‫الرئيسية‬ آخر الأخبار تسوية بالسالف والتسوية الحقيقية
آخر الأخبار - نوفمبر 6, 2022

تسوية بالسالف والتسوية الحقيقية

خالد فضل:

نظام السالف من الممارسات المعروفة في كثير من أنحاء السودان , وهو عبارة عن مساومة مالية تحدث بين الحرامية وأصحاب المسروقات من جهة ثانية وذلك عن طريق طرف ثالث معروف للجانبين, وفي معظم الحالات لا يتم رد المسروقات كاملة , وبمنطق (المال تلتو ولا كتلتو) يقبل صاحب المسروقات بالتسوية الناقصة والمكلفة . ومن شروط السالف ( الإفلات من العقاب ) أي ألا يتم أي إجراء قانوني ضد اللصوص مثل تدوين بلاغ في الشرطة , أو تعقّب اللصوص , فإذا حدث إخلال بأي شرط من تلك الشروط من جانب صاحب الحق المسلوب , يتنصل اللصوص من الإتفاق ويفقد الشخص كل ما تمت سرقته منه.

بدا لي الشرط الذي وضعه الإنقلابيون في حواراتهم مع بعض مكونات قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) مثل شرط اللصوص في عمليات السالف , فبحسب الأستاذ محمد حسن المهدي المسؤول السياسي لحزب الأمة القومي , وضع العسكريون الإنقلابيون شرطا لتسليم السلطة للمدنيين ؛ هو ضمان عدم مساءلتهم ومحاسبتهم عن الجرائم التي وقعت خلال فترة سيطرتهم على الحكم , ولتأكيد سريان هذه الضمانات فإنهم يصرون على حراستها وذلك بأن يكون لهم دور في السلطة المدنية المأمولة.

في تقديري , هذا شرط متوقع من جانب المشتبه في أرتكابهم لجرائم , فاللصوص في عملية السالف يعرفون أنّهم لصوص , ولهذا يصرون على الضمانات , بهذا المنطق يعترف العسكريون بإرتكابهم لجرائم ضد شعبهم ووطنهم وما يخشونه فقط هو المحاسبة؟ وقد عبّر السيد حميدتي نائب زعيم الإنقلاب عن هذه المخاوف بقوله ( كيف تسنّوا لينا في السكاكين لذبحنا وتقولوا لينا نسلم رقابنا, ما بنسلما كدة ) هذه نقطة مهمة وتطور معقول في مسار حل المأزق الوجودي للسودان (مأزق بقاء كما يسميه د. منصور خالد له الرحمة ), وهو مدخل يمكن النظر فيه بروية وتمهل وعمق وبعد نظر يتجاوز الحالة النفسية المشدودة الآن . إنّ أول خطوات التعافي والحلول تبدأ بالإعتراف بالذنب , ويبدو من طلب الضمانات أنّ العسكريين يشعرون فعلا بأنّهم ارتكبوا ما يستوجب المحاسبة , الآن يمكن أن تمتد لهم الأيادي لإنقاذهم من ورطتهم , لقد تدنت سقوفات البرهان قائد الإنقلاب يوم 25أكتوبر عام 2021م من قائد لثورة تصحيح لمسار الثورة السودانية الباسلة , ووعوده (الفشوش) بتكوين حكومة كفاءات خلال إسبوع واحد , ومجلس تشريعي في غضون شهر , وإكمال كل هياكل السلطة الإنتقالية في 90 يوما أو أقل , وإجراء الإنتخابات في منتصف 2023م , تبخّر أثر خطاب إنقلابه وتقزّمت طموحاته وعساكره إلى تخوم (السلامة الشخصية ) خوفا من (السكاكين ) التي تتأهب لنحرهم.لم يحدث ما حدث إعتباطا , ولم يحدث تآمرا وخسّة ؛ كما (حدث ما حدث) فجر مذبحة فض الإعتصام , ولكن ما حدث هو إشتعال المقاومة المجيدة قبل إذاعة بيان الإنقلاب , يشهد الله أنّ أبنائي ( الصبية) فركوا أعينهم من النوم فقط لأجدهم في الشارع رفقة كل أندادهم من أبناء الحي , لم يغسلوا القذى عن أعينهم بل كحلوها بدخان الإطارات , تحت شعار ( في لحظة تلقى الرد كل الشوارع سد) قبل أن يمطرهم البمبان والرصاص الإنقلابي , وما استسلم الشباب , لم يهنوا أو يضعفوا , قالوا عنهم ما قال المرجفون والقاعدون والمتكلسون , وما اهتموا , استهزأ بهم المحرضون الأمنيون , فكان (سؤالم رد) وثابين أوان الجد دفاعا عن حياض السلم والإفصاح _ كما غنّاهم وعناهم الشريف محجوب عليه أوسع رحمات المليك الجبّار , هولاء هم أصحاب التسوية الحقيقية وبدون سالف.

لجان المقاومة , وهي كما هو معلوم ليست منتخبة ؛ وهل يتم انتخاب لفدائي ؟ وهي كذلك ليست معيّنة من أي سلطة ؛ وهل يتم تعيين شهيد !! هي فعل ذاتي بدافع شخصي محض وهمة إنسانية باهرة وقدرة على التضحية مذهلة , لقد قرر الجيل الراهن من أولادنا وبناتنا أن يكونوا هم السد الذي تتكسر عنده كل أمواج الفشل التاريخي المتراكم منذ الإستقلال , قرروا بحزم أن ينهوا وإلى الأبد ظاهرة (غيب وتعال تلقانا نحنا يانا نحنا),في تبادل مقيت لدورة الحكم الجهنمية , ديمقراطية لم تكمل دورة واحدة صحيحة فإنقلاب عسكري فاشستي بغيض يسلخ من عمر الناس سنوات تتطاول لعقود من أنضر أيام العمر وأكثرها إنتاجا وخصبا ,ترى كم من عقل فذ فقدناه بقتل صاحبه لمجرد اختلافه في الرأي مع العسكري الحاكم , كم من موهبة نادرة أهدرتها سيطرة العسكري على مقاليد السلطة موالاة للخبثاء وابعادا للنجباء من بنات الشعب وأولاده , كم من طاقة شبابية جبارة تنحت الصخر وتصنع المستحيل إن وجدت مناخ المدنية الصالح وهواء الديمقراطية المنعش وفضاء الحرية الرحيب , كم من أيادي سلفت في خدمة الشعب جازاها الحكم العسكري بالتشريد والقمع والتهديد كم وكم من مآسي في دارفور وجبال النوبة والأنقسنا والشرق الكئيب , بل كم من فجائع في سوح الجامعات وشوارع المدن وأزقة الحارات ودروب الأحياء , كم وكم , مما جعل هذا الجيل يقرر بعين فاحصة وعقل نجيض وفكر ثاقب أن كفى . نعم كفى للمهزلة , وأول خطوات السير على الطريق السوي , اعتراف صريح بالموبقات , والتخلي عن الإنكار للجرائم , فليس هناك طرف ثالث ولا يحزنون , هناك طرف يقتل ويسبب الأذى , يجب ألا يفلت من العقاب , وشجاعة الشجعان تبين عند الإمتحان وما أشدّ إمتحان النفس ومواجهتها بصدق , أكاد أجزم أن لحظة الإعتراف ستمثل اللحظة ذاتها المناسبة لطلب الصفح والغفران وطي صفحة الماضي , ليست هناك سكاكين يتم سنّها لجز رقاب المجرمين خبط عشواء , هناك آليات للعدالة الإنتقالية لعل من ضمنها المحاكمات الجنائية , وقد أكدت أسر الشهداء في أكثر من مناسبة أن في إمكانها تجاوز ضيمها وغبنها الخاص وطي القلوب على الفجيعة حال تحققت للبلاد الأهداف التي مهرها أبناؤهم وبناتهم بالأرواح , هذه نقطة إيجابية ومشجعة , فالضابط لا تكمن عظمته في عدد من قتل من أبناء شعبه ولكنها تكمن في تحمله المسؤولية عمن قتلوا تحت إمرته من أبناء شعبه الأبرياء , تلك هي أنواط الشجاعة الحقة , وتلك هي لحظات الخلود للفعل النبيل , كل ذنب يمكن غفرانه بعد التوبة النصوح . الآن هو الوقت الصحيح للمخطئين بالكف عن طريق الشقاء , الآن هو زمان هذا الجيل الواعي الناهض الذي في استطاعته فعل المستحيل ذاتو في سبيل تحقيق حلمه ووعده , التسوية تبدأ منهم وتنتهي على أحسن حال دون سالف , هذا هو السبيل قبل الطوفان الأخير . المجد للشهداء العافية للمصابين والعودة أو معرفة المصير للمفقودين , والإجلال لهذه الشوارع التي أبدا لا تخون ..!!

‫شاهد أيضًا‬

جماهير غفيرة تحيي ذكرى مجزرة 17 نوفمبر في مواكب هادرة ببحري

الخرطوم – الشاهد خرج الآلاف، يوم الخميس، في مواكب حاشدة إلى المؤسسة بحري في ولاية ال…