آخر الأخبار - نوفمبر 9, 2022

جامعة الخرطوم

جعفر خضر:

أجد بعض الحرج في الاحتفاء بسنوية جامعة الخرطوم في زمن تأسيس كلية غردون بواسطة المستعمر في العام 1902م، تخليدا لذكرى غردون الذي هزمته ثورتنا المهدية الباسلة.
إن الأفضل هو أن يكون الاحتفاء بسنوية الجامعة في توقيت سوداني بعد الاستقلال، تكون فيه الجامعة قد تحررت .
قبل عدة شهور كان هناك إعلان لندوةٍ عن (البناء القاعدي) ب(جامعة الخرطوم).
علقت – على الإعلان – الشاعرة نجلاء عثمان التوم Najlaa Eltom مستغربة أو مستنكرة قائلة (البناء القاعدي وجامعة الخرطوم في جملة واحدة؟!!!)..
إن كلية غردون ومن ثم جامعة الخرطوم كانت مركز إنتاج النخب الفوقية التي حكمت السودان وأثرت في تكوينه تأثيرا بالغا بجانب قوة دفاع السودان ( الكلية الحربية لاحقا).
لم يكن دخول كلية غردون (جامعة الخرطوم) متاحا للسودانيين على قدم المساواة، إذ ظل، على الدوام، هناك خياراً وفقوساً .
يقول محمد سعيد القدال ( افتتحت كلية غردون التذكارية في الخرطوم في العام 1902م والتي بدأت بستة عشر طالبا بهدف تخريج فنيين في مستوى رفيع، ومساحين لهم دراية باللغة الانجليزية. كان العدد في البداية متواضعا بضع عشرات، ثم أصبحوا 134 طالبا عام 1920، ثم 555 طالبا عام 1930، وأغلبهم من مناطق السودان الأوسط، منهم 311 من الخرطوم وحدها، وليس بينهم أي طالب من دارفور والجنوب. وخضع القبول بالكلية لموافقة الحاكم العام.. كما أعطت الإدارة البريطانية الشخصيات ذات الوزن الاجتماعي أولوية في القبول. كما خصصت أماكن لأبناء زعماء العشائر، فأدى التعليم بذلك التوجه إلى خلق فوارق إقليمية وقبلية)
وبعد استقلال السودان وطوال العهود الوطنية لم تكن هنالك محاولات جادة لإزالة هذه التشوهات.
ففي توزيع التعليم على مستوى الأقاليم نجد في العام 1989/1990 – أي قبل الإنقاذ – وفقا للدكتور صديق أمبدة – أن طلاب الخرطوم يمثلون 42,2% من طلاب جامعة الخرطوم ، وطلاب الإقليم الشمالي يشكلون 10,3% الإقليم الأوسط 29,3% ؛ بينما يمثل طلاب الإقليم الشرقي 6,4% ، وإقليم كردفان 3,8% ، إقليم دارفور 2,6% ، ولم يتبق بجامعة الخرطوم من الإقليم الجنوبي سوى طالب واحد فقط.
إن تشوهات القبول بجامعة الخرطوم هي حصيلة تشوهات تقسيم التعليم على المستوى القاعدي حيث كان يتسم بقلته وضعف مستواه.
كما أن مخرج النظام التعليمي ككل، الذي تقبع في قمة هرمه جامعة الخرطوم، لم يكن عموما إيجابيا، إذ خلق أناسا يفتقرون للعمل المؤسسي والسلوك الديمقراطي ، ويتسمون بقدر من التعالي على الواقع وعموم الناس.
ولكن كلية غردون (جامعة الخرطوم) في ذات الوقت خرجت الكثيرين من الذين عملوا بصدق في مناهضة الاستعمار والاستبداد، عبر مؤتمر الخريجين أو عبر الأجسام السياسية وغير السياسية. كان للجامعة دورها المشهود في ثورة أكتوبر 1964م، ومساهمات لاحقة لبناء هذا الوطن.
وبالطبع أن وظيفة الجامعة الأساسية هي البحث العلمي، ولا شك أن للكثير من علمائها إنتاج علمي سيعين في مسيرة البناء في قادم الأيام، ولكن ربما كان المتوقع إنتاج بحثي أكبر مما هو ماثل، ومتاح بصورة أكبر للمواطنين بإزالة حاجز اللغة وإتاحته للطباعة.
وقد استهدف نظام الإنقاذ الجامعة حتى قال النظام بلسان يونس محمود في تسعينات القرن الماضي (أما آن لهذا الصنم الجاثم على صدر الثورة ان يتحطم) وبقيت الجامعة رغم العثرات.
تدهورت مكانة المتعلمين من جامعة الخرطوم أو غيرها مع انهيار الخدمة المدنية والتدهور الاقتصادي الذي أفقد الوظيفة قيمتها.
وأرى أن جامعة الخرطوم وكل نظامنا التعليمي يحتاج إلى مراجعة وإعادة تأسيس، في مرحلة ما بعد ثورة ديسمبر، بحيث يخرج مواطنين اكثر تأهيلا وتواضعا ينظرون إلى أنفسهم خداما لهذا الشعب، ولا ينظرون إليه من فوق ابراج.

‫شاهد أيضًا‬

جماهير غفيرة تحيي ذكرى مجزرة 17 نوفمبر في مواكب هادرة ببحري

الخرطوم – الشاهد خرج الآلاف، يوم الخميس، في مواكب حاشدة إلى المؤسسة بحري في ولاية ال…