‫الرئيسية‬ رأي ثنائية التجويع والتطبيع
رأي - أكتوبر 26, 2020

ثنائية التجويع والتطبيع

الوليد مادبو :

لم نسمع بعد تصريحاً للحاضنة السياسية لحكومة حمدوك بشأن التطبيع الذي نكره الأخير في بادئ الأمر، وأقره عندما ارتأى أنه لا يمكن له أن يخرج عن إرادة العسكر. هذه الصفقة ليس لدعم رفاه للشعب، هي لدعم العسكر الحاليين وتمكينهم كي يحدوا من طموح الشعب السوداني في الحرية والكرامة والانسانية. اسرائيل برهنت أنها لا تريد سلاماً مع الشعوب، فقط هي تريد صفقة مع عسكريين تطاردهم الجنائية الدولية وتحيطهم الجرائم ضد الانسانية. ليس ثمة وقت أفضل من هذا الوقت لممارسة الابتزاز وتهديد من تسول له نفسه الوقوف ضد الإرادة الصهيونية!

إن المواقف السياسية الأكثر استدامة هي تلكم التي تنبع من قناعة الجماهير، لا تلك التي تفرض عليها، وفي الظروف القاحلة إياها. لماذا تصر الحكومة – إن كان لها الخيار – على البت في قضايا ذات طابع استقطابي؟ اليس من الأولى ترك هذه القضايا للجهاز التشريعي المنتخب، حتما ليس المنتدب؟ ما هي جدوى التطبيع السياسية والاقتصادية؟ ما هي الكلفة الاخلاقية والاجتماعية؟ ما هي آليات ومنهجيات التطبيع؟ هل يمكن للتطبيع أن يقود إلى سلام مستدام في المنطقة وما هي الشواهد؟ لا سيما أن إسرائيل دولة مارقة عن الإرادة الدولية وهي تمارس هذا العهر السياسي مع كل من تسول له نفسه من الأفارقة والعرب الخارجين والرافضين الإنصياع لإرادة شعوبهم، لا أكثر ولا أقل.

السؤال هنا ليس عن مبدأ التطبيع فهذا أمر يخص أصحاب الضمائر الوطنية والدينية وهم عدم في الشاكلة الحالية، السؤال هو عن الماهية والكيفية: كيف انتقل السودان من خانة الحماس غير المؤسس إلى ساحة التطبيع غير المبدئي، وفي هذا الوقت بالذات؟ هل هناك موقعاً بين الخانتين؟ وما هي الاستراتيجية المثلى للتطبيع؟ هل من حقنا ان نخطط لأنفسنا أم إننا سنكون تبعاً لبعض الدول الخليجية؟ أليس من حقنا أن نتكلم ولو يوماً أصالة عن أنفسنا ونيابة عن شعوبنا؟ هل هذه هي شعارات ثورتنا؟ هل هذه هي أولوياتنا؟ هل من أدوار الخارجية السودانية تثمين أدوار الدول الأخرى؟

ما هي الحيثيات التي اعتمد عليها معالي رئيس الوزراء دكتور عبدالله حمدوك – الذي أصبح بمثابة كبير الياورات في البلاط الملكي لهؤلاء العسكر المرتشين – في مباركته التطبيع مع دولة الكيان الصهيوني؟ هل هو موقف أيديولوجي أم سياسي إداري؟ كيف يتسني له تخطي إرادة الشعب السوداني وإعلانه للتطبيع دون الرجوع للجهة التي خولته حكم البلاد؟ هل كان التطبيع من أولويات الثورة أم أنه حالة اقتضاها التجويع؟ هل سيسد قمح نتنياهو المرسل خانة الجوع الذي ضرب بأطنابه القري والحضر؟

اعتقد أن الأمر يتجاوز الفوضى الإدارية التي تشهدها البلاد إلى بيداء النفوس التي جبلت على الخيانة، والتي أراد الله فضحها وتعريتها قبل أن يأخذها أخذ عزيز مقتدر. لقد كذبوا بشأن التطبيع وما زالوا يكذبون. قال حمدوك أن البرهان لم يبلغه باعتزامه الذهاب لملاقاة نتنياهو في يوغندا، ثم رجع فاستدرك وقال بأنه ذكر له ذكر له ذلك في معرض الحديث عن قضية آخرى. لا استغرب عن شيوعي الكذب ولا عن عسكري التحايل وكثر الشجب.

يجب أن لا نستغرب على قادتنا مثل هذه التصرفات فرئيس دولة عظمى مثل أمريكا لا يعبه بإخفاء أمر “المقايضة غير الأخلاقية” التي تجعله يرهن رفع إسم بلادنا من قائمة الدول الراعية للإرهاب مقابل التطبيع مع أبناء صهيون؟ أمريكا تعلم علم اليقين أن القدرات العسكرية والامنية التي وظفها نظام الإنقاذ لإرهاب الشعوب السودانية وشعوب المنطقة ما زالت موجودة وقد تم توظيفها في زمن غير بعيد لفض الاعتصام باسلوب هو الأكثر بشاعة في تاريخ الحماقات العسكرية، فما الذي جعلها تظن أن النظام الحالي قد تخلى عن مثل هذه القناعات؟

الرئيس الأمريكي لا يفكر في تحقيق سلام عالمي ومستدام قدر حرصه على إرضاء اليمين المتشدد في اسرائيل والمحافظ في أمريكا، على النقيض هو يشن حرباً على السلام الاجتماعي ويشكل خطراً على السلم والأمان العالميين بتأييده للدولة المارقة والخانقة في آن واحد.

يحتاج السودان لإرادة سياسية وسياسة إدارية كي يكون في سلم مع ذاته والآخرين. كل ذلك لن يجدي عنه شيئاً إذا كان في حرب مع رب العالمين (ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء). سورة الحج

الوليد آدم مادبو

أكتوبر / ٢٠٢٠

شُكال للحد من طموحات الشعوب وكسر إرادتها

‫شاهد أيضًا‬

انتفاضة حمدوك !!

سيف الدولة حمدنا الله : الذين هللوا لموقف رئيس الوزراء برفضه تشكيل مجلس الشركاء وقد جاء في…