‫الرئيسية‬ رأي ضيعت لينا فرصة الانسحاب !
رأي - أكتوبر 28, 2020

ضيعت لينا فرصة الانسحاب !

سالم الامين :

عندما انتقلت رئاسة الجامعة العربية إلى تونس بعد توقيع كامب ديفيد و مقاطعة كل الدول العربية لمصر ما عدا الخرطوم و مسقط ، جمدت مصر أرصدة الجامعة لحين أنجلاء الموقف ، مما أدى إلى صعوبات في الوضع المالي للجامعة . و هذا الامر جعل الأمانة العامة للجامعةط تدعو إلى اجتماع طارئ لبحث الموقف بناء على طلب وزراء خارجية الدول الغنية الممولة ، و التي أصبح لزاما عليها مقابلة الالتزامات و حل الأزمة .

في الاجتماع كان الوزراء الذين تولوا تقديم الموضوع لم يستخدموا الدبلوماسية في عرضه ، و لم يوفقوا في توزيع الأدوار . و بدأوا هجوما عنيفا على الدول التي لا تقوم بواجباتها تجاه الجامعة و لا تقدر الموقف المالي السئ للجامعة و مع ذلك تود أن تكون لها صوت في إدارة شؤون الجامعة ، وايضا لم تقطع علاقاتها مع مصر _إشارة إلى الخرطوم_ و يجب أن يساهم الجميع في مسؤليات تمويل الجامعة لانها لا يمكن أن تعتمد على مساهمات عدد محدود من الدول .
و لقد آثار حفيظة وزير الخارجية السوداني وقتها محمد ميرغني( التهديد) باستخدام ميثاق الجامعة على الدول المقصرة بعدم استفادتها من جميع خدمات المؤسسات التابعة للجامعة ، و ربما يصل الأمر إلى تجميد عضويتها في الجامعة .
طلب السيد محمد ميرغني وزير خارجية السودان فرصة للرد . و كان الجميع يتوقعون اعتذاره بسبب الظروف الاقتصادية التي تواجه السودان ، و قد استعدوا جميعا للرد على تعلل السودان باستمرار بصعوبة ظروفه . غير أن محمد ميرغني اتجه بحديث إلى منحى آخر غير متوقع تماما فقال :
( لقد فهمت بأن الحديث موجه إلى السودان و الصومال و اليمن و موريتانيا ، و عن بلدي السودان فلكم أن تعرفوا بأنني نوبي و لست عربيا و والدي تعلم العربية لكي يكسب عيشه لا أكثر ، أما والدتي فلا زالت تجهل العربية إلا بعض الكلمات و الجمل و هذا حال معظم أهلي النوبة في شمال السودان ، أما جنوب السودان فهو معلوم لديكم ، و عدد كبير من قبائل دارفور و كردفان و شرق السودان لها لغاتها و لهجاتها الخاصة غير العربية بأي حال .
غير أن هناك بعض القبائل في وسط السودان و نهر النيل التي تنتمي لأصول عربية هي التي قادت السودان و بالتالي أدخلته الجامعة ظنا منها بأنها مؤسسة ذات رسالة لتوحيد العرب في التحرير ، و التنمية ، و المصير المشترك .
ولذلك ظل السودان قبل استقلاله يدفع بمتطوعين للدفاع عن فلسطين . و ارسل لواء عسكريا لحماية الكويت عند هجوما حكومة عبدالكريم قاسم العراقية . و ارسل لواء إلى مصر بعد النكسة _ و وافق بكل ترحاب أن يكون عمقا استراتيجيا للأمة العربية باستقبال طائرات عسكرية مصرية حماية لها من ضربات إسرائيلية متوقعة . و قبل ذلك و في بداية القرن العشرين كنا نرسل كسوة سنوية للكعبة الشريفة و زكاة أمواله في قوافل إلى الحجاز قبل أن تكون المملكة بوضعها الحالي .
أما الآن و فيما ظهر من حديث أصحاب المعالي و الوزراء فقد أصبحت العلاقة بين البلاد العربية أشبه ب (شركة المساهمة) تقوم على المال ، و من لا يدفع أسهمه في الوقت المناسب تصادر منه حقوقه و يفقد وضعه في الشركة .
وعليه فإن السودان يقبل هذا الوضع الجديد من الشركاء ما داموا قد جرا به . و انا كوزير لخارجية السودان و علي يقع عبئ الدفاع عن كرامته ، أعلن انسحاب السودان من الجامعة العربية ) .
ترك الوزير الشجاع محمد ميرغني الأوراق _لانها لم تعد تهمه_ و اتجه خارجا نحو الباب يحف به وفد الذي الجمته المفاجأة تماما كما الجمت وزراء الخارجية العرب ، و عندما افاقوا من الصدمة تدافعوا في سباق نحو الباب ، لكن السيد محمد ميرغني و وفده قد غادروا القاعة . فلحقوا به في غرفته : بعضهم يعتذر بأنه يود أن يعطى الفرصة لشرح ما قاله ، و آخر يؤكد انه لا علاقة لحديث بعدم قطع السودان بعلاقاته مع مصر ، وبعضهم انه لم يقصد ما توصل إليه معالي الوزير من نتيحة ، لما أعينهم الحيلة تساءلوا جميعا في حيرة : (معالي الوزير هل هذا موقف شخصي أم تعليمات الدولة ؟) . رد الوزير : هذا هو موقف الدولة السودانية و قرارها .
رفعت الجلسة و عاد الجميع إلى غرفة الوزير السوداني كل يحاول أن يجد مخرجا لكي يتم إنقاذ الموقف . انتهى اليوم كله إلى لا شى . و في اليوم التالي تقاطروا مرة أخرى إلى غرفته و تعهدوا جميعا بالا يفتح أي واحد منهم هذا الموضوع مرة أخرى ، كما التزموا إلا يحرم عضوا بسبب عدم تسديد اشتراكه من الاستفادة من خدمات مؤسسات الجامعة . قاد وزراء الخارجية العرب الوزير السوداني إلى القاعة مرة أخرى و رجع إلى مقعده وسط إعجاب الدول الفقيرة و مهابة الدول الغنية .
و عند عودته و في اجتماع مجلس الوزراء استمع المجلس إلى حديث الوزير محمد ميرغني و عند انتهائه فاجأ الرئيس نميري الحضور بسؤاله الوزير مستنكرا : رجعت ليه و ضيعت لينا فرصة الانسحاب ؟؟ .
صمت الجميع في القاعة بما فيهم محمد ميرغني ، و انتهى الاجتماع .

‫شاهد أيضًا‬

صورة معيبة عن الحكم المدني

د. محمد صديق العربي : بدايات الفترة الانتقالية راهن أحد الأصدقاء على ان شخصية حمدوك المعرو…