفحولة لغته. ولم تعجب هذه “الهرطقة” أسرة تحرير الميدان. فكفت عن النشر منذ الحلقة الثانية. وبقيت أسبوعاً ثم آخر انتظر “الميدان” أن تعود إلى صوابها عن هذه الجردة ضد حرية التعبير. ولم تفعل. فالتمست موعداً مع أستاذنا عبد الخالق، واتخذت سبيلي إليه في الموعد في مكتبه بمركز الحزب المقابل لنادي العمال بالخرطوم. وحملت له شكاتي من الرفاق في “الميدان”. واستمع إليّ أستاذنا بسليقة عذبة وبمسؤولية غيورة. ولما فرغت قال لي إنه يُفرِّق بين صلاح الشيوعي السابق وصلاح الشاعر. فالذي صح باللائحة في فصله عن الحزب لا يصح في تقويم عطائه الأدبي. وصدق الرجل عندي. فقد سئل يوماً في الستينات أيَّ الأغاني أحب إلى نفسه فقال: “الطير المهاجر”. التي هي من كلمات صلاح أحمد إبراهيم وغناء محمد وردي وكانت لها شنة ورنة على أيامنا تلك وأحسبها ما تزال. وواصل أستاذنا الحديث قائلاً إن الفن عند الحزب صحصح وقفار ومهاجر مجهولة لا يصح أن نبدأ بزعم معرفتنا لسكناتها وحركاتها. وأفضل السبل عنده أن نفتح فيها باب الاجتهاد: فلا ناقد رسمياً حزبياً، ولا خطة نقدية حزبية، ولا مدرسة أدبية حزبية. ووعدني أن يعالج المسألة مع رفاقه ليرفع قلم الرقيب والحجر عن المقالات الملعونة. وصدق الرجل فقد نُشر المقال الثاني بتاريخ الجمعة الجامعة الموافق الخامس من نوفمبر 1965 وقد ذيلته حاشية من تحرير الميدان عن المنهج الذي حدثني عنه أستاذنا في اجتماعنا السابق. والذي يقرأ الحاشية سيعرف أنها من وحي وصياغة أستاذنا فأسلوبها هو أسلوب عبد الخالق الناطق.
ذكر لي هذه الوقفة عند ثغر حرية التعبير أخي الشاعر المُجيد مصطفى سند في بابه “مراجعات أدبية” بجريدة السودان الحديث بكلمة حياني بها لدى زيارتي للسودان عام 1996. وهي كلمة وريفة عذبة من سنخ ما قال فيه الدكتور عبد الله الطيب “الإنسان كثير بأخيه”. سألت الله لك العافية دائماً يا سند وأطربني مزاجك الشم الذي لم تعكره الحادثات كما عكرت أمزجة ولم تلوثه العارضات كما لوثت عقول. وقاك الشعر يا رجل. لقد تباطأت في عرفان ودك كثيراً. وقال أهلنا: “شد واتباطأ ..يا خيراً آتا يا شراً فاتا”. ودعوت الله ان يكون في تأخيري خيراً: جاء الخير وذهب الشر، وكان الشر زهوقا.
وأنشر في القادم كلمة الحزب عن “هذه الصفحة”.

‫شاهد أيضًا‬

جماهير غفيرة تحيي ذكرى مجزرة 17 نوفمبر في مواكب هادرة ببحري

الخرطوم – الشاهد خرج الآلاف، يوم الخميس، في مواكب حاشدة إلى المؤسسة بحري في ولاية ال…