‫الرئيسية‬ آخر الأخبار اندثار البرهان وتلاشيه
آخر الأخبار - نوفمبر 13, 2022

اندثار البرهان وتلاشيه

جعفر خضر:

خاطب اليوم السفاح عبد الفتاح البرهان الجنود في قاعدة المرخيات العسكرية، وقد حمل خطابه العديد من الرسائل أهمها أن التسوية مع قحت تمضي على قدم وساق.
قال البرهان مخاطبا الضباط الجنود ( نحن معاكم ونحن بيكم نحن لو ما انتو ما بنقيف الموقف ده .. ولا كان حيكون عندنا وجود في هذه الدنيا كان زمان اندثرنا واتلاشينا.. لكن الحمد لله ربنا قيض لينا نلبس هذا الزي زي القوات المسلحة).
وحق للمرء ان يتساءل ماذا يقصد البرهان ب (كان زمان اندثرنا واتلاشينا)!!!
إن هذه العبارة يحدث فيها البرهان نفسه في مرآة الجيش (نحن لو ما انتو… )، نحن = البرهان، انتو = الجيش، والذي كان سيندثر ويتلاشى هو البرهان.
وقد تحدث البرهان بهذا الوضوح عن تلاشيه واندثاره أمام الجيش، ربما لأن الأمر اختلط عليه وظن نفسه أمام المرآة يكلم نفسه؛ خاصة وأنه يمزج بين نفسه والجيش مزجا شديدا، حتى أنه يعتبر أي هجوم عليه هجوم على الجيش، فلسان حاله يقول “الجيش أنا، أنا الجيش” مثل لويس الرابع عشر ملك فرنسا الذي نُسب إليه قوله “الدولة أنا، أنا الدولة”.
تكشف العبارة التي تضمنت قول البرهان (كان زمان اندثرنا واتلاشينا) عن معنيين لا ثالث لهما.
أولهما أنه لولا دخولي الكلية الحربية لأصبح قائدا لكم أيها الجنود، ولولا التغيير الذي أنجزته بكم واستيلائي على السلطة، لما أصبحت رئيسا أتمتع بكل هذا “الزيط” و”الأبهة” أسكن اجمل القصور، وأسيطر على أكبر الشركات، وأركب أفخم السيارات يتقدمني “البيرك” كلما تحركت، وتنقل اخباري الفضائيات، وتتصدر صوري الصحف والمجلات، وأتلقى التحية العسكرية أينما حللت ، ويتقرب إليّ المدنيون زلفى!!
لولا الكلية الحربية ولولاكم لكنت الآن موظفا بسيطا مغمورا بالخدمة المدنية على أعتاب المعاش، أو مزارعا مجهولا أنهكته حراثة الأرض وزراعها ونظافتها وحصادها الشحيح، أو راعيا منسيا يتجول في فلوات السودان بحثا عن كلأ يجده بالكاد.. لولا الكلية الحربية ولولاكم أيها الجنود ل(اندثرت وتلاشيت) بالفقر وغياب السلطة والجاه والذوبان وسط الناس العاديين.
المعنى الثاني لعبارة البرهان التي يخاطب بها نفسه ب (كان زمان اندثرنا وتلاشينا) لولاكم أيها الجنود الذين تحمونني لقادتني إلى المحاكمة جرائمي في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة وجرائم ثورة ديسمبر واغتيالي ل١٢٠ شهيدا منذ “إجراءاتي” التصحيحية في ٢٥ أكتوبر، وقبلها الإبادة الجماعية في دارفور، لولاكم لأدت هذه الجرائم لمحاكمتي وتعليقي على أعواد المشانق، ومن ثم (اندثرت وتلاشيت) وغبت عن هذه الحياة الدنيا الممتعة .
أي أن البرهان يرى أن حمايته في الجيش. قيل أن الطاغية عمر البشير كان يسمي (حميدتي) (حمايتي)، ولكن حميدتي لم يعصمه من موجة ٦ أبريل ٢٠١٩ العاتية فسقط من كرسي العرش في ١١ ابريل وسقط بعده ابنعوف، والموجة القادمة ستعصف بالبرهان وحميدتي وكل الانقلابيين.
إن اندثار البرهان وتلاشيه الأول معنوي نسبيا والثاني مادي، ولسان حال البرهان يقول بفضل الزي العسكري لم يحدث هذا الاندثار والتلاشي، وها أنا ذا على قيد الحياة وعلى قيادة البلاد !!
وقد قال البرهان في خطابه أيضا ( اي زول يتكلم في الجيش ده عدو لينا) وفي حقيقة الأمر أن كل الأحرار في البلاد يعادون البرهان شخصيا، وأكثرهم لا يعادي الجيش، لكن البرهان يرى أنه الجيش والجيش هو، أو هذا ما يريد أن يصدره لنا، حتى نكف عن الحديث عن جرائمه التي يشيب من هولها الولدان .
وقد غازل السفاح البرهان اللواء معاش فضل الله برمة ناصر، إذ. نقل عن ناصر قوله للسياسيين المدنيين محذرا لهم (الجيش ده زي الكلبة الوالدة ما تهبشوهو)، فعندما يقول فضل الله برمة ناصر مثل هذا القول للعدو – افتراضا – فهذا يعني أنه ليس عدوا بل هو أقرب إلى ناصر من رفاقه. إن فضل الله برمة ناصر أحد الذين يحافظون على البرهان ويعملون على حمايته من الاندثار والتلاشي.
أكد خطاب البرهان أن التسوية تمضي على قدم وساق، فقد أكد ما ذكره الناطق الرسمي باسم المؤتمر الشعبي كمال عمر بان البرهان وقع على الوثيقة الدستورية المنسوبة لتسييرية نقابة المحامين.
ترتكب قوى الحرية والتغيير خطأ جسيما وجريمة نكراء بصمتها المريب عما تشارك في حياكته في الخفاء، كأن صياغة المشهد السوداني ككل أمر يخصهم هم وحدهم وشركاؤهم من انقلابيين وإسلاميين .
إن التسوية القادمة ستخضع فيها الحكومة المدنية لإرادة السفاح البرهان .. بدلا من خضوع قيادة الجيش للسلطة المدنية وسلطة الشعب، فقد قال البرهان في خطابه اليوم (نحن عايزين حكومة مدنية نحرسا.. تحرسوها انتو.. يحرسا الجيش ده .. حادت عن الطريق انتو قاعدين وسلاحكم قاعد.. مشت دغري نحن كلنا نحميها ونقيف معاها)
وبذلك تقدم قوى الحرية والتغيير خدمة كبيرة للبرهان بتركه يمسك بزمام الأمور وتحفظه من الاندثار والتلاشي .
ولكن فات على البرهان أن التسوية مع قحت لن تغنه شيئا، إذ أن الشارع فيه “مكنات” من الشباب والكنداكات من الجيل “النفسو طويل” ، وهم يواصلون النضال الباسل المدهش من ديسمبر ٢٠١٨ م، أولم ترى يا سفاح فدائيتهم المدهشة التي بهرت العالم منذ انقلابك المشئوم في ٢٥ أكتوبر؟!
إن الواجب الأوجب الآن على القوى الثورية وخصوصا لجان المقاومة أن تزيد تماسكها وتحلحل خلافاتها وأن تتخلص من أمراض السودان القديم حيث تتضخم النزعات الذاتية السلطوية ويُقدّم الحزب على الوطن؛ وأن يتمثل الثوار أخلاق ثورة ديسمبر حيث التضحية والتجرد ونكران الذات – حتى نعجل بأن يلقى البرهان مصيره المحتوم من الاندثار والتلاشي .

‫شاهد أيضًا‬

جماهير غفيرة تحيي ذكرى مجزرة 17 نوفمبر في مواكب هادرة ببحري

الخرطوم – الشاهد خرج الآلاف، يوم الخميس، في مواكب حاشدة إلى المؤسسة بحري في ولاية ال…