‫الرئيسية‬ رأي يوم أخير فى حياة العميرى !!
رأي - يوليو 5, 2020

يوم أخير فى حياة العميرى !!

حسن وراق

كان ذلك بعمر الانقاذ، صباح الاربعاء الثامن والعشرين من يونيو 1989 في مكتب ادارة تموين الخرطوم الملاصق لدار نقابة الصحفيين بشارع المك نمر حيث كنت اعمل وكغير عادته دخل المكتب دون ان يلقي التحية وهو في كامل اناقته متهندماً بقميص نصف كم ناصع البياض وبنطلون كامل السواد مع لون الحذاء. جلس مهودا في فراغات (الابستراكت) ينتظر فراغي من حلحلة مشاكل عمل مع نفر من الجمهور.

شاي؟ ، قهوة؟ بارد؟ يومئ برأسه ممانعا. طيب تفطر؟ بعد برهة أجاب .. ما يكون فطور تقليدي! لم أخبره بما عزمت عليه .. هيا بنا وانطلقنا وهو لا يسألني الي أين. توقفنا عند أحد المنازل بديم القنا بالخرطوم. استقبلتنا (روما) صاحبة الدار وهي من سلالة الملكة سبأ مكتنزة بكل التراث والطقوس الاثيوبية تستقبلك بابتسامتها الوضيئة *مبددة كل الأحزان.

البيت صغير وبسيط اضيفت اليه بعض تعريشات الحصير للزبائن الذين يعشقون طعام الاثيوبيين وهو من أكثرالمطابخ *التي تلاقي رواجا وإقبالا عالميا. وباعتباري زبونا VIP أستقبل ضيفي في غرفة كبار الزوار في دارها العامرة. الغرفة أكثر بساطة اضفت عليها الديكورات الاثيوبية فى جاذبية مدهشة.

الغرفه مفروشة بالرمل المرشوش ، نثر عليه برسيم طازج داكن الخضرة فوقه عيدان من نبات الرجلة وأغصان من النعناع عبقت روائح الغرفه وبنداوة تجعلك تألف المكان سريعا وترتبط به. ملصق كبير لفاتنة اثيوبية في قمة هضبة تعد مشروب القهوة بزي الزوريا الابيض الجميل الذي تزيقه الألوان الأصفر والأحمر والأخضر وعلي الحائط المقابل لوحة من القماش تجسد صورة العذراء مريم تحنو علي ابنها. قطع من الاثاث علي قلتها تملأ الغرفة بساطة والفة.

ظل العميري طوال تواجده بالغرفة في حالة دهشة واندهاش وكاد أن يصرح قائلاً.. وجدتها وجدتها وهو يجيل ببصره في كل الاتجاهات ويتمتم بصوت مسموع .. يا الله! ارتاح للكرسي الذي يجلس عليه وهو من الخشب المهوقني الخفيف والمتين *والذي يمكن طبقه وحمله بسهولة كان أحد اثاثات البيوت في زمن غبر .. الملاءة التي تغطئ السرير مشغولة باليد تداخلت فيها كل فنون قطبة التطريز * .. زفة الوان تحتل كل شئ دون نشاز ولا تحدث انتكاريا.

وضعت صينية الاكل واحضرت احدي الصبيات ابريقا وطست كما هي العادة عندهم لغسل الايدي . انتظرته ليبدأ الاكل وهو يزداد إندهاشا ينظر الي الاكل فى صينية بيضاء من الطلس لا توجد بها صحون فرشت فيها الانجيرة او ما يعرف ب (كسرة الحبش) فوقها (كومين) من زغني اللحم المقطع صغيرا والآخر زغني الدجاج البلدي تنبعث منهما روائح البهار الحبشي تفتح ابواب الشهية بحرارتها وسلطة الخضار تكمل المساحة وفي المكان المخصص تستدير شطة الدليخ وبعض من شطة الاوازيه.

كان لا يريد أن يمد يده ويفسد لوحة الاكل لو لا أن نكهة الطعام استفزته بأن يكمل تذوقه. استغرقنا وقتا في تناول الطعام ومع كل لقمة يستسيغها تتشكل مفردات الإبداع في (راماته). علي النافذة *الجنوبية قٌلة (قناوية حبشية)، ماء الشراب في برودة طبيعية راوية. وعلي حسب الطقوس أٌحضر الينا كوبين من عصير (الميس) المثلج المنعش المصنوع من عسل النحل الاصلي *مخمر بطريقة تساعد علي الهضم (شربوت) نرتشفه علي انغام صوت آله الربابة الأثيوبية (الإرا) او (الواتا).

رائحة البخور يعبق فيها اللبان مع العدني والجاولي إذانا بشراب البنة. كان العميري مأخوذا *بكلياته لم أظفر منه بكلمة او جملة تترجم ما يجيش بخاطره كان فى حاله (تحميل) وتخزين. خرجنا سويا من هذا المنزل (البسيط) الذي (عدّل) مزاج حالة حزن العميري…بادرني قائلا *اسمع! يعني الواحد ممكن يحلف صادق انو كان في اثيوبيا؟! عشان كدا السبت الجايي أنا عازمك في نفس الحتة اوعك تنسي وتعمل ليك ارتباط .. أنا بجيك في نفس المواعيد، ليختفي مني في شارع البلدية.

لم أنس سبت العميري ولكن إنقلاب الانقاذ في جمعة الحزن *30 يونيو قلب المواعيد وادخل كل البلاد في الحالة التي أنبأنا بها حزن العميري. بعد اسبوع تمام * ، الاربعاء الخامس من يوليو وفي طريقي الي المكتب أجد مجموعة من الاصدقاء في إنتظاري، المرحوم صلاح حمدالله، علي ابوراس، مامون عجيمي، خالد ورقة، مهلب على مالك * .

قدم لي علي ابوراس شهادة حسبته انه يريد تصديق سكر لمأتم كما قضت بذلك لوائح التصديقات وقتها. لم اصدق عيناي وانا اقرأ التاريخ 1989/04/07 اسم المتوفي عبد العزيز عبدالرحمن العميري اسباب الوفاة * التهاب حاد بالقرحة. لم نك نعلم أن العميري وقتها كان حزينا علي ما سيئول عليه حال البلاد مستشعرا انقلاب (الجبهجية) حتي إنفجرت قرحته مقدما نفسه من اوائل شهداء نظام الانقاذ. تمر اليوم ذكري النورس عبدالعزيز العميري مستودع الابداع الذي رحل مخلفا حزنا ساكنا فينا جميعا والي الابد، طبت حيا في علياك

‫شاهد أيضًا‬

بين تصدع الانتقالية وتهتك الشيوعي

حكمة يعقوب : تفرق دمنا الاسفيري،مابين مناصرة ضحايا الحرب في دارفور وضحايا حرب الأجساد في ا…