‫الرئيسية‬ آخر الأخبار التنمية البشرية: مساحيق التجميل
آخر الأخبار - رأي - مارس 1, 2021

التنمية البشرية: مساحيق التجميل

معز الزين :

يبدو أن التفكير في ظهور أي نمط من الأنماط المعرفية يكون خاضعا لمروحة من التساؤلات السيوسولوجية، كون هذا النمط ظاهرة انبثقت في لحظة معينة وفي سياق تاريخي بعينه. ويلزمنا التفكير في ثقافة العولمة ذات النزعة التعميمية والتروجية لإنتاج ذوات لا يروي عطشها التسليع الدائم والقائم على السلب والاستلاب الدائمين بدورهما. ولا ينفصل الظهور الطاقي والمهيمن لمنتجات التنمية البشرية عن ظهورات أخرى لأنماط أخرى ليس أقل تأثيرا على حياتنا اليومية وعلى نظرتنا الجمالية للحياة ولعلاقتنا بذواتنا وبالأخرين. لا ينفصل الرواج التبجلي الَمعولم لكتب التنمية البشرية عن التنميط الرقمي للذوات عبر ثقافة الصورة وعن برامج تلفزيون الواقع ومسابقات الجوائز والبرامج الترفيهية الأخرى، بالإضافة للنمط الَمعولم الأبرز والمتمثل في منتجات تجميل الجسد وتغيير لونه وملامحه، وهو ما صار يعرف لدينا ب” كريمات الجلخ”، وغيرها من الانماط التي تعد بتحقيق المتعة والنجاح في زمن وجيز، دون أن نبزل الجهد الكافي والرصانة المطلوبة بغية تكوين الذات معرفيا وجماليا. والكامن في العمق من هذه الأنماط هو وعد فردوسي بالكمال بالمطلق. هكذا ابتعلتنا الازمنة المعولمة التي اختزلت الحياة في المتعة السطحية والنجاح الخاطف المنسرع والمنفصل عن حيواتنا التي افقرها تسليع وتعليب كل شيء من الرغبة إلى الوقت، وليس انتهاءا بجمال العادي والبسيط الذي صار الى زوال.
يمكننا مقاربة ظاهرة كتب التنمية البشرية من خلال مجاز “أليس في بلاد العجائب”: والفارق أن النزعة الاستهلاكية والتعميمية للعولمة صيرت حياتنا وجودنا اليومي إلي عجائب بدون إندهاش أو تساؤل حول حقائق الأشياء ومعناها. لقد حرمنا من أليس التي بداخلنا، أو من نظرتها الاندهاشية والتساؤلية. إذ أن المفارقة بين أزمنتا العولمة وزمن أليس، أن أليس كان تتشكل كذات فاعلة من خلال تواصلها الحواسي والخيالي مع كل من حولها، حيث جمالية العجائبي تتيح للذات أن تندهش وتفكر وتتساءل، ومن ثم تكون في حالة من التشكل والتشكيل المتبادل، دون أن يلغي العجائبي الذات أو تطفح الذات وتطغى على العجائبي فتلغيه. وعلى النقيض من ذلك، فإن العولمة وأزمنتها التسليعية ألغت كل ما هو يكون الذات من إندهاش وتفكير وتساؤل ومعايشة جمالية، وذلك منذ أن حولت جمالية العجائبي إلي حدث تسليعي جاهز ومصنع، كأن تقع فريسة الترويج لكتاب من كتب التنمية البشرية الذي يبيعك وهم: “تحدث الانجليزية في إسبوع”، ” العادات السبع للناس الأكثر فاعلية”. فهذا الكتاب الأخير يتصور الذات في كبسولة مغلقة غير خاضعة لشرطها الوجودي وممكنات تحقيق الذات من عدمه.
ولممكنات تحقيق الذات من عدمه. لقد صار كل شي جاهز ومصنع ومقولب ومصنم؛ إذ صار النجاح حد نهائي لوجود الذات وتحققها الكياني، مفصولا عن كونه عملية وتحولات وتجاذبات وصعودات وهبوطات وإعادة تعريف دائمة للفشل والنجاح معا. لقد حرمنا من جمالية الفشل بوصفه شكل من أشكال السلب والامتناع عن أن تكون عرضة دائمة لرد الفعل وتلقي هبات الجاهز والمصنع في ظل أزمنة معولمة توهمنا ببلوغ الكمال دون جمالية عيش التحول والعبور من النجاح إلى الفشل أو بالعكس. لقد صار تسلعينا تصنيما وتأليهنا واقعا معاشا وعامرا بالوفرة ولكن دون عيش جمالية الهش والمنقوص والمنبوذ وكل ما يشكل حياتنا بكل تقلباتها وتحولاتها.

‫شاهد أيضًا‬

الزميل منصور محمد خير في ذمة الله: عبد الخالق محجوب الذي عرفه (١-٢)

عبد الله علي إبراهيم : رحل عنا أمس الأول زميلنا منصور محمد خير من قادة الحزب الشيوعي بحي ا…