‫الرئيسية‬ آخر الأخبار البشتنة في بيشتني
آخر الأخبار - نوفمبر 2, 2022

البشتنة في بيشتني

جعفر عباس:

تشيكوسلوفاكيا من أجمل البلاد التي زرتها مع عائلتي، وكان ذلك والنظام الاشتراكي فيها قد تفكك بينما بقيت مؤسساته قائمة، وللوصول من مطار العاصمة براغ (أهلها يسمونها أيضا براها) الى حيث كان ينتظرنا نفر من الأصدقاء السودانيين كان علينا ان نركب قطار الأنفاق، وعند النزول من القطار في محطتنا النهائية اكتشفنا ان السلم الكهربائي الذي ينبغي ان ينقلنا الى سطح الأرض طويل بصورة مرعبة، وكانت تلك أول مرة تزور فيها ام الجعافر بلدا غربيا، فحلفت طلاق انها لن تضع قدمها على ذلك البتاع! طيب الحل شنو؟ قالت نركب القطر ونرجع المطار ومن هناك نستأجر تاكسي، ولكنني وزوجة احد الأصدقاء جرجرناها وأمسك كل واحد منا بإحدى يديها وسحبناها الى السلم، وظللنا نحن الثلاثة نطوطح الى وصلنا سطح الأرض بسلام
براغ بأكملها متحف رائع، فقد كانت المدينة الاوربية الوحيدة التي نجت من القصف في الحرب العالمية الثانية، وأبرز معالمها ساحة القديس فاتسلاف التي تعج بالخلق، وكنا نغشى تلك الساحة يوميا لأن بها عدد كبير من المطاعم والمتاجر، وذات مرة “ضاعت” منا ام الجعافر في زحمة الميدان، فقمت والعيال بعدة جولات داخل الميدان ولم نعثر عليها، فاقترحت ان نجلس في مكان ما في قلب الميدان لنعطيها هي الفرصة لتعثر علينا، فصاحت بنتي مروة: ما عايز تلقى ماما عشان شنو؟ اعترف!! وتفاديا للشبهات واصلنا البحث عنها، وفجأة وجدنا أنفسنا فيس تو فيس مع ستة طلاب سودانيين من الجنسين، (سمعت مدربة كرة قدم لفريق نسائي سوداني تصيح في اللاعبات: خليكم مان تو مان man to man) وبعد التحية والذي منه أخبرتهم عن زوجتي المفقودة، فتوزع الشباب على انحاء الميدان وبعد دقائق قليلة عثروا عليها منجعصة على كنبة بعد ان قررت الثبات عند نقطة معينة حتى نعثر عليها
وسافرنا من براغ الى كارلوفيفاري، وهي مدينة صغيرة مدهشة يتطلب الوصول اليها اختراق السحاب، وفيها توجهنا الى ميدان قاقارين حيث عدد من النوافير الموصولة بمواسير وحنفيات، وكل واحد منها ينتج ماء بدرجة حرارة وطعم مختلفين: من هذه يشرب مرضى القلب وتلك لجماعة القرحة وثالثة للأمراض الجلدية وخامسة وعاشرة، والتقيت هناك ب”جيم” الذي أتى من السودان بقرحة نازفة ولزم سرير المستشفى في براغ لشهور، ثم سمع بنوافير كارلوفيفاري فهرب من المستشفى وبقي أسبوعا في المدينة يشرب من نافورة معينة وعاد الى المستشفى فتم فحص القرحة بالمنظار واكتشفوا انها برئت واختفت تماما، وصار جيم من زبائن تلك النافورة المنتظمين: يشرب ويكتح كم شهر ثم يأتي الى كارلوفيفاري لترقيع الثقوب في جهازه الهضمي
ثم ذهبنا الى بيشتني التي صارت في جمهورية سلوفاكيا حاليا (أكبر مكسب من تفكك تشيكوسلوفاكيا Czechoslovakia هو ان طلاب المدراس لن يضطروا الى كتابة هذا الاسم الطويل، بينما لم يكن تفكك الاتحاد السوفيتي في صالح طلاب المدارس لأن ذلك اسفر عن ميلاد نحو عشر دول جديدة معظمها ينتهي اسما بالألف والنون، وقد توصلت منذ زمن الى نظرية بأن أي دولة ينتهي اسما ب”ان” في طريقها الى ان تصبح في خبر كان: أفغانستان والسودان لبنان الشيشان كازخستان داغستان باكستان ازبكستان تركمانستان واليونان اتعس الدول الأوربية)
يوجد في بيشتني منتجع صحي ضخم يرتاده العرب والكويتيون على وجه الخصوص للتداوي من امراض المفاصل والعظام والعضلات، ونظير استئجار شقة في المنتجع قالوا لي ان من حقي ان أحظى بعلاج طبيعي مجاني في المنتجع، فتوجهت ذات صباح الى المركز العلاجي، وعند المدخل قال لي موظف الاستقبال بالحرف الواحد: اشلح، ولما نظرت اليه باستنكار قال لي بإنجليزية مكسرة ان العلاج يتم فقط بالماء والطين الآتيين من جوف الأرض، ولهذا فإنه يجب دخول المركز بدون ملابس، وألقيت نظرة على دهاليز المركز ووجدت رجالا ونساء يتجولون وهم ميطي تماما، فعرفت أن بيشتني الجن اسمها من البشتنة (البهدلة)، وقمت بعملية الى الخلف در، وذهبت الى متجر واشتريت مايوه قطعتين، وعدت الى المركز وأنا ما زلت احس بالخجل، وبعد الكشف والتصوير بالأشعة انزلوني في حوض جاكوزي به ماء شديد السخونة وفجأة سمعت الرجل الذي يجلس في الحوض المجاور يصيح: باين ان الأخ من السودان بس شلون سمحوا لك بلبس الاستحمام وجبروني انا اشلح كلش؟ كان من المسكين من الكويت ويحس بالخجل من “انكشاف الحال”
في بيشتني يأتي طين مخلوط بالمعادن من جوف الأرض وهو شديد السخونة، ويفرشون ذلك الطين على كنبة ترقد عليها ثم يغطونك بطبقة ثانية، فتحس انك كتلة لحم في حلة شوربة، ثم تقف تحت دوش تنطلق منه المياه كما الرصاص، وتحس باسترخاء عجيب، وظللت اخضع لذلك الروتين طوال أسبوعين أحسست بعدهما انني عدت عشرين سنة الى الوراء، وبيشتني هذه هي سر عمري الرابط والزابط (39 سنة)

‫شاهد أيضًا‬

جماهير غفيرة تحيي ذكرى مجزرة 17 نوفمبر في مواكب هادرة ببحري

الخرطوم – الشاهد خرج الآلاف، يوم الخميس، في مواكب حاشدة إلى المؤسسة بحري في ولاية ال…