
هل أصبح الفساد جزء من بنية السلطة الانتقالية؟
تحقيق : فتحي البحيري :
جهات عليا في الدولة تتصرف بشكل مباشر في أموال الخدمة المجتمعية لشركة حكومية مثيرة للجدل ..
سيف الدولة حمدنا الله : واجب النيابة في ملاحقة منهج السلوك المُعتل نحو المال العام أوجب من محاكمة قضايا الإنقاذ نفسها
وائل محجوب : لماذا لا تقوم أجهزة الدولة بدورها في التحقيق حول ما يثار من اتهامات وما ينشر من وثائق؟
ناشطة : على حمدوك أن يحيل ملفات هذه الشركة وغيرها من البؤر إلى لجان تحقيق مستقلة وبعيدة عن تأثير أي مجرم أو مشبوه
1
“ليست المشكلة في وجود فاسدين ضمن طاقم المسؤولين الانتقاليين ولكن الكارثة هي عدم وجود أجهزة ومسارات و”إرادة” قوية لكبح جماح هذا الفساد وإنزال العقوبات الرادعة على مقترفيه كائنا من كانوا” .. هكذا ابتدرت الناشطة القانونية – والتي رفضت لتقديراتها الخاصة نشر هويتها- حديثها لصحيفة الجريدة مضيفة : وربما كان مرد هذه الأوضاع الكارثية إلى أن التركيبة الحالية للسلطة الانتقالية هي تركيبة تواطأت على تعزيز الإفلات السلطوي من العقوبة منذ توقيع ما يسمى بالوثيقة الدستورية التي منح من خلالها من لا يملك من لا يستحق من الشرعية والصلاحية والسلطة على حد تعبيرها.
في نفس اتجاه هذه الناشطة يذهب الخبير القانوني الضليع مولانا سيف الدولة حمدنا الله عندما يؤكد : كلما قرأت للسيد مبارك أردول دفاعاً عن نفسه حول (تبرعاته) و (أوجه إنفاقه) و (مشترواته) من الأموال المؤتمن عليها بشركة المعادن، زادت قناعتي بأن ما يُسند إليه مكانه النيابة لا الأسافير. ويضيف : واجب النيابة – إن هي صَحصَحت – في ملاحقتها (من تلقاء نفسها) بعد الثورة لمنهج السلوك المُعتل نحو المال العام الذي كان سائداً في عهد الإنقاذ (أوجب) من محاكمة قضايا الإنقاذ نفسها
واستغرب المتابعون لماذا لم يتم اتخاذ اجراءات قانونية ضد مبارك أردول رغم ثبوت مخالفاته العديدة واعترافاته الضمنية الأكثر عددا والتي جعلت قانونيا عتيدا يستنتج من دفوعات اردول – لا من اتهامات الاخرين له – أنه يتعين على النيابة العامة – لا الأسافير – “الاعتناء بأمره” .. وتساءل الناس عن السر الباتع الذي يجعل الرجل متمتعا بمثل ما تمتع به عمر البشير وعبدالرحيم محمد حسين واحمد هارون وعلي عثمان والطيب سيخة ومامون حميدة وغيرهم من المجرمين حتى سقوط الانقاذ في 11 ابريل قبل عامين .. وهو الافلات السلطوي الاثم من العقاب ومن الملاحقة القانوينة ؟؟ وإذا عرف السبب بطل العجب !
2
بحسب تقرير قدمته مصادر صحفية اطلعت على وثائق ومستندات الشركة السودانية للموارد المعدنية فإن نسبة ٥٠٪ من أموال المسئولية المجتمعية المجنبة لهذه الشركة قد خُصصت للإنفاق بواسطة قيادات الدولة العليا ، ما يعادل ٢٥٠ مليار جنيه ، من جملة 500 مليار جنيه تم جمعها لهذا العام وتم وضع هذه النسبة في حساب خاص يتصرف فيه ” قادة الدولة” كيفما شاءوا وتساءلت المصادر المطلعة : ماهو دخل قيادات الدولة بأموال المواطنين المحتاجين في مناطق الإنتاج ؟ وهل لهذا علاقة بالإصرار على بقاء اردول في قمة هذه الشركة الحلوب ؟؟ فتارة يدعم – والحديث لا زال لتلك المصادر – مجلس الوزراء ، و يضيع الأموال في مشاريع بفواتير مزورة تارة اخرى ، دون أي محاسبة ، بل يتجرأ على طرد المراجعة الداخلية للشركة ، و لا يعترض عليه أحد .
وقالت ذات المصادر أن مدير الشركة المذكورة يضع تحت تصرفه الشخصي في حساب خاص نسبة ٣٠٪ من اموال المسئولية المجتمعية ، اي مبلغ ١٥٠.٥٥٠ مليار جنيه ، ما يفوق نسبة كل ولاية بـ٢١.٥ مرة . أي أنه – بحسب تلك المصادر الصحفية المطلعة – يصرف اموال مجنّبة تفوق انفاق ولاية مثل ولاية نهر النيل ٢١ مرة ونصف … في حين أن نصيب الولايات الـ13 المنتجة لكل هذا الخير العميم مجتمعة لا يتعدى نسبة ٢٠٪ من مجمل اموالهم المسلوبة ، اي ما يعني مبلغ ٩٩.٤٥٠ مليار جنيه فقط موزعة عليهم جميعا ، بحيث تتلقى كل ولاية مبلغ ٧.٦٥٠ مليار فقط .
وذهبت المصادر التي كشفت هذه الحقائق المؤلمة أن إلى أن من حق هذه المجتمعات المنتجة للذهب ان تأخذ حقها كاملا ، و أن تقوم الشركة بصرف هذه الأموال على أهلها الحقيقيين ، عوضا عن تجنيبها في حسابات “مظلمة” لا يطّلع عليها أحد ، و يمرح فيها المسئولون الصغار والكبار في هذه الدولة التي يتضور شعبها كله جوعا رغم سخاء الموارد دون رقيب .
3
الاستاذ الكاتب الصحفي وائل محجوب يقرأ القضية من زاوية مبدئية حين يكتب : قرأت ردود الأستاذ مبارك اردول المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة على الاتهامات التي وجهها اليه عدد من المدونين، واستخدموا فيها وثائق ومستندات، أقر هو من خلال ردوده بصحتها بتأكيده انها سربت من قبل مناوئين له. الشركة التي يتولى اردول إدارتها هي شركة حكومية، وبالتالي هي تابعة وخاضعة لوزارة المعادن، وتعمل بموجب القوانين الحكومية السارية على كافة المستويات الى أن يتم تعديلها وتبديلها. والوزارة المعنية هذي يتم تجاوزها ويتم تعريضها لخطر الملاحقة القانونية، بسبب تصرفات تلك الشركة، التي تخالف الإجراءات المالية والمحاسبية والقوانين في غالب إجراءاتها.
ويمضي الاستاذ وائل محجوب بالقول : لقد دارت بيني وبين الأخ اردول مساجلة عبر صفحته الشخصية حول مخالفته لإجراءات النظام المالي المتبع في شأن تحويل أموال من قبل شركته للولايات بشكل مباشر، وكانت تلك مخالفة بينة للقانون الساري، وقد اضطررت لكتابة مقال مطول استعرضت فيه قانون البيع والشراء والتخلص من الفائض الحكومي.. وكانت تلك مخالفة تستوجب تحقيقا حكوميا لم يتم.
ولم يفت الكاتب الصحفي أن يشدد على أن أي محاولة من اردول لتصوير خلافه مع أي مجموعة بأنه ينطلق من نزعة عنصرية، بانه محض تلاعب وتحايل وابتزاز، فما وجه اليه من اتهامات استند على موقعه كمدير لمؤسسة لم يأت اليها وفق شروط الخدمة العامة، ولم ينافسه فيها أحد من منطلق قبلي أو اثني، حتى يزايد بهذه القضية، كما انه لا ينافسه فيها أحد من منتقديه، انما قدموا حججا في مواجهته، ومن الأفضل له الرد عليها بدلا من الاحتماء بمثل هذه الخطرفات.
4
هناك جملة من المخالفات المرتكبة في طريقة إدارة هذه الشركة ومنها، فلسفة صرف المال عندها، وهي الباب الذي يطل منه الفساد، لا يحق لمدير عام هذه الشركة مطلقا ولا غيرها التصاديق المالية ما لم تجد موافقة الجهات المختصة، وهي في هذه الحالة الوزارة المسئولة وهي تستند على القوانين المنظمة، بمعنى أنه بموجب قانون تأسيس الشركة لابد أن يوجد نص يفيد بأحقية المدير العام بالتوصية للصرف المالي، وهو في هذه الحالة يرفع توصيته للوزير المسئول عن هذه الشركة وهو من حقه الموافقة أو الرفض، ويخضع كل ذلك للموافقة النهائية استنادا لشروط الصرف المالي المعتمدة لدى وزارة المالية.
ولا يحق لهذه الشركة كمؤسسة حكومية – والحديث لا يزال لوائل محجوب – إجراء عمليات البيع والشراء وتحويل الأموال وتجنيبها، بعيدا عن الضوابط المتبعة في التعاملات المالية الحكومية المتبعة، مثلما لا يحق لها أن تتجاوز القانون بالهبات لمؤسسات الدولة والتبرعات، فهي مقيدة وما كانت إشكالات هذه الشركات، الإ في السلوك الذي يتبدى الأن في التعامل مع المال العام كأنه ملك خاص.
وتخضع الحوافز المالية لشروط مقيدة بضوابط العمل، ولابد أن تجد سندا واستنادا لقواعد الخدمة المدنية، وهي ليست شأنا متروكا لمدراء الشركات ليقرروا فيها وفق أمزجتهم، وهي لابد أن تكون مضمنة في قوانين تأسيس الشركات الحكومية وتتم بموجبها، وأي تجاوز في هذا الإطار يعد مخالفة مالية تستوجب التحقيق على حد وصف الاستاذ وائل الذي يؤكد أن ما أثارته هذه القضية وغيرها من القضايا المتعلقة بهذه الشركة كاف لفتح تحقيق حولها ماليا وعدليا من قبل المراجع العام.. فهي لا تتقيد بضوابط التعامل المالي القانوني للعمل الحكومي. ويؤكد أيضا أن الجانب الغائب في كل ذلك هو فهم كيفية إدارة الشئون العامة والتقيد بضوابط العمل في مؤسسات الدولة، الشركات الحكومية تخضع لقوانين حكومة السودان، وهي تبعا لذلك خاضعة لسلطات المراجعة العامة، وعلى اردول أن يتقيد بما تنص عليه القوانين في هذه الحالة، فإذا كانت الإتهامات بحقه باطلة حسب ما يتصور عليه اللجوء للقانون، كما إن عليه كذلك التقيد بالقانون ابتداء في إدارة شئون مؤسسته، والسؤال الأهم؛ لماذا لا تقوم أجهزة الدولة بدورها في التحقيق حول ما يثار من إتهامات وما ينشر من وثائق..؟!
5
الناشطة القانونية التي فضلت حجب هويتها قالت لصحيفة الجريدة أن لا أحد يرغب في رؤية أردول يرسف في الاصفاد مخفورا إلى جانب البشير وعلي عثمان واحمد هارون ومامون حميدة .. ولا احد يشهر في وجهه ووجه المسؤولين الآخرين كبارا وصغارا سيف حقيقة أن هذه الموارد التي يبعزقونها يمينا وشمالا هي ملك لكل هؤلاء المواطنين الذين تمعن السلطة الانتقالية في تصعيب معاشهم وحياتهم أكثر وأكثر … ولكن لا أحد – بالمقابل – يعجبه أن تتلطخ سمعة وسيرة سلطة تنتسب لهذه الثورة ولشهدائها شئنا أم أبينا بفساد يماثل فساد السلطة التي اسقطتها ذات الثورة ويفوقه وعلى السيد حمدوك – والحديث لا يزال للناشطة القانونية – أن يحسم هذا الجدل المؤلم ويحيل ملفات هذه الشركة وغيرها من البؤر التي ظهرت فيها مستندات وحقائق موثقة تشير إلى وجود فساد إلى لجان تحقيق مستقلة وبعيدة عن تأثير أي مجرم أو مشبوه.
أما بخصوص الاتهامات المبثوثة عن فساد ضمن قيادات الدولة العليا فتقول الناشطة القانونية أن الأمر يحتاج لمجهودات مكثفة من كل القوى الثورية لمساندة حمدوك في مواجهة هذا الفساد إن وجد ومهما كان المطلوب صعبا ومحفوفا بالمخاطر والمكاره فإنه لا بد من السير نحوه لأن المسألة – على حد تعبيرها – هي أن نكون دولة شفافية ومؤسسات وسيادة حكم القانون ومساواة الجميع أمامه .. أو لا نكون
الجريدة
الدعم السريع يفرج عن 28 من عناصر الجيش
كادقلي – الشاهد: أطلقت قوات الدعم السريع سراح 28 من الجيش تم أسرهم قبل نحو اسبوع في …