‫الرئيسية‬ آخر الأخبار العطل عن الحضارة ، الفقر المعرفي ، والشخصية التابعة
آخر الأخبار - رأي - يونيو 9, 2021

العطل عن الحضارة ، الفقر المعرفي ، والشخصية التابعة

عبد الحليم أبو قصيصة :

لماذا نتناول حميدتي بالتحليل الذي أكثره تداول للشائعات في أغلب الأحيان، وماذا يعنينا فيما يخصه؟ فيما يخصني يعنيني التحليل الحقيقي بناء على المشاهدات وليس بناء على الشائعة، وذلك لوضع الرجل في مكانه الحقيقي، وتنقية الصورة من الشوائب والمبالغات.

حميدتي والتخلف :
حميدتي عبارة عن ظاهرة متقادمة ضارة، هو نتاج المكان والزمان والظرف، لكنه وبمحض إرادته اختار أن يتحول من البدائية إلى الفساد دون المرور عبر الحضارة، هناك من يختصر الأمر في أن حميدتي ليس لديه خطاب خاص به لذلك فهو يستلف خطاب ولسان ومشاهد نظام البشير، لكن هذا الإختصار مخل، فالحقيقة أن حميدتي عاطل عن المعرفة الحضارية، أو قل عن الحضارة برمتها، وبالتالي فإن مخزونه المعرفي فقير فيما يخص الحياة الحضرية الأمر الذي يجعل خياله عاجز عن إنتاج أي شيئ خلاف ما اختبره خلال فترة صعوده التي رتبت له بواسطة جهاز أمن النظام البائد (الذي لا يزال يعمل) والتي اتسمت بالفساد والتسلط. جزء من فهمه الخالي من الحضارة يجعله يتوهم أن بإمكانه الإرتقاء إلى مكان مرموق في الدولة ونيل قبول عالمي قائم على اتفاق الجميع (التآمري) على نسيان ما فعله في دارفور، وما فعلته وتفعله مليشياته (أو بالأصح مرتزقته) في الخرطوم!!! الرجل لا زال يفكر بمنطق أن من يستطيع أن يقتل الآخرين هو سيدهم وبالتالي هو من يمتلك الحق، وأنه إن تعطف وحقن الدماء فذلك من شيم الكرام ويستحق على ذلك الشكر والتبجيل!!! تشدقه بـ “القانون” هو أكثر ما يفضحه ويوضح عطله عن الحضارة، فالقانون بالنسبة له هو تهديد فقط، فهمه أن القانون عقوبة وليس حقوق، وهذه العقوبة تقع فقط على غيره، فهو لا يطاله القانون لأنه الفاعل في فعل التهديد بالقانون وليس المفعول به، الأعجب من ذلك هو التهديد بالقانون وإضطلاعه مباشرة بتحديد الفعل المخالف وشكل العقوبة حتى قبل أن يقوم المعنيين من أهل القانون بالتوصيف القانوني للفعل إن كان فعلا مخالفا للقانون أم لا!!! يبدو لي أن حميدتي يعتقد أن اي فعل لا يعجبه هو بالضرورة ضد القانون، أو يجب أن يكون كذلك!!!
جزء كبير من فهم حميدتي المتخلف وعدم انتماءه للحضارة والمدنية هو عدم ورود فكرة المؤسسية في خياله المحدود جدا، حميدتي يعتقد أن الدولة يمكن أن تختصر في شخص وبالتالي فهو يفترض أنه بإمكانه أن يحل محل الدولة!!! الدلائل كثيرة ومنها تكرمه على بعض موظفي الدولة بمرتب ثلاثة أشهر (كدة من عندو!!!)، لم يحاول حتى أن يضع هذه الهبة في صورة تجعلها مقبولة للقانون وللوائح الدولة (وهو أمر صعب)، بل أحل نفسه مكان الدولة بشكل تلقائي ودون أن ينزعج، وجاء خطابه الأخير في قري مليئا بهذه الفكرة، ومعها فكرة أقرب إلى دولة الدعم السريع!!! الأمر الذي يجهله حميدتي هو أن مبدأ حكم الفرد عموما (حتى وإن لم يكن عسكريا)، هي أمر مخيف بالنسبة للمجتمع الدولي حتى وإن كان هذا الفرد من طينة الملائكة!!!

حميدتي والعقلية التجارية البلدية :
حميدتي يرى الحياة مكسب وخسارة بالطريقة البلدية المحلية جدا؛ المكسب العاجل وعدم وجود أي رؤية للمكسب الآجل أو المكسب المستمر، وليس بالضرورة أن يكون هذا المكسب شريفا، في واقع الحال الشرف معوق لطموحات حميدتي! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالمكسب لديه لابد أن يكون على حساب الآخرين، بمعنى أنه لابد أن يكون هناك خاسر كي يربح هو، وخسارة الآخرين لا حدود لها عند حميدتي، فخسارة الآخر (أو الآخرين كلهم) للمال أو للشرف أو حتى للحياة هو أمر مقبول (أو قل مقدر ومكتوب) طالما كان هو الرابح!!! هذه العقلية هي السبب في كوارث دارفور، وهي أيضا السبب في انحزاله عن البشير وابنعوف، لأنه ليس هناك مكان لشرف الإتفاق مع البشير طالما لاح في الأفق المكسب الأكبر مع البرهان. الفكرة التجارية البلدية أيضا جعلت حميدتي يتعامل مع ذمته المالية بعقلية زعيم عصابة، لا يعترف برقابة على مصادر دخله ولا منصرفاته، لا يكشف معاملاته المالية حتى بعد أن اصبح “نظريا” تحت إمرة الدولة، ولا يرجع لأي جهة مالية حتى وإن كانت داخلية. هذه العقلية تزيد من عدم قبوله داخليا، وتقود خارجيا الي التوجس منه ووضع الكثير من علامات الاستفهام حوله خصوصا أن العالم كله يحارب غسيل الأموال ومصادر الدخل غير المعلومة وبالذات إن جاءت من أماكن مشبوهة وكانت تشوبها شبهة تجارة حرب وشبهة الإتجار بالبشر ((Modern Slavery ولدى حميدتي جبهتين مفتوحتين من جبهات الإتجار بالبشر.

حميدتي والتضخيم :
حميدتي حتى في عالم المرتزقة ليس له قيمة!!! حميدتي يضخم الأشياء بسبب تربيته على يد نظام قام على التضخيم، وانسحب ذلك على آلته الإعلامية ومنها إلى الناس الذين اسرفوا في تقييم حميدتي وقوته وقواته، فحتى المعارك التي يتشدق بها هي معارك قزمة في عالم هذا النوع من المعارك، وليس فيها معارك مواجهة وهناك الكثير من الأدلة والتحليلات متاحة للكل (بما فيها معركتهم الأثيرة في خور دنقو!!). لذلك تراه هو وجنجويده منتفخون في مواجهة الثوار العزل الذين يرفعون السلمية شعارا، لأنها الحالة الوحيدة التي يمكن أن يتخلوا فيها عن جبنهم ويواجهون الآخر، هذا الجبن مصحوبا بعدم الشرف الذي ذكرناه سابقا يجعل حميدتي ومرتزقته يعاملون الآخرين بقسوة وفظاظة اقرب للتشفي هي في الحقيقة للتعويض النفسي عن جبنهم ونذالتهم.
من المهم أيضا معرفة أن هذا الجسم الذي يسمى قوات الدعم السريع هو أيضا (منفوخ على الفاضي) بسبب هشاشة تركيبته، هناك عاملين فقط يمكن أن يدفعوا الأشخاص للإنضمام لقوات الدعم السريع: الإنتماء القبلي والمصلحة المادية، وكلا الدافعين يمكنهم أن يتفسخوا في جو عدم الشرف الذي يسود هذه المؤسسة؛ لا أعتقد أن هناك من يختلف في أن المصلحة المادية لا تخلق إنتماء متينا، وأذكر من يضخمون تأثير عامل الإنتماء القبلي أن هذا العامل في هذا المستنقع لا يعول عليه والدليل ما فعله حميدتي نفسه بموسى هلال.

حميدتي المنساق :
حميدتي يرى نفسه ذكيا بغباء تام، فهو محدود جدا على المستوى المعرفي، وبالتالي فقياسه للأشياء يتم بأدوات ناقصة جدا والنتيجة أنه دائما في وضع المنساق، هناك دائما من يحركه عبر مصالحه الضيقة، وأكاد أجزم أنه حتى من نظنهم في وضع أضعف منه من فلول النظام المباد ما زالت في يدهم من الحيل والأدوات ما يمكنهم من قيادته وتوجيهه. فكرة حميدتي في التوسع والإنتشار خارج الحدود أيضا لم تخرج عن فكرة الإنسياق والخدمات المباشرة بالمقابل المباشر.
من مظاهر غفلته التي لم يتحرج من ذكرها أنه قال أن هناك البعض ممن ينتحلون شخصية قوات الدعم السريع للقيام بأعمال منافية للقانون، ولو علم لأي مدى تتضرر شخصيته بسبب مثل هذه التصريحات لأغلق فمه، فهو إن كان كاذبا فذلك يعني أنهم هم من إرتكبوا هذه الفظائع، وإن كان صادقا فانتحال شخصية قوات “غير نظامية” مثل قوات الجنجويد فيها استخفاف بقائدها الأمر الذي يتسق مع ما ذكرناه عن شخصيته المنقادة، ويجعل مؤسسته برمتها مرتعا لكل من يريد الإختباء خلفها لارتكاب القبائح في علم قائدها الدلدول!!

الخلاصة :
حتى وإن كان حميدتي مشروع قائدا لدولة، وهو ليس بذلك، فقد إنتهى زمن القائد الغامض ذو الأروقة الخلفية والعلاقات المتشابكة غير المفهومة وموازين القوى الخفية، القائد الذي يخفي أكثر مما يظهر القائد ذو الدوافع المبهمة التي لا يجوز التساؤل عنها، القائد الذي يفعل ما يريد ولا يسأله أحد. وانتهى معه زمن التسلط والاستبداد وحكم عاطلي المقدرات للشعوب بقوة السلاح أو بإدعاء التفويض الإلهي.
والأهم من كل ذلك: إنتهى زمن القائد الذي يفرض نفسه على الأمة دون أن يستصحب الإرادة الشعبية حتى وإن كان على النقيض من حميدتي متمتعا بالشرف والمعرفة والحضارة واستقلال الشخصية.

‫شاهد أيضًا‬

جوبا : توافق تام بشأن توحيد الجيش ودمج قوات الدعم السريع فيه

جوبا – الشاهد : أكد خالد عمر، وزير شؤون الرئاسة المتحدث باسم وفد الحكومة السودانية ف…