‫الرئيسية‬ رأي العودة لـ”الكراود” مرة اخرى
رأي - أكتوبر 24, 2020

العودة لـ”الكراود” مرة اخرى

محمد فاروق سلمان :

والعودة للحشود لن تنتج حلولا، لكن ومع عجز عقلنا السياسي الحالي وجموده قد تكون الحشود تنبيه له كلفة اضافية للفشل وحصانة من ان يقود هذا الفشل لصعود التيار السلطوي الحالي في الحرية والتغيير (المجلس المركزي) وتهديد لهوية “الهيمنة” التي طبعت الصراع الوطني حول السلطة منذ استقلالنا الاول كنموذج وحيد اتاحه الاستعمار التقليدي لمفهوم ممارسة السلطة، والذي بطبيعة الهيمنة لن يؤسس لصراع ديمقراطي حول السلطة وممارستها. تشكل هذه النزعة للهيمنة الان مشروع الردة الحقيقية عن الثورة؛ سواء في كيفية الممارسة السياسية او ادارة الانتقال السياسي مع/داخل القوى النظامية والامنية والتي تتحول الان من شراكة في مهام الانتقال الى مشاركة في وظائف السلطة، مما يبقي على ذات بنية الدولة القديمة والنظام السابق مع ابدال واحلال قادمين جدد في نفس جهاز الدولة المدني ونظامه، لن يكونوا في كفاءة نفس القادمين من القوى النظامية والامنية وهو الامر الاوضح الان في ضعف السلطة المدنية وعدم كفاءتها.

الذين يحذرون الناس من سيطرة القطاع الامني على السلطة ويصورون هذه السيطرة كانقلاب عليهم الانتباه لكون هذا “الانقلاب” الان هو امر واقع، طالما ان بنية السلطة هي نفسها، فالقوى النظامية التي تشاركهم ادارة الانتقال تمرست داخل هذه المنظومات القديمة وترقت فيها، بينما القوى المدنية ظلت ترفع شعارات وعنواين اقرب لمحمول قيمي وليست افكار محددة ورؤى جاهزة للتطبيق وفق عقلية المقاوم والبقاء طويلًا في منصة التحريض، بعيداً عن منظومة الدولة وادارتها، وسيصطدم بناء هذه الافكار والرؤى والالتزام بعملية تغيير جوهري بمسالتين اساسيتين: الخمول الفكري والذي شكل حالة الفقر الفكري الواضح في طبقتنا السياسية، والمسالة الثانية ممارسة السلطة من قبل هذه الطبقة نفسها، والتي ستفرض الادارة وفق الاولويات لطبيعة السلطة عليها نمط لن ينتبه الى طبيعة النظام الذي تعمل من خلاله وَلَن تنتبه لاهداف التغيير التي أتت بها، فالسلطة بدرجة كبيرة تنزع للاستقرار والمحافظة وقد تنقلب الاهداف عندها وفق هذا لمخاطبة الاستقرار من خلال نفس منطق النظام السابق باعادة الحديث عن هيبة الدولة وفرض الامن حتى لو قاد هذا لمواجهة الجماهير! ليتحول فقر طبقتنا السياسية الفكري او ما اميل لتعريفه بالـ intellectual gab لفقر قيمي يعزز من حالة فراغ وجود قيادة حقيقية لهذه الثورة حتى الان وانفصال من يمثلونها عن قاعدتها. وهذا سيقود اما لاعادة تدوير ذات الممارسة السابقة والابقاء عليها باسم حماية الثورة مما سيبقي على هياكل الدولة ونفخ الروح في دوائر العنف واستمرار الانتهاكات!، او سيقود لممارسة السلطة بمزايا المعارضة على نحو ما فعلت الحركة الشعبية بعد نيفاشا في ٢٠٠٥، وتفعل بعض احزاب الحرية والتغيير الان في تبني دعوات التظاهر والعودة للحشود لتصحيح مسار نفسها!!

دور الحشود او الكراود شانه شأن الثورة نفسها او ما يعرف بالـ power of masses، لن يكون ابدا اسلوب حياة ولكنه حالة طارئة تتيح القفز في التاريخ لما يجب ان يكون رؤية منحازة للمستقبل وواعية بالتاريخ نفسه وبكل فصوله حتى لا نعيد فصوله، وكأمر طاريء لا يمكن ان يستدام الا من خلال استدامة القيم التي اطلقت الحشود وأوجدت وحدتها في لحظة تاريخية حول اهداف وقضايا الثورة التي يجب التعبير عنها بشكل مؤسسي في هياكل الدولة والسلطة النظامية (بمعنى جهاز الدولة بكامل بنيانه) وهو ما نسميه بالانتقال من الثورة الى الدولة بمعنى تحويل السلطة (الغير رسمية) للجماهير عند الثورة للسلطة (الرسمية) في اجهزة الدولة والقوانين والقواعد التي تحكم مؤسساتها بما يعبر بالضرورة عن الثورة وقيمها في عملية تغيير اشمل تطال حتى المؤسسات السياسية والممارسة السياسية نفسها وهو ما تحاول الطبقة السياسية عندنا الالتفاف عليه بالاعتداد بتجربتها وفق تغليب خطاب الادانة على خطاب التغيير لتجاوز ضرورة ان تتم اي تسوية وفق ارادة سياسية، حتى تكون تاريخية، وفق شروط التغيير ومسار الثورة نفسه تحاشيا لنموذج شراكة “التربص” الحالي مع القوى النظامية او “اللجنة الامنية للنظام السابق”.

جمود الممارسة السياسية عندنا خلق فراغا لن تعترف به العملية السياسية وسيتم ملأه دائما بصراع مباشر بين سلطة الدولة وحركة الجماهير اي السلطة الرسمية والسلطة الغير رسمية اذا جاز تسمية حركة الجماهير كذلك في ظل وهن السياسة وجمودها على نحو ما يحدث الان، وستتنقل طبقتنا السياسية بين هذين المستويين بشكل بائس بدل ان يكون لها مساهمة خلاقة في الانتقال وتعزيز سلطة الجماهير بتعزيز مشاركتها في السلطة الرسمية وطرح قضاياها عبر الممارسة السياسية المسؤولة، بدلا من العودة بالتاريخ للوراء والانغلاق في متلازمة ما بعد الانقاذ post Ingaz syndrome وتجميد الصراع مع السلطة في مرحلة ما قبل سقوطها! والعودة من جديد لهتاف لم تسقط بعد!! وهو امر لن يكون في طاقة الجماهير طويلا؛ فحركة الجماهير من خلال ممارسة مباشرة للسلطة عبر منطق الحشود crowd ستكشف عن تناقضات داخل الجماهير نفسها اكبر من تناقضات السلطة الرسمية، وفي حين تكون التناقضات في السلطة الرسمية والصراع بين مستوياتها ميزة لمخاطبة مصالح الجماهير على نحو: “اختلاف علماء امتي رحمة”، وهو امر يتم تعزيزه وفق مبدأ فصل السلطات واستقلاليتها في الدولة الحديثة، لكن وبعكس هذا تماماً ستقود التناقضات في حركة الجماهير لاضعاف سلطة هذه الجماهير وخلق فرص لانحراف سلطة الدولة وستكون الرحمة نقمة هنا، وبدلا من تعزيز فرص البناء والتحول الديمقراطي لمخاطبة تنوع وتضاد أيضا مصالح الجماهير، ستكون الفرص اكبر للردة والهدم وتهديد سلامنا الاجتماعي على نحو ما يحدث في شرق السودان (وتنذر مؤشرات عدة بامكانية تفجره في اماكن اخرى). ولن يمضي وقت طويل حتى نرى نفس هذا التهديد للسلام في مواكب السلمية نفسها وليست أدل على هذا استحالة تنظيم هذه المواكب وفق القضايا الان واصبحت مواقيتها تعتمد المناسبات الوطنية وفق الكالندر! لتتناقض دوافع حراك الجماهير من مجرد طقوس للاحتفال، الى مطالبات بتصحيح المسار وحتى دعوات الاسقاط مرة اخرى، وليس أنكأ من تناقض التحريض الا تناقض منصات التحريض نفسه: فحين تجد احزاب ومكونات من “قحت” لا تريد مغادرة منصة التحريض؛ حتى ولو على نفسها بمزيج اقرب للملهاة: بين ما تعودته وصار إدمانًا والاستهبال “العديل”، تجد أيضا منسوبي النظام السابق بعد ان اتاح لهم ما يحدث الان عذرًا عما حدث منهم يعزز دعواتهم للخروج خوف غريزي من مستقبل أمرهم وفق ضبابية كل المشهد وربما رغبة في تجريم مجمل ممارسة السياسة حتى يحتمل التاريخ كسبهم! وبين هؤلاءين حركة الجماهير واصحاب القضايا التي ستدفع من دمها وحزنها كلفة العودة للحشود مرات اخر، حتى تتبين لها من امرها مخرجاً ويكون لها من بينها رشدا، بعد ان عدمت رشد الساسة.

“وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ. وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ”

‫شاهد أيضًا‬

وفاة قحت

الفاتح جبرا : المتابع للمشهد السياسي الآن يري ان المولد قد إنفض وقد تم تماماً إزاحة الحاضن…